للتحميل والإستماع: ديوان سندباد للأطفال، بصوت مؤلفه: الشاعر اللبناني الصديق أنطوان رعد نقيب المعلمين اللبنانيين سابقا، موسيقى نصير شمة، الزمن نصف ساعة، صدر الديوان باللغة العربية والإنكليزية والفرنسية في بيروت سنة 2005- 2006م

Launch in external player

****

رابط الاستماع والتحميل

اضغط هنا

*****

يمكنكم تشغيل فلاش الملف التالي والتحكم بمستوى الصوت، بالضغط على السهم الأبيض وسط المربع الأسود


******

رابط التحميل
اضغط icon Books,Raad.ram (23.92 MB)  هنا

رابط آخر له علاقة بمقابلة الشاعر انطوان رعد

اضغط هنا

***

واضغط هنا

*****

سهرة‮ ‬لندنية‮ ‬مع‮ ‬الشعر‮ ‬ولبنان‮ ‬وسندباد‮ ‬بغداد‮ ‬
احتفاء‮ ‬بالشاعر‮ ‬اللبناني‮ ‬أنطوان‮ ‬رعد، ‬والفنان‮ ‬المصري‮ ‬فرماوي‮، ‬والأكاديمي‮ ‬فؤاد‮ ‬مجلي‮،‬ شهدت العاصمة البريطانية تكريم الشاعر اللبناني أنطوان رعد، في احتفالية حضرت مجموعة متميزة من المثقفين العرب والأدباء والإعلاميين في تظاهرة حاشدة اعادت تجميع عرب لندن في لقاء حميم للغاية، التفّ حول الشاعر وشِعره وأدبه. وأنطوان بجانب الشعر، صحافي وكاتب وتولى رئاسة نقابة المعلمين في لبنان، كما رأس النادي العربي في بريطانيا. وجاء الاحتفال بمناسبة صدور الطبعات العربية والإنجليزية والفرنسية لديوانه "السندباد" الذي يضم عشرات القصائد التي تُكمل مسيرة الشاعر وتستلهم أساطير كتاب ألف‮ ‬ليلة‮

******

أنطوان رعد يكتب شعراً رحلة «السندباد»من بغداد الى لندن
في العصر العباسي عرف الأدب العربي نوعاً من الشعر سمِّي بالشعر التعليمي، كانت تُنظم فيه علوم ذلك العصر من صرف ونحو وطب ومنطق وفلك كما أقاصيصه شعراً، في محاولة من ناظميها لتقريبها من أذهان الطلاب وجعلها قابلة للحفظ، لما في النظم من إيقاع وتنغيم وتقطيع موسيقي.

من هذه الشرفة التاريخية، نطل على كتاب «السندباد» للبناني أنطون رعد* الذي يختار نصاً سردياً يعود للعصر العباسي ويعيد انتاجه نظماً وشعراً، فيستل نص «السفرة الثانية للسندباد البحري» من كتاب «ألف ليلة وليلة»، ويصوغه بواسطة التفعيلة نصاً جديداً، فيصيب عصفورين في حجر واحد، إذ يرصِّع النص السردي بالموسيقى والايقاع والنغم ما يجعله سهلاً عذباً قريباً من الأسماع والأذهان من جهة، و «يطفلنه» فيجعله داخلاً في حقل أدب الأطفال من جهة ثانية محدثاً تغييراً نوعياً في بنية النص. ناهيك بأن المؤلف بعمله هذا، وباللوحات الجميلة للفنان التشكيلي المصري سعيد فرماوي، وبتسجيل النص على قرصين مدمجين بصوت صاحبه وموسيقى نصير شمّة، يكون قد زاوج بين السرد والنظم والرسم والموسيقى والإلقاء، وأقام تكاملاً بين الكتاب الورقي والكتاب الألكتروني، وقدم عملاً متكاملاً تضافرت فيه الحكاية الجميلة والنظم الحسن والرسوم المعبرة في الشكل واللون والاخراج، وهو عمل يستحقه الطفل العربي المهمش في أدبنا العربي الى حد كبير.

ولأن النص هو ما يعنينا في هذه العجالة، فإن ثمة إشكالات يطرحها عمل أنطوان رعد، منها: حين يوضع نص سردي في إطار شعري هل نكون أمام شعر سردي أم حكاية شعرية؟ وهل يمكن المحافظة على التوازن بين السرد والشعر أم لا بد من أن يطغى أحدهما على الآخر؟ هل كان النص الجديد أميناً على النص القديم؟ وإذا كان الأمر كذلك أين يكون المؤلف من الإبداع وهو يعدو دوره عملية تحويل تقني للنص من نوع الى آخر؟

في مقاربة هذه الاشكالات، نشير الى أن أنطوان رعد يتخذ من التفعيلة شكلاً شعرياً يعيد بواسطته سرد الحكاية، فيوفر للنص الجديد عنصر الموسيقى المتأتي من الوزن وتعدد القوافي وتكرارها وتشابه التفعيلات الأخيرة في الأسطر. وإذا ما علمنا ان عنصر الموسيقى هو عنصر خارجي في الشعر، وأن الجمل التي تنطوي على شحنة شعرية تقوم على التضاد أو الاستعارة الجميلة أو التشبيه المبتكر أو الصورة الشعرية تتناثر بين ثنايا الجمل السردية ذات اللغة المباشرة على قلّة، لأمكن القول اننا ازاء نص سردي مغلّف بقشرة شعرية رقيقة، ولعل التوجه بالنص الى الأطفال يشكل مبرِّراً لهذا الصنيع. ومن هذا، يمكننا ان نقتطع من السياق جملاً تحتوي على شحنات شعرية متفاوتة، من قبيل» وانفجر الطوفان (ص 32)، تندبه الرياح والموج يرغي حوله ويزبدُ (ص 34)، البحر في امتداده سجادة زرقاء (ص 22)،... عباءات مقصّبة أنعم من عشب البحيرات (ص 20)، ينهشني الصداع/ يقتلني الظمأ/ مفاصلي يأكلها الصدأ (ص 38)، والتمعت في خاطري فكرة/ كالشرر الوهاج في جمرة (ص 48)، في ليلة تفتحت نجومها أزهار (ص 50)، تدفق النهار تبراً على مشارف الفضاء، والشمس برتقالة (ص 54)، الرخ في انقضاضه يفترس المسافة (ص 56)، والسندباد ببيته الخطر (ص 16، 86)، وهذه الجملة الأخيرة التي تكررت في النص تحيل الى بيت شعري لسعيد عقل هو: «وقال: من خطرٍ نمضي الى خطرٍ/ ما همَّ نحن خلقنا بيتنا الخطرُ».

وهكذا، تتناثر هذه الجمل وغيرها على مساحة النص بمقدار محدد، لا ينجح معه في تحيله الى نص شعري أو المحافظة على التوازن بين السرد والشعر، على الأقل، ما يجعل هذا التوازن مفقوداً لمصلحة السرد. وعليه، فإن محاكمة النص سردياً تبدو الى العدالة النقدية أدنى.

ومن هذا المنطلق، يمكن القول ان السندباد هو الشخصية الرئيسة في النص، وهي مطابقة مبدئياً لتلك التي تقدمها «ألف ليلة وليلة» في النص السردي. ففي النصين كليهما يبدو السندباد محباً للسفر والمغامرة والمتاجرة واكتشاف المجهول والشجاعة وركوب الأخطار والقوة والحنين الى الوطن. غير ان سندباد أنطوان رعد يختلف عن الأول في أنه بعدما نجا من الأخطار يقسم بعدم السفر وركوب البحر والمتاجرة، ويشكل رمزاً للانسان وما يعترضه في حياته من مصاعب ومتاعب، ويتماهى معه المؤلف حين تحط به الرحال في لندن بحثاً عن وسادة يلقي عليها رأسه، «فلم يجد فيها سوى سماء نجومها أرامل وشمسها عجوز» (ص 89). إنها المسافة بين الشباب والتعب، يقطعها السندباد/ المؤلف بين الشمس/ البرتقالة والشمس/ العجوز.

وليست وحدها شخصية سندباد تتغير بين النصين القديم والجديد، فالأحداث أيضاً تتغير بعض الشيء. وعلى رغم ان المؤلف في شكل عام أميناً على الحكاية الأولى، فإنه لدى نظمها يتصرف فيها، ويتراوح تصرّفه بين الاضافة والتغيير والحذف، فيضيف وصفه للسماء وكواكبها ونيازكها والزمرد المبعثر فوقها والفيروز تحتها، على لسان سندباد بعد أن امتطى طائر الرخ. ويغير في سبب وتوقيت حلّ سندباد عمامته بحيث يحصل ذلك بعد انقضاض الرخ على الأفعى. ويحذف حين ينهي الحكاية بعد نجاة السندباد مباشرة بينما تمتد في النص الأصلي الى أبعد من ذلك. ويغيّر ايضاً حين يجعل الأقدار تلقي السندباد في الجزيرة المعزولة إثر تحطم مركبه ونجاته من الغرق خلافاً لما ورد في الحكاية الأصلية.

وبعد، اذا كان انطوان رعد لم يبدع الحكاية، فحسبه انه بإعادة سردها في إطار التفعيلة العروضية فرّ بها من الأطفال بالايقاع الموسيقي، وعزز الحكائية السردية فيها، فأصبحت جاذبيتها مضاعفة. وجاءت اللوحات الجميلة لسعيد فرماوي لتجعل هذه الجاذبية مثلثة. واستطاع الاثنان ان يقدِّما للطفل العربي حكاية تراثية جميلة تصالحه مع تراثه، تنمي مخيلته وتصقل لغته وتهذّب سمعه وتريح بصره.

******

أدب الأطفال... نحو إعادة الاعتبار الى المخيّلة والذكاء
الكتب والأعمال الابداعيّة التي تتوجّه الى جمهور الصغار، لا تحصى في العالم العربي. لكن السؤال هو نفسه على الدوام: إلى أي مدى تنجح تلك الأعمال في مخاطبة الطفل العربي حقاً، لا بطريقة قسرية وفوقية، إنّما باستثارة مخيّلته، واثراء عالمه، وتنمية حساسيته؟
يُجمِعُ أهلُ الاختصاص على أن مخاطبة الأطفال تفترض أولاً الإحاطة بهذا الجمهور الخاص جداً، من جوانب نفسية وثقافيّة وتربويّة عدّة... وتفترض أيضاً

احترام «المتلقي» الصغير، وهو مشروع القارئ والمواطن والفرد والانسان

احترام ذكائه وحساسيته واستقلاليته وشخصيته ومزاجه، والتعاطي مع عفويته، وتلبية فضوله، وتجنّب الاثقال عليه بالايديولوجيا والوعظ، وعدم الإساءة الى براءته - والبراءة غير السذاجة

الأطفال جمهور صعب، خلافاً للاعتقاد السائد، جمهور قاس في أحكامه وتفاعله وطرق تجاوبه. والتوجّه إلى هذا الجمهور في زماننا يشكّل تحدياً فعلياً... وفي هذا السياق أصدر الشاعر أنطوان رعد كتاب «السندباد» (رسوم سعيد الفرماوي)، كما انطلقت «دار الآداب» البيروتية أخيراً في مغامرة أدب الأطفال. إذ أصدر سماح إدريس سلسلة قصص «حكايات ولد من بيروت» من تأليفه (رسوم ياسمين طعّان). تقوم القصص على مديح الشقاوة والتمرد، وتعتمد لغة حديثة، ولا تتردد في استعمال مفردات عامية، وكلمات أجنبيّة مستقاة من لغة الحياة.

***

مقابلة : جريدة (الزمان) العدد 1314 التاريخ 2002 - 9 -17
الشاعر اللبناني انطوان رعد لـ(الزمان): الإسراف في الغموض كالإسراف في الوضوح كلاهما يغتال الشعر - حبذا لو عاد ادونيس الي غنائيته الرائعة - كرم نعمة
هو احد اولئك المسكونين بالغنائية في الشعر، يكتب القصيدة وكأنه يغني!
فانطوان رعد شاعر لم يغادر محطاته سريعا دون ان يكتشف كوامنها منذ مجموعته الاولي (خصلة شعر 1959)، ومروراً (بمواويل لبنانية لحبيب اسمه العراق 1988) حتي اخر مجموعة صدرت له وشم علي الريح التي ضمت بين متنها قصيدة فارغة تماما الا من العنوان هكذا سماها كسل!! .
في جانبه الاخر يكتب الشاعر اللبناني في أدب الاطفال ليكون من بين الاسماء المبرزة التي تجهد مخيلتها الشعرية للوصول الي نص طفولي لامع. وسيصدر له قريبا باللغة الانكليزية (سيرة السندباد البحري) في قصيدة طويلة ترجمها الدكتور فؤاد مجلي. ويمكن اختصار سيرة هذا الشاعر بالمخلص للقصيدة وحدها، لاينأي عنها. كذلك عدت به الي آخر مجامعيه الشعرية وتحديدا الي قصيدة لا تحتوي الا علي العنوان.
û قصيدة الكسل في مجموعة وشم علي الريح بدت اشبه بلعبة شعرية خارج سباق ما تكتبه من نص ينحو بعيدا عن الغموض، ألم تكن غامضاً في قصيدة كسل ؟
ــ تندرج قصيدة الكسل في سياق ما يعرف بقصيدة البياض مع انني لست من اتباع هذا النهج. كل ما في الامر ان طبيعة الموضوع اقتضت مثل هذا التدبير الذي التبس علي بعض القراء فاعتبر ذلك خطأ مطبعياً او شيئا من هذا القبيل في حين ان البياض في الصفحة العذراء ثم عن سابق قصد وتصور وتصميم. انا لا اشجع البياض في الكتابة ولا ادينه، فاذا جاء في سياق يخدم النص فهو عنصر ايجابي واذا صدر عن نزوة او رغبة في المخالفة لمجرد المخالفة فهو يعبر عن افلاس صاحبه في تقديم مادة شعرية دسمة تشبع شهية القاريء.

العودة الي اعمالي الشعرية
û حسناً، ألا تعتقد انك بذلك تناقض مواصفات نصك الشعري، فانك مازلت تكتب القصيدة نفسها منذ بداية تجربتك الشعرية؟
ــ لا أجد في ذلك اي تناقض، فأنا كتبت القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، وكتبت قصائد مطولة وقصائد لا تتعدي البيتين او البيت الواحد (علي طريقة شعر الهايكو عند اليابانيين). اما الزعم بانني ما زلت اكتب القصيدة نفسها منذ بداية تجربتي الشعرية فان تصفح مجموعاتي الشعرية بدءاً من خصلة شعر (1959) وأبدا في رحلة (1962) وتاجرا الرماد (1964) وبطاقة دعوة الي سجن ما (1977) وسلة الطفولة (1982) ومواويل لبنانية لحبيب اسمه العراق (1988) ووشم علي الريح (1995) تثبت لكل ذي بصيرة بانني لا اجتر نفسي مع انني احرص كل الحرص في كل مجموعاتي الشعرية علي العناية بموسيقي الشعر عناية خاصة ايمانا مني بان الموسيقي هي العمود الفقري للشعر.
ولا اعني بالموسيقي الوزن والقافية فقط، فثمة عناصر اخري تكون الموسيقي في القصيدة، وعلي الشاعر ان يتفنن في ابداع موسيقاه وان يكتشف الطاقات الموسيقية اللامتناهية التي يوفرها شعر التفعيلة بصورة خاصة واللغة العربية بصورة عامة.. والذين يعتقدون ان الوزن والقافية وحدهما يكونان موسيقي القصيدة هم في الواقع واهمون، لان هذه المعادلة لا تصح حتي في القصيدة العمودية التي تعتمد وزنا واحدا وقافية واحدة علي اعتبار ان بعض ابيات القصيدة الواحدة تتفاوت قيمتها الموسيقية اذ نقع علي ابيات رائعة وابيات متوسطة وابيات تكاد تكون رديئة والأمثلة علي ذلك اكثر من ان تحصي وتعد سواء في الشعر الجاهلي او الاموي او العباسي او شعر النهضة.
فلو اخذنا مثلا هذين البيتين من معلقة امريء القيس:
وقد اغتدي والطير في وكناتها
بمنجرد قيد الأوابد هيكل
مكر مفر مقبل مدبر معاً
كجلمود صخر حطّه السيل من عل
نجد ان البيت الثاني/ أروع من الناحية الموسيقية مع ان كلا البيتين علي وزن واحد وقامة واحدة ومرد ذلك الي استخدام الاحرف المضاعفة والتنوين (اربع مرات) فضلا عن ان تكرار حرفي الميم والراء بوفرة وفر للبيت ايقاعا تصويرياً بالغاً الروعة جعل القارئ يكتشف الصورة من خلال الايقاع.
ولو تناولنا هذين البيتين من قصيدة وحيدة المغنية لأبن الرومي:
لا تراها هناك تحط عين
لكن منها ولا يدر وريد
مد في شأو صوتها نفس كاف
كأنفاس عاشقيها مديد
فالبيت الاول اقل من عادي لجهة طاقاته الموسيقية اما البيت الثاني فقد تضمن عناصر موسيقية تجعله غاية في الروعة فالشاعر استعان ببيت موصول ليوهمنا بان صوت وحيد يمتدد دون انقطاع وكرر حرف الفاء اربع مرات ما اشاع الدفء في عروق الكلمات كما كان صوت وحيد يسكب الدفء في قلوب عاشقيها ناهيك بان تكرار احرف المد ست مرات علي التوالي أوحي بامتداد صوت المغنية وحيد.

آفاق لا متناهية
û انك في ذلك مازلت تري الوظيفة الكلاسيكية في القصيدة، ألا تري ان الشعر المعاصر، او علي الاقل عليه ان يغادر مواصفاته التقليدية الي فضاءات معاصرة؟
ــ بطبيعة الحال شرط ألا يتنكر للتراث.. والحرص علي التراث لا يتم بتحنيطه بل بتطويره فلا يكون شرنقة يختنق فيها الفكر والخيال بل شرفة يطلان منها علي آفاق لامتناهية. ان نسخ التجارب الشعرية لدي الغربيين او لدي سائر الشعوب ليس تجديدا كما يدعي البعض.. انما هو محاولات يائسة لإيهام القراء بقدرة الشاعر علي خلق مناخات جديدة.. والتلطي وراء الايغال في الابهام والغموض قد يكون وجهاً آخر لعجز الشاعر عن تقديم ما يمكن مساءلته عنه بعيدا عن الهلوسة والهذيان.. إن الاسراف في الغموض كالاسراف في الوضوح كلاهما يغتال الشعر.
û هل لك ان تعطينا في ذلك رأياً محدداً في اصحاب هذه التجارب، ادونيس، سليم بركات؟
ــ ادونيس صديق احب، وشاعر اكن له كل تقدير واحترام، ولكنني اجد صعوبة بالغة في متابعة تجاربه الشعرية الاخيرة لانها توغل في الغموض والتعقيد وتسبب للقاريء الصداع أحياناً بدل أن توفر له النشوة الغامضة التي يتوخاها من متابعة الشعر.. الضباب الشفاف الذي تلمح الغابة من خلاله اكثر فتوناً وجمالاً مستحباً في الشعر، ولكن الظلام الدامس يحيل الغابة كتلة من السواد.. اخشي ان يكون الصديق ادونيس قد انزلق في تجاربه الاخيرة نحو هذا المنحي وحبذا لو عاد الي غنائيته الرائعة في قصائد اولي وحملها المضامين الانسانية والوجودية والصوفية التي حملها شعره لاحقا، انني اشعر بحنين جارف الي الشعر الذي كتبه ادونيس في الخمسينيات والستينيات وعلي سبيل المثال تحضرنا هذه الابيات:
كلما اغرقت في عينيك عيني
ألمح الفجر العميقا
وأري الامس العتيقا
وأري ما لست ادري
وأحس الكون يجري
بين عينيك وبيني
كلما اغرقت في عينيك عيني
ان شاعراً يكتب بمثل هذه العفوية الرائعة قادر علي ان يقود الريادة الشعرية وان يظل في متناول القراء المثقفين والعاديين.
وهنا تكمن المعادلة الصعبة الا اذا آثر ان يكتب نظريات شعرية يسعي الي تطبيقها لاحقا في قصائده كما لو كان عالما في مختبر.
لقد تألق ادونيس في القصيدة العمودية وحلق في قصيدة التفعيلة وابدع في قصيدة النثر انه شاعر فذ يملك موهبة نادرة وثقافة واسعة وهو بما له من طاقات فنية قادر علي ان يوصل شعره الي قاعدة عريضة جدا من الناس فلماذا يصر علي تقليص قاعدة قرائه؟
صحيح ان ادونيس لا يقدم تنازلات فنية ليستدر التصفيق ويدغدغ غرائز الجمهور ولكن الثورة في الشعر تتحقق بمعزل عن المتلقين تماما كالقبلة الناجحة التي لا تتم من طرف واحد.
اما بالنسبة الي الشاعر سليم بركات فأنا اعتذر عن عدم ابداء رأي في شعره لأنني لم أقرأ له إلا نادراً وهذا تقصير ألوم نفسي عليه مع ان لابد لي منه.
û ماذا عنك كشاعر، اما زالت القصيدة تمنحك شيئا من الحلم، ام اصبح الشعر من الخيبة؟
ــ تجد الاجابة عن سؤالك في القصيدة التي افتتحت بها مجموعتي (وشم علي الريح) وفيها اقول:
بيني وبين الحبر يا صديقتي
علاقة الضرورة
علاقة التحول الدائم والصيرورة
فالحبر كيمياء
والحبر افيوني ولعنتي
ونعمتي السوداء..
الشعر ياصديقي زفاف الحلم الي الخيبة.. هو هذا العذاب الذي يمنحك سعادة لها مذاق العسل المر.. يسكننا ونسكنه ويمتحننا ونمتحنه .. وفي نهاية المطاف لا يبقي للشاعر سوي الشعر ولا

الكتابة للاطفال
û ماذا عن الكتابة للاطفال، فثمة فرق شاسع بين الكتابة عنهم والكتابة لهم؟

الكتابة عن الاطفال تختلف بكل تأكيد عن الكتابة للاطفال، اهتمامي بشعر الاطفال اشبه بدعوة متأخرة وقد تم عن طريق المصادفة اذ كنت ازور عديلي ــ رحمه الله ــ فجاءتني ابنته التي لم تتجاوز الثامنة من العمر والدمعة في عينيها، وسألتني مساعدتها في فهم قصيدة استظهار يتعذر عليها حفظها. ولدي قراءة القصيدة هالني الأمر ووجدت ــ انا استاذ الادب العربي طوال سنوات ــ صعوبة في فهم تلك القصيدة التي كانت اعتداء صارخا علي عقل الطفل سواء لجهة مفرداتها ام لجهة موضوعها.. ومنذ تلك اللحظة ومضت في ذهني فكرة قصائد للاطفال. وما لبثت الفكرة ان غدت هاجساً يسكنني الي ان وضعتها موضع التنفيذ ايمانا مني بان قصائد الاطفال يجب ان تكون متعة لهم لا عقوبة ننزلها بهم، وقد حرصت في كتابتي شعرا للاطفال علي التعامل معهم بعفوية وديمقراطية وعلي تناول موضوعات تستقطب اهتمامهم وتنسجم مع احلامهم الملونة وشيطناتهم البريئة.
انني ارفض ان احول شعر الاطفال منبراً للوعظ والارشاد كما أرفض ان نفرض علي الطفل توجيها ايديولوجياً لأننا بذلك نغتصب عقله البكر، وان كان من المستحسن والمستحب ان نأخذ بيد الطفل وان نساعده علي تنمية شخصيته وتفكيره عن طريق العرض لا عن طريق الغرض. ومما لا شك فيه ان كتابة قصائد للاطفال مهمة صعبة وعملية معقدة اذ تفترض تحقيق المعادلة الآتية. توفير البساطة من دون تقديم تنازلات فنية. في اعماق كل شاعر يهجع طفل كبير ويوم نخنق هذا الطفل تذبل البراءة وتيبس الدهشة وينتحر الحلم. وانا عندما اكتب شعراً للاطفال انصت الي ذلك الطفل الكبير الذي يسكنني فأعيش حالة تفرض علي المفردات وطريقة الصياغة ونوعية الصور فلا اجدني مضطرا الي التدخل في كل لحظة لفرض رقابة ذاتية علي كتابة القصيدة بل اترك الطفل يلهو ويعبث ويخربش .الا ان الرقابة تصبح أمراً لابد منه عندما افرغ من كتابة القصيدة اذ يتوقف دوري عندئذ كشاعر ليبدأ دوري كناقد يهذب حينا ويشذب حينا آخر ويستبدل كلمة بكلمة او صورة بصورة مرة ثالثة.
تري هل كشفت لك عن سر المهنة في كتابه شعر للاطفال؟ حتما لا ومرد ذلك بكل بساطة الي انني شخصيا اجهل هذا السر وكثيرا ما اضع في ذهني مخططا لقصيدة ثم تولد القصيدة من دون ان تأخذ في الاعتبار ذلك المخطط.

جريدة (الزمان) العدد 1314 التاريخ 2002 - 9 -17

****

رحلة ((السندباد)) من بغداد الى لندن
سليمان زين الدين
 في العصر العباسي عرف الأدب العربي نوعاً من الشعر سمِّي بالشعر التعليمي، كانت تُنظم فيه علوم ذلك العصر من صرف ونحو وطب ومنطق وفلك كما أقاصيصه شعراً، في محاولة من ناظميها لتقريبها من أذهان الطلاب وجعلها قابلة للحفظ، لما في النظم من إيقاع وتنغيم وتقطيع موسيقي.
من هذه الشرفة التاريخية، نطل على كتاب "السندباد" للبناني أنطون رعد* الذي يختار نصاً سردياً يعود للعصر العباسي ويعيد انتاجه نظماً وشعراً، فيستل نص "السفرة الثانية للسندباد البحري" من كتاب "ألف ليلة وليلة"، ويصوغه بواسطة التفعيلة نصاً جديداً، فيصيب عصفورين في حجر واحد، إذ يرصِّع النص السردي بالموسيقى والايقاع والنغم ما يجعله سهلاً عذباً قريباً من الأسماع والأذهان من جهة، و "يطفلنه" فيجعله داخلاً في حقل أدب الأطفال من جهة ثانية محدثاً تغييراً نوعياً في بنية النص. ناهيك بأن المؤلف بعمله هذا، وباللوحات الجميلة للفنان التشكيلي المصري سعيد فرماوي، وبتسجيل النص على قرصين مدمجين بصوت صاحبه وموسيقى نصير شمّة، يكون قد زاوج بين السرد والنظم والرسم والموسيقى والإلقاء، وأقام تكاملاً بين الكتاب الورقي والكتاب الألكتروني، وقدم عملاً متكاملاً تضافرت فيه الحكاية الجميلة والنظم الحسن والرسوم المعبرة في الشكل واللون والاخراج، وهو عمل يستحقه الطفل العربي المهمش في أدبنا العربي الى حد كبير.
نص سردي
ولأن النص هو ما يعنينا في هذه العجالة، فإن ثمة إشكالات يطرحها عمل أنطوان رعد، منها: حين يوضع نص سردي في إطار شعري هل نكون أمام شعر سردي أم حكاية شعرية؟ وهل يمكن المحافظة على التوازن بين السرد والشعر أم لا بد من أن يطغى أحدهما على الآخر؟ هل كان النص الجديد أميناً على النص القديم؟ وإذا كان الأمر كذلك أين يكون المؤلف من الإبداع وهو يعدو دوره عملية تحويل تقني للنص من نوع الى آخر؟

في مقاربة هذه الاشكالات، نشير الى أن أنطوان رعد يتخذ من التفعيلة شكلاً شعرياً يعيد بواسطته سرد الحكاية، فيوفر للنص الجديد عنصر الموسيقى المتأتي من الوزن وتعدد القوافي وتكرارها وتشابه التفعيلات الأخيرة في الأسطر. وإذا ما علمنا ان عنصر الموسيقى هو عنصر خارجي في الشعر، وأن الجمل التي تنطوي على شحنة شعرية تقوم على التضاد أو الاستعارة الجميلة أو التشبيه المبتكر أو الصورة الشعرية تتناثر بين ثنايا الجمل السردية ذات اللغة المباشرة على قلّة، لأمكن القول اننا ازاء نص سردي مغلّف بقشرة شعرية رقيقة، ولعل التوجه بالنص الى الأطفال يشكل مبرِّراً لهذا الصنيع. ومن هذا، يمكننا ان نقتطع من السياق جملاً تحتوي على شحنات شعرية متفاوتة، من قبيل" وانفجر الطوفان (ص 32)، تندبه الرياح والموج يرغي حوله ويزبدُ (ص 34)، البحر في امتداده سجادة زرقاء (ص 22)،... عباءات مقصّبة أنعم من عشب البحيرات (ص 20)، ينهشني الصداع/ يقتلني الظمأ/ مفاصلي يأكلها الصدأ (ص 38)، والتمعت في خاطري فكرة/ كالشرر الوهاج في جمرة (ص 48)، في ليلة تفتحت نجومها أزهار (ص 50)، تدفق النهار تبراً على مشارف الفضاء، والشمس برتقالة (ص 54)، الرخ في انقضاضه يفترس المسافة (ص 56)، والسندباد ببيته الخطر (ص 16، 86)، وهذه الجملة الأخيرة التي تكررت في النص تحيل الى بيت شعري لسعيد عقل هو: "وقال: من خطرٍ نمضي الى خطرٍ/ ما همَّ نحن خلقنا بيتنا الخطرُ".
وهكذا، تتناثر هذه الجمل وغيرها على مساحة النص بمقدار محدد، لا ينجح معه في تحيله الى نص شعري أو المحافظة على التوازن بين السرد والشعر، على الأقل، ما يجعل هذا التوازن مفقوداً لمصلحة السرد. وعليه، فإن محاكمة النص سردياً تبدو الى العدالة النقدية أدنى.
ومن هذا المنطلق، يمكن القول ان السندباد هو الشخصية الرئيسة في النص، وهي مطابقة مبدئياً لتلك التي تقدمها "ألف ليلة وليلة" في النص السردي. ففي النصين كليهما يبدو السندباد محباً للسفر والمغامرة والمتاجرة واكتشاف المجهول والشجاعة وركوب الأخطار والقوة والحنين الى الوطن. غير ان سندباد أنطوان رعد يختلف عن الأول في أنه بعدما نجا من الأخطار يقسم بعدم السفر وركوب البحر والمتاجرة، ويشكل رمزاً للانسان وما يعترضه في حياته من مصاعب ومتاعب، ويتماهى معه المؤلف حين تحط به الرحال في لندن بحثاً عن وسادة يلقي عليها رأسه، "فلم يجد فيها سوى سماء نجومها أرامل وشمسها عجوز" (ص 89). إنها المسافة بين الشباب والتعب، يقطعها السندباد/ المؤلف بين الشمس/ البرتقالة والشمس/ العجوز.
وليست وحدها شخصية سندباد تتغير بين النصين القديم والجديد، فالأحداث أيضاً تتغير بعض الشيء. وعلى رغم ان المؤلف في شكل عام أميناً على الحكاية الأولى، فإنه لدى نظمها يتصرف فيها، ويتراوح تصرّفه بين الاضافة والتغيير والحذف، فيضيف وصفه للسماء وكواكبها ونيازكها والزمرد المبعثر فوقها والفيروز تحتها، على لسان سندباد بعد أن امتطى طائر الرخ. ويغير في سبب وتوقيت حلّ سندباد عمامته بحيث يحصل ذلك بعد انقضاض الرخ على الأفعى. ويحذف حين ينهي الحكاية بعد نجاة السندباد مباشرة بينما تمتد في النص الأصلي الى أبعد من ذلك. ويغيّر ايضاً حين يجعل الأقدار تلقي السندباد في الجزيرة المعزولة إثر تحطم مركبه ونجاته من الغرق خلافاً لما ورد في الحكاية الأصلية.
وبعد، اذا كان انطوان رعد لم يبدع الحكاية، فحسبه انه بإعادة سردها في إطار التفعيلة العروضية فرّ بها من الأطفال بالايقاع الموسيقي، وعزز الحكائية السردية فيها، فأصبحت جاذبيتها مضاعفة. وجاءت اللوحات الجميلة لسعيد فرماوي لتجعل هذه الجاذبية مثلثة. واستطاع الاثنان ان يقدِّما للطفل العربي حكاية تراثية جميلة تصالحه مع تراثه، تنمي مخيلته وتصقل لغته وتهذّب سمعه وتريح بصره.

********


thumb qr1 
 
thumb qr2
 

إحصاءات

عدد الزيارات
14874516
مواقع التواصل الاجتماعية
FacebookTwitterLinkedinRSS Feed

صور متنوعة