المعمار الإسلامي العثماني في الدور الأول المسمى دور بورصة أوبروسة في عهد السلطان مراد الثاني  -5
جريدة الحياة؛18-9-2007م، الصفحة: 21 . د. محمود السيد الدغيم *اضغط هنا*

باحث أكاديمي سوري مقيم في لندن
كانت حركة العمران بطيئة في بداية عهد السلطان مراد الثاني بسبب الفتن، ولكن العمران ازدهر بعدما استقرت الأوضاع السياسية والعسكرية، ويذكر المؤرخون: إن السلطان محمد جلبي قد أوصى بالسلطنة لولده مراد الثاني؛ فاستُقدم مراد الثاني من مدينة أماصيا الآسيوية إلى أدرنة الأوروبية فوصلها بعد مَسِيْر واحدٍ وأربعين يوماً، وأُعلنت سلطنته فتآمر عليه عمه مصطفى بتحريضٍ من البيزنطيين، فتصدى السلطان مُراد الثاني لجميع المتآمرين الداخليين والخارجيين، وتمكن من القضاءِ عليهم، وتابع حملاته السياسية والعسكرية فضمَّ الإمارات الانفصالية إلى السلطنة، وخاض حروب السنوات الخمس ضد جمهورية البندقية والمجر وألمانيا، وأسفرت المعارك عن استعادة سيلانيك من البيزنطيين وفتح ياينيا، وهزيمة ملك المجر سيغموند في معركة كوفرنلي إلى الشمال من نهر الطونة فطلبت البندقية الصلح بعد ذلك، ووقعت على معاهدة غاليبولي سنة أربعٍ وثلاثين وثمانمئة للهجرة 834 ه. وبدأت فترة استقرار أتاحت للسلطان مراد الثاني فرصة الاهتمام بشؤون العمران.

لقد انتجت الانتصارات العثمانية استقراراً أدّى إلى ازدهار العمراني في المناطق العثمانية في آسيا وأوروبا أثناء فترة حكم السلطان المُجاهد مُراد الثاني الت استمرت 30 سنة، وشُيدت في زمانه مئات المنشآت الإسلامية، فقامت في مدينة أدرنة 91 منشأة عمرانية اسلامية، و30 منشأة في مدينة بورصة، و10 منشآتٍ في غاليبولي، وشملت تلك المنشآتُ الجوامعَ والمدارس والزوايا والتكايا ودور تحفيظ القرآن الكريم والجسور والفنادق والخانات والحمامات التي مازال بعضها قائماً حتى الآن.

لقد جعل السلطان مُراد الثاني مدينة أدرنة عاصمةً إسلامية واضحة المعالم على التراب الأوروبي، حيثُ بنى فيها 46 جامعاً، و10 مساجد، و8 مدارس، و9 حمامات، و7 خانات، ومكتبين لتعليم الأطفال، و5 عِماراتٍ حكومية، و3 مقابر، وتكيةً واحدة. ومن الجدير بالذكر أن جامع السلطان مُراد الثاني هوأول جوامع مدينة اسكوب أي: اسكوبيا عاصمة مقدونيا الحالية وقد بُني سنة 840 ه / 1436 م.

وقد امتدت النهضة العمرانية إلى معظم أنحاء السلطنة العثمانية، ولم تقتصر على المدن الكبرى في عهد السلطان مراد الثاني، فقد انتشرت المُنشآت الإسلامية في العديد من المُدن الأوربية كمدينة زغرة، ومدينة يني زغرة، ومدينة وِدِّين، ومدينة سيرس، ومدينة سيلانيك، ومدينة فيليبة، ومدينة غليبولي، ومدينة نيغوبولي، ومدينة مناستر، وإقليم كوسوفو، ومدينة ديموتوقا، وصار عدد المُنشآت الإسلامية التي شُيدت في زمن السلطان مُراد الثاني رحمه الله 160 جامع، مازال 68  جامعاً منها مفتوحاً للصلاة، و7 جوامع مُغلقة، والباقي دُمر بفعل عوامل الطبيعة ومكر أعداء الإسلام والمسلمين، ولم تقتصر جهود السلطان مُراد الثاني على إنشاء الجوامع فقط وإنما اهتم بالمُنشأت الأخرى، فبنى إحدى وثلاثين مدرسة، وخمسين حماماً، وسبعة وعشرين خاناً وسوقاً، وأربع عشرة زاويةً، وداراً واحدة لحُفاظ القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، وأربعة عشر مكتباً لتعليم الأطفال، وثمانية عشرة عِمارة حكومية، وأربعاً وعشرين تُربة إسلامية، وثلاث تكايا، وخمسة فنادق من صنف قرَوان سراي. فبلغ مجموع المُنشآت العُمرانية الإسلامية في أوروبا وأسيا أيام السلطان مُراد الثاني 347 مُنشأةٍ إسلامية .

لقد أنجزت كلّ تلك المنشآت المعمارية رغم القلاقل والحروب، فقد تتابعت غزوات الجيوش العثمانية في ترانسلفانيا بقيادة المجاهد أورنوس أوغلى  علي بيك  بينما قاد السلطان مراد الثاني غزوة فتح سمندرة جنوب بلغراد.

وأدركت روما خطورة الوحدة العثمانية، فحرّكت أعوانها، ولكن السلطان مُراد الثاني استطاع القضاء على أعدائه الذين يأتمرون بأوامر روما والبيزنطيين، فدعا البابا أوجينيوس الرابع إلى حملة أوروبية ضد السلطنة العثمانية سنة 843 ه فلبى دعوته الملك الكاثوليكي لاديسلاس ملك بولونيا والمجر وبوهيميا ومولدافيا، واستمر الصراع بين المسلمين العثمانيين وبابوية الأوربيين، وذاع صيت القائد العسكري هونياد الابن غير الشرعي لملك المجر الذي حقق بعض الانتصارات على الجيوش الإسلامية العثمانية ولا سيما في معركة (ازلادي بربانت) شرقي صوفيا عاصمة بلغاريا الحالية سنة 847 ه، وبعدها وصل إلى مدينة فيلبي الشهيرة بآثارها المعمارية الإسلامية وكان يرافقه الملك الجديد لاديسلاس، واتفقت الإمارات المُنشقة في أسيا مع الملك الأوروبي ضد السلطان مُراد الثاني، وأرسل الخائن إبراهيم بيك ابن قرمان رسالة إلى الملك لاديسلاس قال فيها: "لِتسر أنت من الأمام وأنا من الخلف لتكن روملي لك والأناضول لي ولِتُزال الدولة العثمانية من الوجود".

وازاء تلك الرسالة وما أعقبها أفتى الحافظ بن حجر العسقلاني الشافعي وسعد الدين الديري الحنفي في القاهرة بوجوب قتل إبراهيم بيك ابن قرمان إن لم يتُب ولم يستغفر بسبب ضربه للدولة الإسلامية العثمانية من الخلف أثناء هجوم غير المسلمين عليها.

ورغم تكاثر الأعداء في الداخل والخارج اهتم السلطان مراد الثاني بالعمران، وتنظيم إلى الجبهة الداخلية، ثم قرّر الاعتكاف لعبادة الله تعالى في مدينة مغنيسيا الآسيوية التركية، فاعتزل الحكم، وتخلى عن العرش لابنه محمد الثاني الذي لقب بالفاتح فيما بعد، وكان ذلك التخلي في سنة 848 ه.

ولكن اعتزال السلطان شجّع المتآمرين على السلطنة، فانتهز الكاردينال جيساريني "جيزاريني" الفرصة فحرّض الملك لادسلاس على الحرب ضد المسلمين فقاد حملة خامسة قوامها جيش المجر وبولونيا وألمانيا وفرنسا والبندقية والبيزنطيين والبابوية، واتجهت تلك الحملة نحو البحر الأسود بقيادة هونياد والملك لاديسلاس، واقتربت الجيوش الكاثوليكية من مدينة فارنا البلغارية، ودمرت في طريقها الكنائس الرومية الأرثوذكسية، ونهبت محتوياتها، وانتشر الخوف بين المسلمين في أوروبا، فوجه السلطان محمد الفاتح رسالة إلى والده يطالبه فيها بالعودة عن قرار الاعتكاف، وقال في رسالته تلك: "إن كنا نحن الباديشاه  أي السلطان  فإننا نأمركم؛ فتعالوا على رأس جيشكم، وإن كُنتم أنتم السلطان فتعالوا ودافعوا عن دولتكم".

فرفض السلطان مراد خلع ابنه عن العرش، ولكنه قاد جيش الآناضول وغادر آسيا إلى فارنا ودارت المعركة سنة 848 ه، فأسفرت عن قطع رأس الملك لاديسلاس ورأس الكاردينال جيساريني كذلك، وهرب القائد العسكري هونياد، وتمزقت الوحدة الأوربية الكاثوليكية، وشاع خبر النصر في العالم الإسلامي، فأمر سلطان مصر جقمق بذكر اسم السلطان مُراد الثاني بعد ذكر اسم الخليفة العباسي من على المنابر والدعاء لأرواح الشهداء العثمانيين في أنحاء البلاد المملوكية.

وتابع السلطان مُراد خوض المعارك شخصياً يُرافقه ابنه محمد الثاني وكانت أشرس تلك المعارك معركة قوصوه أي: كوسوفو الثانية التي استخدم فيها الطرفان المدفعية، وأسفرت عن هزيمة الأوروبيين بقيادة هونياد سنة 852 ه مثلما حصل في كوسوفو الأولى قبل تسعٍ وخمسين سنة، وتابع السلطان مراد الجهاد حتى وافته المنية في أدرنة سنة 855 ه وعمره تسعٌ وأربعون سنة، فأعتلى العرش السلطان محمد الثاني وعمره آنذاك تسعة عشرة سنة فسار على طريق والده ففتح القسطنطينية وغيرها، وأنشأ الكثير من المنشآت العمرانية وبعد نهاية حكمه انتهى الدور المعماري العثماني الأول الْمُسمَّى دور بورصة، وبدأ الدور الثاني الذي يُسمّى (قلاسيك دوري) أي: الدور الكلاسيكي التقليدي اعتبارا من سنة 886 ه /1481 م.
****
نشر في جريدة الحياة الصفحة: 21. في السادس من شهر رمضان المبارك سنة 1428 هـ
 المبارك / 18 أيلول/ سبتمبر 2007
الجريدة ملف بي دي اف
اضغط icon Ramadan-5=18-9-2007.pdf (258.68 KB)  هنا
****

Launch in external player

thumb qr1 
 
thumb qr2
 

إحصاءات

عدد الزيارات
14879204
مواقع التواصل الاجتماعية
FacebookTwitterLinkedinRSS Feed

صور متنوعة