للقراءة والتحميل: بناء آياصوفيا رمز حضاري، د. محمود السيد الدغيم، جريدة الحياة؛ العدد:16255. الصفحة: 21. يوم السبت 24 من رمضان سنة 1428 هـ/ 6 تشرين1/ أكتوبر سنة 2007م

جريدة الحياة : اضغط هنا

اضغطİstanbul Ayasofya Müzesiهنا

أرشيف مقالات د. محمود السيد الدغيم في جريدة الحياة

اضغط هنا

وهنا

***********

بناء آياصوفيا في إسطنبول رمز من رموز التلاقح الحضاري الإنساني
د. محمود السيد الدغيم

بعدما اعتنق قسطنطين الأول الديانة المسيحية قرر نقل العاصمة من روما الوثنية إلى بيزنطة، وأمر بشييدها على سبعة مرتفعات، وسوّرها، وسمّاها القسطنطينية سنة 330م، وبنى فيها الكنائس، وكانت إحداها مكان آياصوفيا، ثم قُسِّمَت الإمبراطورية الرومانية إلى قسمين هما: الإمبراطورية الرومانية الشرقية، والإمبراطورية الرومانية الغربية التي سقطت في أيدي القبائل الجرمانية في القرن الخامس الميلادي، وعصيت الإمبراطورية الرومانية الشرقية على غُزاتها، وعُرِفَت بالإمبراطورية البيزنطية.
وامتازت القسطنطينية بالحيوية العمرانية والتجديد المتكرر بعد كل زلزال أو غزو، وجرّاء وقوع المدينة على خط الزلازل، فقد اعتنى البنّاؤون بقوّة الأبنية فيها لتقاموم الزلازل، كما اعتنوا بقوة أسوارها لتصدّ القوات الراغبة باجتياحها.
ومن الأبنية المشهورة في القسطنطينية بناء كنيسة آياصوفيا التي شرع في بنائها في زمن الإمبراطور البيزنطي قسطنطين الأول( 324-337م ) وبدعم مالي من القديسة آياصوفيا زوجة القيصر الروسي حسب بعض الروايات، ولكن الكنيسة افتتحت للمُقدسين في زمن الإمبراطور البيزنطي قسطنطين الثاني(337-361م) عام 360م.

وهنالك من يرى أن الكنيسة أنشئت في زمن قسطنطين الأول، ثم هدمت، فقام قسطنطين الثاني بإعادة بنائها ثانية، ثم تعرضت للحريق سنة 404م جرّاء تمرد وعصيان بيزنطي، ثم هُدمت فأعاد بناءها الإمبراطور البيزنطي تيودور الثاني سنة 415م.
ومثّلت آياصوفيا الكنيسة الشرقية الرومية الأرثوذكسية المناهضة للكنيسة الكاثوليكية الغربية في الفاتيكان، وذلك بعد الإنشقاق المسيحي الذي حصل في مجمع قالدوقيا(خلقدونية) الذي تناحر سنة 451م، وبدأ التنافس بين الكنيستين الشرقية والغربية مما أعطى لآياصوفيا المزيد من الاهتمام البيزنطي إذ أصبحت رمزا مقدساً بالنسبة للروم الأرثوذكس بكل معنى الكلمة.
ورغم القداسة الأرثوذكسية لآياصوفيا فإن ثورة الأحزاب البيزنطية المتمردة سنة 532م أسفرت عن تخريب وحرائق في القسطنطينية اجتاحت معظم أبنية المدينة بما فيها آياصوفيا، فأعاد بنائها مع تعديل جذري الإمبراطور البيزنطي "جستنيان أو جستينيانوس" بعدما أمر بجمع ما يلزم من الرخام والمرمر والأعمدة والحجارة من عموم أنحاء الإمبراطورية البيزنطية الشرقية.
وبذلك وصل الازدهار العمراني البيزنطي ذروته في القسطنطينية بحلول القرن السادس الميلادي ببناء آياصوفيا الجديد على أنقاض الكنيسة التي سبقتها، وامتازت آياصوفيا بسعة وارتفاع قبتها الضخمة، وقد استمرّ تشييدُ بنائها من سنة 532 حتى 27 كانون الأول/ ديسمبر سنة 537م، وأشرف على تصميمها المهندسان المعماريان "أنثيميوس أوف تراليسلي" و"إسيدرويس أوف ميليتوسلو"، اللذان مزجا بين نماذج العمارة الدينية المستدية، والعمارة الدنيوية المربعة، وتغلبا على ظاهرة الضغط بكثرة الفتحات في الجدران، وبالنوافذ المسقوفة بالقناطر والتي شكلت قاعدة القبة، وبذلك تمت الاستفادة من الكُوى والنوافذ والأبواب من ناحيتين مهمتين هما تخفيف ثقل البناء من ناحية، وتأمين إنارة كافية من ناحية أُخرى، واستُعمِلتْ موادُّ البناء الخفيفة من الآجُر المقاوم للزلازل جرّاء تماسكه وخفّة وزنه بالمقارنة مع الحجارة، وعمِل في بنائها عشرة آلاف عامل خلال مايقرب من ست سنوات متواصلة من العمل الدؤوب، ويقال: أنفق الإمبراطور جُستيان على بنائها 320 ألف رطل من الذهب، والعهدة على رواة الأخبار.

وامتاز بناء أياصوفيا بقبّة مركزية بيضوية ترتكز على مربع مرفوع على أربع بوائك مخروطية شبه مستديرة ضخمة يبلغ قطر البائكة الواحدة حوالي 3 أمتار، وهي عالية الارتفاع، إذ ترتفع القبة عن سطح الأرضية مسافة 60 و55م، وتبلغ مسافة أبعاد أقطارها 87 و30م من الشرق إلى الغرب، و87 و31م من الجنوب إلى الشمال.

وتوجد في داخل البناء ممرات معقودة بارتفاع طابقين تحيط بالبهو الرئيسي من الخلف واليمين واليسار باستثناء الجهة القبلية. وقد زُيِّنت الجدران والسقوف والقناطر بزخارف جميلة من الفسيفساء والرخام الملون. وقد اعتبر البنّاؤون ذلك البناء مثالاً يُحتذى، ولكنهم عجزوا إنجاز بناء مماثل بالسعة والارتفاع، واستمر التحدي عدة قرون من الزمن.
وقد عجز عن محاكاة آياصوفيا المعماريون "الكارولنجيون" الذين تعاونوا مع شارلمان الذي حكم الفرنجة من سنة 768 حتى 814م، وجمع البنائين حوله في مدينة آخن الألمانية، فأنجزوا منجزات عمرانية تطورت فيها أبنية الأضرحة والأديرة وأبراج الأسوار، ولكنهم لم ينجزوا بناءً يتفوق على آياصوفيا، وبعد طور العمارة "الكارولنجية" جاء طور عمارة "الرومانِسك" في أواخر القرن التاسع الميلادي، وازدهر في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين، وأنجز الكنائس التي صُمِّمت في إيطاليا أولاً، ثم في فرنسا وألمانيا وأسبانيا وإنجلترا أخيرًا، ولكن آياصوفيا بقيت تتربع على عرش التفوق المعماري العالمي.


ويستفاد من المصادر والمراجع التاريخية الخاصة بمدينة إسطنبول أن قبة آياصوفيا قد انهارت سنة 558م، فقام إيزادور الشاب بإعادة تعميرها وترميمها، وأكمل تلك الأعمال المعمارية سنة 562م. ثم تعرض الجانب الغربي من القبة للانهيار فرممه المعماري الأرمني "تردات" سنة 989 م، ثم  انهار الجانب الشرقي من القبة فتم ترميمه سنة 1346م، وبعد ذلك تعرضت آياصوفيا للإهمال جراء الأزمات السياسة والاقتصادية والعسكرية البيزنطية. ولكنها استمرت كمركز أول للمذهب الأرثوذكسي منذ بنائها وحتى فتح القسطنطينية سنة 857 هـ/ 1543م.
ولم يبق بناء آياصوفيا جامداً بل تطور مع تطور الزمن مع المحافظة على النواة الأولى المتمثلة بالقبة المركزية وما يحيط بها من أروقة، فقد أضيفت إلى البناء إضافات معمارية كثيرة بعناية فائقة توحي لمن يشاهدها بأنها من أصول البناء الأساسي.
فبعدما فتح السلطان العثماني محمد الثاني مدينة القسطنطينية عنوةً  سنة 857 هـ/ 1453م، صلى أول صلاة جمعة بعد الفتح في آياصوفيا. وبدأت مسيرة الإضافات والتعديلات، فبعد رحيل البيزنطيين؛ بدأ جامع آياصوفيا تاريخه الجديد. وأضيف له مؤقّتاً منبر ومئذنة من الخشب قبل بناء المآذن الأربعة الحالية. وتركت الزخارف والنقوش والرموز المسيحية – صور عيسى ومريم عليهما السلام -على الجدران والسقف دون تغيّر، ومازالت موجودة حتى اليوم. وبعد ذلك أضاف السلطان الفاتح مئذنة ثانية في الطرف الجنوبي الشرقي من المبنى، ثم بنيت المئذنة الشمالية الشرقية في زمن السلطان بايزيد الثاني، أمّا المئذنة الغربية فقد بناها المعمار سنان بأمر من السلطان سليم الثاني، وبذلك صارت لآياصوفيا أربع مآذن إحداها مبنية من الآجر.
وأُضيف إلى آياصوفيا فناء خارجي أطلق عليه اسم "الحريم" في زمن السلطان سليم الثاني(1566-1574م، وأضيفت دكة مرمرية لمحفل المؤذنين في عهد السلطان مراد الثالث 1574-1595م، ثم أضيفت المكتبة مابين سنتي 1739 و1742م، وفي زمن السلطان محمود الأول(1730-1754م ) أضيفت الميضأة "الشادروان" ومدرسة للصبيان سنة 1740م، وأضيف لآياصوفيا مقصورة سُلطانية. وفى الفناء الخارجي دفن السلطان سليم الثاني ومراد الثالث وأحمد الثالث، ودفن السلطان مصطفى الأول، والسلطان إبراهيم الأول في مكان قسم التعميد سابقاً.

أما الكتابت المدونة داخل قبة آياصوفيا فقد خطّها الخطاط قاضى العسكر مصطفى عزت أفندي، وبعدما تعرضت إسطنبول للزلازل، فطلبت السلطنة ترميم آياصوفيا من المعماريين السويسريين "كاسبر" و"جوسيب فوسات" من سنة 1847حتى 1849م، إذ ربطا القبة بإطارات حديدية من الخارج، ولم يهمل السلاطين ترميم أياصوفيا طيلة عهد الحكم العثماني، وفي العهد الجمهوري تحولت آياصوفيا إلى متحف ابتداء من سنة 1935م

********

لقراءة موضوع آياصوفيا والسليمية في أدرنة

اضغط هنا

*******


thumb qr1 
 
thumb qr2
 

إحصاءات

عدد الزيارات
16410050
مواقع التواصل الاجتماعية
FacebookTwitterLinkedinRSS Feed

صور متنوعة