للتحميل والقراءة : 39 مجلدا من أصل 45 مجلدا من مجلدات الموسوعة الفقهية التي أصدرتها وزارة الأوقاف الكويتية

الموسوعة الفقهية

الجزء الأول يبدأ من: أ : أئمّة
التّعريف

1 - الأئمّة لغةً : من يقتدى بهم من رئيس أو غيره . مفرده : إمام . ولا يبعد المعنى الاصطلاحيّ عن المعنى اللّغويّ ، بإطلاقه الشّامل للمقتدى بهم عموماً في مجال الخير والشّرّ ، طوعاً أو كرهاً .
وينتهي في إجزاء
التّعريف
1 - الإجزاء في اللّغة الكفاية والإغناء . وهو شرعاً : إغناء الفعل عن المطلوب ولو من غير زيادة عليه .
( الألفاظ ذات الصّلة )
الجواز
2 - يفترق الإجزاء عن الجواز بأنّ الإجزاء يكون بأداء المطلوب ولو دون زيادة كما ذكر . أمّا الجواز فإنّه يطلق على ما لا يمتنع شرعاً . الحلّ : كما يفترق الإجزاء عن الحلّ بأنّ الأجزاء قد يكون مع الشّوائب ، أمّا الحلّ ، فهو الإجزاء الخالص من كلّ شائبة ، ولذلك فإنّ الكراهة قد تجامع الإجزاء ، ولكنّها لا تجامع الحلّ في بعض الإطلاقات . الحكم الإجماليّ ومواطن البحث :
3 - يكون التّصرّف مجزئاً إذا استجمع شرائطه وأركانه وواجباته أيضاً عند الحنابلة فيجزئ في الوضوء الإتيان بفرائضه دون سننه ومستحبّاته . ويجزئ في الطّهارة بالماء التّطهّر بأحد المياه السّبعة وإن كان الماء الّذي جرى التّطهّر به مملوكاً للغير ، عند الجمهور . كما هو مذكور في باب الوضوء من كتب الفقه . ونحو ذلك كثير تجده في أبوابه من كتب الفقه .
نهاية الجزء الأول / الموسوعة الفقهية
وتتتابع أجزاء الموسوعة حتى الجزء التاسع والثلاثون، وأوّل موادّه مادة: ملائكة *
التّعريف :
1 - الملائكة جمع المَلَك بفتحتين , وهو واحد الملائكة , قيل : مخفّف من مالك , قال الكسائي : أصله مألك بتقديم الهمزة من الألوك وهي الرّسالة , ثمّ قلبت وقدّمت اللّام وقيل : أصله الملك بفتح ثمّ سكون : وهو الأخذ بقوّة , وأصل وزنه مفعل فتركت الهمزة لكثرة الاستعمال وظهرت في الجمع , وزيدت الهاء إمّا للمبالغة وإمّا لتأنيث الجمع .
وفي الاصطلاح : المَلَك جسم لطيف نورانيّ يتشكّل بأشكال مختلفة , ومسكنها السّماوات . الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الإنس :
2 - الإنس في اللغة : جماعة النّاس , والواحد إنسيّ وأنسيّ بالتّحريك , وهم بنو آدم , والإنسي يقتضي مخالفة الوحشيّ , والنّاس يقولون : إنسيّ ووحشيّ .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغويّ .
والفرق بين الملائكة والإنس : أنّ الملائكة خلقوا من نور , ولا يأكلون ولا يشربون , ويعبدون اللّه ويطيعونه , قال اللّه تعالى : { بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ } , وليس كذلك الإنس .
ب - الجن :
3 - الجن في اللغة : خلاف الإنس , والجان : الواحدة من الجنّ , وكان أهل الجاهليّة يسمون الملائكة جناً لاستتارهم عن العيون , يقال : جنّ اللّيل : إذا ستر .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغويّ . 
والصّلة بين الملائكة والجنّ أنّ كلاً منهما له قوّة التّشكل بأشكال مختلفة .
الحكم الإجمالي للملائكة :
وردت في الملائكة أحكام منها :
أوّلاً - الإيمان بالملائكة :
4 - من أركان العقيدة الإسلاميّة الإيمان بالملائكة , قال اللّه تعالى : { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } , وقال اللّه تعالى : { وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً } .
وفي حديث عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه عندما سأل جبريل عليه السلام عن الإيمان , قال صلى الله عليه وسلم : « أن تؤمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشرّه » .
فوجود الملائكة ثابت بالدّليل القطعيّ الّذي لا يمكن أن يلحقه شك , ومن هنا كان إنكار وجودهم كفراً بإجماع المسلمين , بل ينص على ذلك القرآن الكريم كما دلّت عليه الآية السّابقة .
ثانياً - صفاتهم الخلقيّة :
5 - أخبرنا ربنا سبحانه أنّ الملائكة خلقوا قبل آدم عليه السلام , قال اللّه تعالى : { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } .
كما أخبرنا النّبي صلى الله عليه وسلم أنّ اللّه خلق الملائكة من نور , فقد ورد عن عائشة رضي الله عنها أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « خُلقت الملائكة من نور , وخلق الجان من مارج من نار , وخلق آدم ممّا وصف لكم » .
فتدل النصوص في مجموعها على أنّ الملائكة مخلوقات نورانيّة ليس لها جسم مادّيّ يدرك بالحوّاس الإنسانيّة , وأنّهم ليسوا  كالبشر فلا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون ولا يتزوّجون, مطهّرون من الشّهوات الحيوانيّة , ومنزّهون عن الآثام والخطايا , ولا يتّصفون بشيء من الصّفات المادّيّة الّتي يتّصف بها ابن آدم غير أنّ لهم القدرة على أن يتمثّلوا بصور البشر بإذن اللّه تعالى .
ثالثاً - عبادة الملائكة للّه وما وكّل إليهم من أعمال :
6 - علاقة الملائكة باللّه هي علاقة العبوديّة الخالصة والطّاعة والامتثال والخضوع المطلق لأوامره عزّ وجلّ , قال تعالى : { لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } , وقد وصفهم اللّه بأنّهم لا يستكبرون عن عبادته , قال اللّه تعالى : { لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ ، يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ } .
وهم منقطعون دائماً لعبادة اللّه وطاعة أمره , كما ورد في الآيتين السّابقتين .
وعن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « ما في السّماوات السّبع موضع قدم ولا شبر ولا كف إلّا وفيه ملك قائم أو ملك راكع أو ملك ساجد , فإذا كان يوم القيامة قالوا جميعاً : سبحانك ما عبدناك حقّ عبادتك إلّا أنَّا لم نشرك بك شيئاً » .
7 - قال ابن القيّم : دلّ الكتاب والسنّة على أصناف الملائكة , وأنّها موكّلة بأصناف المخلوقات , وأنّه سبحانه وكّل بالجبال ملائكةً , ووكّل بالسّحاب ملائكةً , ووكّل بالرّحم ملائكةً تدبّر أمر النطفة حتّى يتمّ خلقها , ثمّ وكّل بالعبد ملائكةً لحفظه , وملائكةً لحفظ ما يعمله وإحصائه وكتابته , ووكّل بالموت ملائكةً , ووكّل بالسؤال في القبر ملائكةً , ووكّل بالأفلاك ملائكةً يحرّكونها , ووكّل بالشّمس والقمر ملائكةً , ووكّل بالنّار وإيقادها وتعذيب أهلها وعمارتها ملائكةً , ووكّل بالجنّة وعمارتها وغراسها وعمل الأنهار فيها ملائكةً , فالملائكة أعظم جنود اللّه تعالى , ومنهم : { وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفاً، فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا ، وَالنَّاشِرَاتِ نَشْراً ، فَالْفَارِقَاتِ فَرْقاً ، فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً } ومنهم : { وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً، وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً ، وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً، فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً ، فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً } ,
ومنهم : { وَالصَّافَّاتِ صَفّاً ، فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً ، فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً } .
ومنهم : ملائكة الرّحمة وملائكة العذاب , وملائكة قد وكّلوا بحمل العرش , وملائكة قد وكّلوا بعمارة السّماوات بالصّلاة والتّسبيح والتّقديس , إلى غير ذلك من أصناف الملائكة الّتي لا يحصيها إلّا اللّه تعالى .
ولفظ الملك يشعر بأنّه رسول منفّذ لأمر غيره , فليس لهم من الأمر شيء , بل الأمر كله للّه الواحد القهّار , وهم ينفّذون أمره { لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ } , { يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } , { لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } .
ولا تتنزّل الملائكة إلّا بأمر اللّه , ولا تفعل شيئاً إلّا من بعد إذنه .
ورؤساؤهم الأملاك الثّلاث : جبريل , وميكائيل , وإسرافيل , وكان النّبي يقول : « اللّهمّ ربّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل , فاطر السّماوات والأرض , عالم الغيب والشّهادة , أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون , اهدني لما أختلف فيه من الحقّ بإذنك , إنّك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم » .
فتوسّل إليه سبحانه بربوبيّته العامّة والخاصّة لهؤلاء الأملاك الثّلاثة الموكّلين بالحياة . فجبريل موكّل بالوحي الّذي به حياة القلوب والأرواح , وميكائيل وكّل بالقطر الّذي به حياة الأرض والنّبات والحيوان , وإسرافيل موكّل بالنّفخ في الصور الّذي به حياة الخلق بعد مماتهم .
رابعاً - تفضيل الملائكة :
8 - قال ابن عابدين من الحنفيّة نقلاً عن الزّندوستيّ : أجمعت الأمّة على أنّ الأنبياء أفضل الخليقة , وأنّ نبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم أفضلهم , وأنّ أفضل الخلائق بعد الأنبياء الملائكة الأربعة وحملة العرش والروحانيون ورضوان ومالك , وأنّ الصّحابة والتّابعين والشّهداء والصّالحين أفضل من سائر الملائكة .
واختلفوا بعد ذلك , فقال الإمام أبو حنيفة : سائر النّاس من المسلمين أفضل من سائر الملائكة , وقال محمّد وأبو يوسف : سائر الملائكة أفضل .
خامساً - سب الملائكة :
9 - اتّفق الفقهاء على أنّ من سبّ أنبياء اللّه تعالى أو ملائكته - الوارد ذكرهم في الكتاب الكريم والسنّة الصّحيحة - أو استخفّ بهم أو كذّبهم فيما أتوا به أو أنكر وجودهم وجحد نزولهم قتل كفراً .
واختلفوا هل يستتاب أم لا ؟
فقال الجمهور : يستتاب وجوباً أو استحباباً على خلاف بينهم .
وعند المالكيّة : لا يستتاب على المشهور .
قال الدسوقي : قتل ولم يستتب - أيّ بلا طلب أو بلا قبول توبة منه - حداً إن تاب وإلّا قتل كفراً , إلّا أن يسلم الكافر فلا يقتل لأنّ الإسلام يجب ما قبله .
قال الموّاق : وهذا كله فيمن تحقّق كونه من الملائكة والنّبيّين كجبريل وملك الموت والزّبانية ورضوان ومنكر ونكير , فأمّا من لم تثبت الأخبار بتعيينه ولا وقع الإجماع على كونه من الملائكة أو الأنبياء , كهاروت وماروت , ولقمان وذي القرنين ومريم وأمثالهم فليس الحكم فيهم ما ذكرنا إذ لم تثبت لهم تلك الحرمة , لكن يؤدّب من تنقّصهم .
وأمّا إنكار كونهم من الملائكة أو النّبيّين فإن كان المتكلّم من أهل العلم فلا حرج , وإن كان من عوامّ النّاس زجر عن الخوض في مثل هذا , وقد كره السّلف الكلام في مثل هذا ممّا ليس تحته عمل .
( ر : ردّة ف / 16 - 17 , 35 ) .
********
وينتهي هذ الجزء بمادة
مَيِّت *
التّعريف :
1 - الميت بتخفيف الياء وتشديدها في اللغة : هو الّذي فارق الحياة ويجمع على أمواتٍ , والميّت , " بتشديد الياء " : من في حكم الميت وليس به , ويجمع على أمواتٍ , وموتى . يقال : مات يموت موتاً فهو ميّت بالتّثقيل والتّخفيف , ويعدّى بالهمزة فيقال : أماته اللّه , وأمّا الحي فميّت بالتّثقيل لا غير , وعليه قوله تعالى : { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ } , أي سيموتون .
وفي الاصطلاح : الميت : الّذي فارق الحياة .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الحي :
2 - الحي لغةً : يقال : حَيي يحيى حياةً من  باب تعب فهو حيّ ويتعدّى بالهمزة فيقال : أحياه اللّه واستحييته - بياءين - إذا تركته حيّاً فلم تقتله , فالحي ضد الميت .
وفي الاصطلاح : الحي المتّصف بالحياة وهي صفّة توجب للموصوف بها أن يعلم ويقدر ظاهراً .
والعلاقة بين الميت والحيّ التّضاد .
ب - المحتضر :
3 - المحتضر : هو من في النّزع أي أشرف على الموت يقال حضره الموت واحتضره : أشرف فهو في النّزع .
والصّلة بين المحتضر والميت أنّ الاحتضار مقدّمة للموت .
الأحكام المتعلّقة بالميت :
أ - تقبيل وجه الميت :
4 - ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى جواز تقبيل وجه الميت لخبر « أنّه صلى الله عليه وسلم قبّل عثمان بن مظعون بعد موته » ، ولما ثبت « أنّ أبا بكر رضي الله عنه قبّل وجه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بعد موته » .
وذهب السبكي إلى استحباب ذلك لأهل الميت ويجوز لغيرهم , وخصّ الشّافعيّة وجه الميت الصّالح , أمّا غيره فيكره .
ب - تغميض عيني الميت :
5 - اتّفق الفقهاء على استحباب تغميض عيني الميت بعد ثبوت موته لما ورد عن أمّ سلمة قالت : « دخل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة وقد شقّ بصره فأغمضه ، ثمّ قال : إنّ الروح إذا قبض تبعه البصر » .
وروى شدّاد بن أوسٍ قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا البصر ، فإنّ البصر يتبع الروح , وقولوا خيراً  فإنّ الملائكة تؤمّن على ما قال أهل الميت » .
ولأنّ الميت إذا كان مفتوح العينين فلم يغمض حتّى يبرد بقي مفتوحاً فيقبح منظره .
ويقول من يغمض الميت : " بسم اللّه وعلى ملّة رسول اللّه " .
وقال أحمد : تغمض المرأة عينه إذا كانت ذات محرم له , وقال : يكره للحائض والجنب تغميضه وأن تقرباه .
ج - إخراج الحائض والنفساء والجنب من عند الميت :
6 - نصّ الحنفيّة على أنّه ينبغي إخراج النفساء والجنب من عند الميت وكذلك الحائض في رأي عندهم .
وذهب المالكيّة إلى أنّه يندب لمن حضرته علامات الموت تجنب حائض ونفساء وجنب لأجل الملائكة , وقال ابن حبيب : يستحب ألّا تحضر الحائض ولا الكافرة ، ولا يكون عنده وقربه غير طاهر .
ونصّ الحنابلة على أنّه يكره أن تقرب الحائض والجنب الميت لحديث : « لا تدخل الملائكة بيتاً فيه جنب » .
( ر : احتضار ف / 3 ) .
د - تلقين الميت بعد الموت :
7 - اختلف الفقهاء في تلقين الميت بعد موته : فذهب بعضهم إلى أنّه لا بأس بتلقينه لقوله صلى الله عليه وسلم : « لقّنوا موتاكم لا إله إلّا اللّه » .
وذهب بعضهم إلى أنّه لا يلقّن .
انظر تفصيل ذلك في مصطلح ( تلقين ف / 5 ، احتضار ف / 7 ) .
هـ - غسل الجنب والحائض الميت :
8 - ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى جواز أن يغسل الجنب والحائض الميت بلا كراهة لأنّ المقصود هو التّطهير , وهو حاصل بالجنب والحائض , ولأنّه لا يشترط في الغاسل الطّهارة .
وذهب المالكيّة إلى كراهة غسل الجنب للميت لأنّه يملك طهره ، ولا يكره تغسيل الحائض لأنّه لا تملك طهرها .
وروي عن أبي يوسف أنّه كره للحائض الغسل لأنّها لو اغتسلت لنفسها لم تعتدّ به فكذا إذا غسَّلت .
و - شدّ لحيي الميت وتليين مفاصله :
9 - اتّفق الفقهاء على استحباب شدّ لحيي الميت بعصابة عريضة تربط فوق رأسه , لئلّا يبقى فمه مفتوحاً , فتدخله الهوام ويتشوّه خلقه ويدخل الماء عند غسله .
وكذلك اتّفق الفقهاء على استحباب تليين مفاصل الميت , وذلك بردّ ساعده إلى عضده وساقه إلى فخذه وفخذه إلى بطنه , ثمّ تمد وتلين أصابعه بأن تردّ إلى بطن كفّه ثمّ تمد تسهيلاً لغسله وتكفينه , فإنّ في البدن بعد مفارقة الروح بقيّة حرارة فإذا ليّنت المفاصل حينئذٍ لانت وإلّا فلا يمكن تليينها .
وزاد الشّافعيّة أنّ تليين مفاصله تكون ولو بنحو دهن إن توقّف التّليين عليه ليسهل غسله . وذهب الحنابلة إلى ترك تليين المفاصل إذا تعذّر ذلك لأنّه لا يؤمن أن تنكسر أعضاؤه وصيّر به ذلك إلى المثلة .
ز - توجيه الميت للقبلة :
10 - اتّفق الفقهاء على استحباب توجيه الميت إلى القبلة لأنّها أشرف الجهات , ولكن اختلفوا في طريقة توجيه الميت إلى القبلة على أقوال :
فذهب الحنفيّة إلى أنّه يسن أن يوجّه المحتضر للقبلة على يمينه مثل توجيهه في القبر وجاز الاستلقاء على ظهره وقدماه إليها ولكن يرفع رأسه قليلاً ليتوجّه للقبلة , وقيل :  يوضع كما تيسّر على الأصحّ وإن شقّ عليه ترك على حاله .
وذهب المالكيّة إلى أنّه يستحب توجيهه للقبلة على يمينه , فإن لم يمكن فعلى يساره , فإن لم يمكن فعلى ظهره ورجلاه للقبلة , فإن لم يمكن فعلى بطنه ورأسه لها , وهذا بشرط أن يكون ذلك بعد شخوص بصره لا قبله لئلّا يفزعه ذلك .
وذهب الشّافعيّة في الصّحيح عندهم إلى أنّه يستحب توجيهه على جنبه الأيمن كما يوضع في اللّحد إلى القبلة فإن تعذّر وضعه على يمينه لضيق مكان أو لعلّة في جنبه أو غيرها فإنّه يوضع على جنبه الأيسر , فإن تعذّر ألقي على قفاه ووجهه وأخمصاه للقبلة بأن يرفع رأسه قليلاً , كأن يوضع تحت رأسه مرتفع ليتوجّه وجهه إلى القبلة .
ومقابل الصّحيح أنّ هذا الاستلقاء أفضل , فإن تعذّر اضطجع على جنبه الأيمن , فإن تعذّر وضع على جنبه الأيسر .
وللحنابلة في كيفيّة توجيه الميت للقبلة قولان :
أحدهما : أنّه يجعل على جنبه الأيمن وهو الصّحيح من المذهب .
والثّاني : أن يكون مستلقياً على قفاه ويرفع رأسه قليلاً , ليصير وجهه إلى القبلة دون السّماء .
وقال القاضي : إن كان الموضع واسعاً فعلى جنبه , وإلّا فعلى ظهره . واشترط بعضهم أنّه لا يوجّه قبل تيقن موته , والصّحيح من المذهب أنّ الأولى التّوجيه قبل ذلك .
ج - ستر بدن الميت :
11 - ذهب الفقهاء إلى استحباب ستر الميت حين الغسل على اختلاف بينهم في القدر الّذي يستر ويغطّى .
فذهب الحنفيّة إلى استحباب ستر الميت حين الغسل , وأنّ القدر الواجب في السّتر هو ستر عورته الغليظة فقط على الظّاهر من الرّواية , وقيل مطلقاً تستر عورته الغليظة والخفيفة . وذهب المالكيّة إلى استحباب أن يستر  الغاسل الميت من سرّته إلى ركبته إن كان الّذي يتولّى أمر الميت سيّداً أو زوجاً لكن إن كان الّذي يتولّى أمره أجنبيّاً فإنّه يجب ستر ما بين سرّته وركبته .
وذهب الشّافعيّة إلى استحباب ستر جميع بدنه بثوب خفيف بعد نزع ثيابه ما لم يكن محرماً , ويجعل طرف الثّوب تحت رأسه وطرفه الآخر تحت رجليه لئلّا ينكشف , واحترز بالثّوب الخفيف عن الثّقيل لأنّ الثّقيل يحميه فيغيّره وقد ورد عن عائشة رضي الله عنها أنّها قالت : « سجّي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حين مات بثوب حبرة » .
أمّا المُحرِم فيستر منه ما يجب تكفينه منه .
وصرّح القليوبي بأنّه لا يغطّى رأس المحرم ولا وجه المحرمة ويغسل الميت ندباً في قميصٍ لأنّه أستر له .
وقال الحنابلة : إذا شرع في غسله وجب ستر ما بين سرّته وركبته لقوله صلى الله عليه وسلم لعليّ رضي الله عنه : « لا تبرز فخذك , ولا تنظرن إلى فخذ حي ولا ميتٍ » ، وهذا في غير من سنه دون سبع سنين فلا بأس بغسله مجرّداً .
وقال القاضي : السنّة أن يغسّل في قميصٍ رقيق ينزل الماء فيه ولا يمنع أن يصل إلى بدنه ويدخل يده في كمّ القميص فيمرّها على بدنه والماء يصب فإن كان القميص ضيّقاً فتق رأس الدّخاريص وأدخل يده منه .
ط - قراءة القرآن بعد موت الميت وقبل غسله :
12 - نصّ الحنفيّة والمالكيّة على أنّه يكره قراءة القرآن على الميت بعد موته وقبل غسله. وذهب الحنابلة إلى أنّه يستحب أن يقرأ عند الميت سورة ( يس ) وكذا سورة الفاتحة . وللتّفصيل ( ر : قراءة ف / 17 , 18 ) .
ي - تغسيل الميت :
13 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ تغسيل المسلم واجب كفايةً .
وانظر حقيقته وحكمه , ومن يغسله , وكيفيّة تغسيله , وما يتّصل بذلك من أحكام في مصطلح ( تغسيل الميت ) .
ك - تكفين الميت :
14 - اتّفق الفقهاء على أنّ تكفين الميت بما يستره فرضٌ على الكفاية .
وانظر حقيقته وحكمه وكيفيّته في مصطلح ( تكفين ) .
ل - حمل الميت :
15 - اتّفق الفقهاء على أنّ حمل الجنازة فرضٌ على الكفاية , واختلفوا في كيفيّة حملها وعدد حامليها .
وتفصيل ذلك في مصطلح ( جنائز ف / 11 - 13 ) .
م - دفن الميت :
16 - دفن الميت فرض كفاية إجماعاً إن أمكن .
انظر حقيقته وحكمه , وأفضل مكان لدفنه , والأحق بدفنه , وكيفيّته ووقته , وما يتّصل به من أحكام في مصطلح ( دفن ) .
ن - نبش قبر الميت :
17 - اتّفق الفقهاء على منع نبش القبر إلّا لعذر وغرض صحيح , ومن الأعذار الّتي تجيز نبش القبر كون الأرض مغصوبةً أو الكفن مغصوباً أو سقط مال في القبر .
وعندهم تفصيل في هذه الأعذار ينظر إليها في مصطلح ( قبر ف / 21 , ونبشٌ ) .
س - نقل الميت :
18 - ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه لا يجوز نقل الميت من مكان إلى آخر بعد الدّفن مطلقاً .
وأمّا المالكيّة فيجوز عندهم نقل الميت قبل الدّفن وكذا بعده من مكان إلى آخر بشروط . ينظر تفصيل ذلك في مصطلح ( دفن ف / 4 , ونبشٌ ) .
ع - قذف الميت :
19 - ذهب جمهور الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة إلى أنّه من قذف ميتاً أقيم عليه الحد .
واختلفوا فيمن له حق طلب إقامة الحدّ .
فذهب الحنفيّة إلى أنّ طلب إقامة الحدّ يرجع لمن يقع القدح في نسبه بسبب قذف الميت وهم الأصول والفروع وإن علوا أو سفلوا , ولو كان الطّالب محجوباً أو محروماً عن الميراث بقتل أو رق أو كفر أو كونه ولد بنتٍ . ولو مع وجود الأقرب أو عفوه أو تصديقه للقاذف للحوق العار بهم بسبب الجزئيّة , أي كون الميت جزءًا منهم أو كونهم جزءًا منه .
ولو قال : يا ابن الزّانيين وقد مات أبواه فعليه حد واحد .
وذهب المالكيّة إلى أنّ من مات قبل حدّ قاذفه فلوارثه القيام به ولو منعه من الإرث مانع كرقّ وقتل وكفر إن كان قذفه في حياته .
وإن قذفه بعد موته فلوارثه القيام بحدّه للحقوق المعرّة له .
وأمّا الورثة الّذين يحق لهم المطالبة بالحدّ فهم : ولد المقذوف ويشمل البنين والبنات وإن سفلوا , وأب المقذوف وإن علا .
فمن قذف ميتاً كان لولده وإن سفل ولأبيه وإن علا أن يقوموا بذلك ومن قام منهم بذلك أخذه بحدّه وإن كان ثمّ من هو أقرب منه لأنّه عيب يلزمهم , وليس للإخوة وسائر العصبة قيام مع هؤلاء فإن لم يكن من هؤلاء أحد فللعصبة القيام , وللأخوات والجدّات القيام إلّا أن يكون له ولد .
فإن لم يكن لهذا المقذوف وارثٌ فليس للأجنبيّ أن يقوم بحدّه .
وذهب الشّافعيّة إلى أنّ من قذف ميتاً أقيم عليه الحد , وطلب إقامة الحدّ للوارث إلّا أن يعفو, ولو عفا وارث المقذوف مقابل مال يأخذه سقط الحد ولم يجب المال , ولو عفا بعض الورثة فللباقي أن يستوفوا الحدّ على الأصحّ , لأنّه عار , والعار يلزم الواحد كما يلزم الجميع . واختلف الشّافعيّة فيمن يرث حدّ القذف على أوجهٍ :
أصحها : جميع الورثة كالمال والقصاص .
والثّاني : جميعهم غير الزّوجين .
والثّالث : رجال العصبات فقط لأنّه لدفع العار كولاية التّزويج .
والرّابع : رجال العصبة سوى البنين كالتّزويج , ثمّ من بعدهم للسلطان .
ولو قذف رجل مورّثه , ومات المقذوف , سقط عنه الحد إن كان حائزاً للإرث , ولأنّ القذف لا يمنع الإرث بخلاف القتل .
ولو قذف ولد أباه فمات الأب وترك القاذف وابناً آخر فإنّ فيه الخلاف فيمن يرث الحدّ فإن قلنا : إذا عفا بعض المستحقّين كان للآخر استيفاء الجميع فللابن الآخر استيفاء الحدّ بتمامه, وإن قلنا يسقط الجميع فكذا هنا , وإن قلنا : يسقط نصيب العافي فللابن  الآخر استيفاء نصف الحدّ .
وأمّا الحنابلة : فقالوا إذا قذفت المرأة لم يكن لولدها المطالبة إذا كانت الأم في الحياة , وإن قذفت وهي ميتة - مسلمةً كانت أو كافرةً حرّةً أو أمة - حدّ القاذف إذا طالب الابن وكان مسلماً حراً وهو المذهب لأنّه قدح في نسبه ولأنّه بقذف أمّه ينسبه إلى أنّه من زنا ولا يستحق إقامة الحدّ بطريق الإرث ولذلك تعتبر حصانته ولا تعتبر حصانة أمّه لأنّ القذف له . وقال أبو بكر : لا يجب الحد على قذف ميتة , وكذلك تقاس الجدّة على الأمّ في الحياة والموت .
وأمّا إن قذف أباه أو جدّه أو أحداً من أقاربه غير أمّهاته بعد موته لم يجب الحد بقذفه في ظاهر كلام الخرقيّ لأنّه إنّما أوجب بقذف أمّه حقاً له لنفي نسبه لاحقاً للميت ولهذا لم يعتبر إحصان المقذوفة واعتبر إحصان الولد , ومتى كان المقذوف من غير أمّهاته لم يتضمّن نفي نسبه فلم يجب الحد .
وإذا مات المقذوف ولم يطالب بالحدّ سقط الحد وإن كان قد طالب به فالصّحيح من المذهب أنّه لا يسقط وللورثة طلبه .
والحق في حدّ القذف لجميع الورثة , حتّى لأحد الزّوجين على الصّحيح من المذهب ونصّ عليه الإمام أحمد .
وقال القاضي : لهم سوى الزّوجين , وقال في المغني : هو للعصبة , وقال ابن عقيل : يرثه الإمام أيضاً في قياس المذهب عند عدم الوارث .
ولو عفا بعضهم حدّ للباقي كاملاً على الصّحيح من المذهب .
ف - حَلْق شعر الميت وقص ظفره :
20 - للفقهاء تفصيل في حكم حلق شعر الميت أو تسريحه أو ضفر شعر المرأة وكذا سائر شعر البدن كاللّحية والشّارب وشعر الإبط والعانة .
وينظر ذلك في مصطلح ( شعر وصوف ووبر ف / 4 , 5 , 6 , حلق ف / 14 ) .
كما اختلفوا في حكم تقليم أظفار الميت وللتّفصيل انظر مصطلح ( تغسيل الميت ف / 9 ) .
ص - تغسيل السّقط والصّلاة عليه ودفنه :
21 - السّقط هو الولد ذكراً كان أو أنثى يسقط قبل تمامه وهو مستبين الخلق , وقد اتّفق الفقهاء على أنّه إذا استهلّ المولود غسل  وصلّي عليه , وفيما عدا ذلك خلاف ينظر في مصطلح ( جنين ف / 22 ) .
ق - إدخال الميت المسجد والصّلاة عليه فيه :
22 - ذهب الحنفيّة إلى كراهة الصّلاة على الميت في المسجد الجامع أو مسجد المحلّة وإدخاله فيه تحريماً وقيل تنزيهاً ورجّحه الكمال وذهب المالكيّة إلى الكراهة , وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى جواز ذلك , وللتّفصيل ينظر مصطلح ( جنائز ف / 38 ) .
ر - الصّلاة على القبر إذا دفن الميت قبل الصّلاة عليه :
23 - اختلف الفقهاء في الصّلاة على القبر إذا دفن الميت فيه قبل الصّلاة عليه .
وانظر تفصيل ذلك في مصطلح ( جنائز ف / 37 ) .
ش - طهارة جسد الميت :
24 - ذهب عامّة الحنفيّة إلى أنّ الميت يتنجّس بالموت لما فيه من الدّم المسفوح كما يتنجّس سائر الحيوانات الّتي لها دم سائل بالموت وهذا هو الأظهر في المذهب .
وقد اختلف الحنفيّة هل نجاسته نجاسة خبث أو حدث ؟ فقيل : إنّها نجاسة خبث وهو الأظهر, فلو وقع في بئر قبل غسله نجّسها وكذلك لو حمل ميتاً قبل غسله وصلّى به لم تصحّ صلاته , ولذلك إنّما يطهر الميت بالغسل كرامةً للمسلم .
أمّا الكافر فهو نجسٌ ولو بعد غسله فلو وقع كافر في بئر بعد غسله فإنّه ينجّس البئر . وقيل : هي نجاسة حدث قال في الفتح : وقد روي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه :
« سبحان اللّه , إنّ المؤمن لا ينجس حيّاً ولا ميتاً » , فإن صحّ وجب ترجيح أنّه للحدث , ولما روي عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « لا تنجّسوا موتاكم , فإنّ المسلم لا ينجس حيّاً ولا ميتاً » . 
وذهب محمّد بن شجاع الثّلجي من الحنفيّة إلى أنّ الآدميّ لا ينجس بالموت بتشرب الدّم المسفوح في أجزائه , كرامةً له ، لأنّه لو تنجس لما حكم بطهارته بالغسل كسائر الحيوانات الّتي حكم بنجاستها بالموت , والآدمي يطهر بالغسل حتّى روي عن محمّد أنّ الميت لو وقع في البئر قبل الغسل يوجب تنجيس البئر , ولو وقع بعد الغسل لا يوجب تنجسه فعلم أنّه لم يتنجّس بالموت ولكن وجب غسله للحدث , لأنّ الموت لا يخلو عن سابقة حدث لوجود استرخاء المفاصل وزوال العقل , والبدن في حقّ التّطهير لا يتجزّأ فوجب غسله كله . وذهب المالكيّة في المعتمد والشّافعيّة في الأظهر , والحنابلة في الصّحيح من المذهب والبلخي من الحنفيّة إلى أنّ ميتة الآدميّ ولو كافراً طاهرة , لقوله تعالى : { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ } , وقضيّة تكريمهم أن لا يحكم بنجاستهم بالموت , ولخبر « لا تنجّسوا موتاكم فإنّ المؤمن لا ينجس حيّاً ولا ميتاً » ، قال عياضٌ : ولأنّ غسله وإكرامه يأبى تنجيسه , إذ لا معنى لغسل الميتة الّتي هي بمنزلة العذرة .
وأمّا قوله تعالى : { إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } فالمراد نجاسة الاعتقاد أو أنّا نجتنبهم كالنّجاسة لا نجاسة الأبدان , ولهذا ربط النّبي صلى الله عليه وسلم الأسير في المسجد , وقد أحلّ اللّه طعام أهل الكتاب .
وقد نصّ المالكيّة والشّافعيّة على أنّ هذا الخلاف في غير أجساد الأنبياء لأنّ أجساد الأنبياء متّفق على طهارتها , وألحق ابن العربيّ المالكي بهم الشّهداء .
وإنّما الخلاف في طهارة ميتة الآدميّ ونجاستها في المسلم والكافر .
فذهب بعض المالكيّة إلى نجاسة ميتة الآدميّ .
وقال ابن قدامة : ويحتمل أن ينجس الكافر بموته لأنّ الخبر : « المؤمن لا ينجس » إنّما ورد في المسلم ولا يصح قياس الكافر عليه ؛ لأنّه لا يصلّى عليه وليس له حرمة كحرمة المسلم .
حكم ما أبين من الآدميّ :
25 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ ما أبين من الآدميّ يأخذ حكمه في القول بطهارته أو بنجاسته .
فذهب الحنفيّة في الصّحيح إلى أنّ شعر الآدميّ غير المنتوف طاهر بخلاف المنتوف فإنّه نجسٌ لما يحمل من دسومة .
وكذلك عظم الميت وعصبه فإنّهما طاهران على المشهور من المذهب , وكذلك سن الميت على الظّاهر من المذهب فإنّه طاهر لأنّه لا دم فيها والمنجّس هو الدّم .
وكذلك ظفر الميت فإنّه طاهر إذا كان خالياً عن الدسومة .
وذهب المالكيّة في المعتمد عندهم إلى طهارة ما أبين من الآدميّ مطلقاً سواء كان في حال حياته أو بعد موته بناءً على المعتمد من طهارة ميتته , وأمّا على القول الآخر في المذهب فما أبين منه نجسٌ مطلقاً .
وذهب الشّافعيّة إلى إلحاق ما انفصل من الآدميّ بميتته في الطّهارة .
وقال الحنابلة : حكم أجزاء الآدميّ وأبعاضه حكم جملته سواء انفصلت في حياته أو بعد موته , لأنّها أجزاء من جملته فكان حكمها كسائر الحيوانات الطّاهرة والنّجسة ولأنّها يصلّى عليها فكانت طاهرةً كجملته , وذكر القاضي أنّها نجسة روايةً واحدةً لأنّها لا حرمة لها .
ت - غسل ما أبين من الآدميّ والصّلاة عليه :
26 - نصّ الشّافعيّة والحنابلة على أنّه إذا وجد بعض الميت غسل وصلّي عليه لأنّ عمر رضي الله عنه صلّى على عظام بالشّام , وصلّى أبو عبيدة رضي الله عنه على رءوسٍ , وصلّت الصّحابة رضي الله عنهم على يد عبد الرّحمن بن عتّاب بن أسيد ألقاها طائر بمكّة من وقعة الجمل .
وقال الحنفيّة : إذا وجد رأس آدمي أو أحد شقّيه لا يغسّل ولا يصلّى عليه بل يدفن إلّا أن يوجد أكثر من نصفه ولو بلا رأسٍ فإنّه يغسّل ويصلّى عليه .
وقال المالكيّة : لا يغسّل دون ثلثي الجسد , والمراد بالجسد ما عدا الرّأس , فإذا وجد نصف الجسد أو أكثر منه ودون الثلثين مع الرّأس لم يغسل على المعتمد ولا يصلّى عليه أي يكره, لأنّ شرط الغسل وجود الميت , فإن وجد بعضه فالحكم للغالب ولا حكم لليسير وهو ما دون الثلثين .
والعلّة في ترك الصّلاة على ما دون الجلّ خوف الوقوع في المكروه وهو الصّلاة على غائب, قال في التّوضيح لأنّا لا نخاطب بالصّلاة على الميت إلّا بشرط الحضور , وحضور جلّه كحضور كلّه , وحضور الأقلّ بمنزلة العدم .
( ر : تغسيل الميت ف / 26 ) .
ث - تنازع الميت والحيّ الماء :
27 - اتّفق الفقهاء على أنّه إذا اجتمع ميت وجنب وحائضٌ ومحدثٌ وكان الماء ملكاً لأحدهم فهو أولى به لأنّه أحق بملكه , وللفقهاء بعد ذلك تفصيل :
ذهب الحنفيّة إلى أنّه إذا كان الماء ملكاً لأحدهم فهو أولى به لأنّه أحق بملكه .
أمّا إذا كان الماء مباحاً فإنّ الجنب أولى بالماء من الحائض والمحدث وييمّم الميت ليصلّى عليه , وكذا المرأة والمحدث ويقتديان به , لأنّ الجنابة أغلظ من الحدث , والمرأة لا تصلح إماماً .
وقيل في السّراج : أنّ الميت أولى لأنّ غسله يراد للتّنظيف وهو لا يحصل بالتراب .
وعن الظّهيريّة أنّ الأوّل أصح , وفي السّراج أيضاً : لو كان الماء يكفي المحدث فقط كان أولى به لأنّه يرفع الحدث .
أمّا إذا كان الماء مشتركاً فينبغي لكلّ منهم أن يصرف نصيبه للميت حيث كان كل واحد لا يكفيه نصيبه , ولا يمكن الجنب ولا غيره أن يستقلّ بالكلّ لأنّه مشغول بحصّة الميت , وكون الجنابة أغلظ لا يبيح استعمال حصّة الميت فلم يكن الجنب أولى , بخلاف ما لو كان الماء مباحاً فإنّه حيث أمكن به رفع الجنابة كان أولى .
وذهب المالكيّة إلى أنّه إذا مات صاحب الماء ومعه شخص حيّ محدثٌ جنب أو غيره فإنّ الميت يقدّم على المحدث الحيّ لحقية الملك إلّا أن يخاف على الحيّ العطش فإنّه يكون حينئذٍ أحق من صاحبه وييمّم الميت حفظاً للنّفوس ويضمن قيمته للورثة .
أمّا لو كان الماء مشتركاً بين الميت والحيّ يقدّم الحي ولو لم يخف عطشاً لترجيح جانبه بالشّركة ويضمن قيمة نصيب الميت . 
وقال الشّافعيّة : إن اجتمع ميت وجنب وحائضٌ انقطع دمها وهناك ما يكفي أحدهما فإن كان لأحدهما كان صاحب الماء أحقّ به لأنّه محتاجٌ إليه لنفسه , فلا يجوز له بذله لغيره , فإن بذله للآخر وتيمّم لم يصحّ تيممه .
وإذا كان الماء لهما كانا فيه سواءً .
وإن كان الماء مباحاً أو لغيرهما وأراد أن يجود به على أحدهما فالميت أولى لأنّه خاتمة طهارته , والجنب والحائض يرجعان إلى الماء ويغتسلان .
وإذا اجتمع ميت وحيّ على بدنه نجاسة والماء يكفي أحدهما ففيه وجهان :
أحدهما : أنّ صاحب النّجاسة أولى لأنّه ليس لطهارته بدل ولطهارة الميت بدل وهو التّيمم فكان صاحب النّجاسة أحقّ بالماء , وهذا هو المذهب الصّحيح .
والثّاني : أنّ الميت أولى لأنّه خاتمة طهارته .
وقال الحنابلة : إذا اجتمع جنب وميت ومن عليها غسل حيض ومعهم ماء لا يكفي إلّا إحدهم, فإن كان ملكاً لأحدهم فهو أحق به لأنّه يحتاج إليه لنفسه فلا يجوز له بذله لغيره سواء كان مالكه الميت أو أحد الحيّين .
وإن كان الماء لغيره وأراد أن يجود به على أحدهم فعن أحمد رحمه الله روايتان :
إحداهما : الميت أحق به لأنّ غسله خاتمة طهارته , فيستحب أن تكون طهارته كاملةً , والحي يرجع إلى الماء فيغتسل , ولأنّ القصد بغسل الميت تنظيفه ولا يحصل بالتّيمم , والحي يقصد بغسله إباحة الصّلاة ويحصّل ذلك بالتراب .
والثّانية : الحي أولى لأنّه متعبّد بالغسل مع وجود الماء , والميت قد سقط الفرض عنه بالموت . واختار هذا الخلّال .
وإن وجدوا الماء في مكان فهو للأحياء , لأنّ الميت لا يجد شيئاً , وإن كان للميت ففضلت منه فضلة فهو لورثته , فإن لم يكن له وارثٌ حاضر فللحيّ أخذه بقيمته لأنّ في تركه إتلافه.
وقال بعض الحنابلة : ليس له أخذه لأنّ مالكه لم يأذن له فيه إلّا أن يحتاج إليه للعطش فيأخذه بشرط الضّمان
*************
نهاية الجزء التاسع والثلاثون
*************
 ، وقد تمت الموسوعة الفقهية بصدور المجلد الخامس والأربعين، ولكن المجلدات المطبوعة من المجلد الأربعين حتى الخامس والأربعين لم تتوفر في موقع وزراة الأوقاف الكويتية حتى الآن، ونأمل أن تتوفر قريبا لينتفع بها الراغبون بالعلوم والمعارف، والله من وراء القصد
****
للحصول على 39 مجلدا بصيغة وورد المضغوطة
اضغط icon Mawsuat al-Fiqh al-islami 39 V.zip (10.03 MB)  هنا
وللوصول إلى المصدر
اضغط هنا

تراجم الأعلام الوارد ذكرهم في الـ 14 مجلدا الأولى من الموسوعة

اضغط هنا

***


thumb qr1 
 
thumb qr2
 

إحصاءات

عدد الزيارات
14879113
مواقع التواصل الاجتماعية
FacebookTwitterLinkedinRSS Feed

صور متنوعة