للقراءة والتحميل والاستماع : برنامج الشعر والغناء، الحلقة: الخامسة والعشرون، وهي الثانية من حلقتين حول الشعر المغنى للشاعر اللبناني بشارة الخوري "الأخطل الصغير"  الذي تولى إمارة الشعراء بعد رحيل أحمد شوقي
Dr. Mahmoud EL-Saied EL- Doghim, إعداد وتقديم: د.  محمود السيد الدغيم

لا تتأخروا؛؛ الآن مجانا، ومستقبلا ستتوقف الاشتراكات...هذه الحلقة متاحة للمشتركين مجاناً في الموقع

برنامج الشعر والغناء
إعداد وتقديم د. محمود السيد الدغيم، وتشارك في التقديم المذيعة اللبنانية هيلين الحاج
هذه الحلقة حول الشعر المغنى للشاعر اللبناني بشارة الخوري "الأخطل الصغير" الذي تولى إمارة الشعراء بعد رحيل أحمد شوقي، وهذه الحلقة هي الحلقة : 24 من سلسلة برامج الشعر والغناء، ومدة الحلقة: 45 دقيقة. وبثت هذه الحلقة من راديو سبيكتروم بلندن الساعة الثامنة مساء يوم السبت 14/2/ 1998م، وأعيد بثها أكثر من مرة
وقدمت من هذا البرنامج عدة حلقات من إذاعة ام بي سي اف ام، وبثت من البرنامج ثلاثون حلقة من راديو دوتشي فيلي الاذاعة العربية الألمانية، وبثت عدة حلقات من الإذاعة السودانية ، وبثت بعض الحلقات من الإذاعة التونسية، وقدمت لاتحاد الإذاعات العربية ثلاثون حلقة، وبلغ عدد حلقات هذا البرنامج الأسبوعي مئة وعشر حلقات

*******

***************

****

للاستماع إلى الحلقة الأولى
اضغط هنا
**
رابط تحميل هذه الحلقة والاستماع إلها
اضغط
 icon Bisharah-al-Akhtal-2.ram (9.28 MB)  
هنا
**

إذا لم تسمعوا الصوت فهذا يعني أن ليس لديكم برنامج ريل بلير، ومع ذلك يمكنكم الاستماع بتشغيل الملف التالي "فلاش" بالضغط على السهم الأبيض وسط المربع الأسود

*****
هو بشارة بن عبدالله بن الخوري المعروف بـ (الأخطل الصغير).
ولد في بيروت عام 1885، وتوفي فيها عام 1968. وتلقى تعليمه الأولي في الكتاب ثم أكمل في مدرسة الحكمة والفرير وغيرهما من مدارس ذلك العهد.  وأنشأ جريدة البرق عام 1908، واستمرت في الصدور حتى بداية عام 1933، عنما أغلقتها السلطات الفرنسية وألغت امتيازها نهائياً. وكانت قد توقفت طوعياً أثناء سنوات الحرب العالمية الأولى. وكانت حياته سلسلة من المعارك الأدبية والسياسية ، وقد اتسم شعره بالأصالة، وقوة السبك والديباجة، وجزالة الأسلوب، وأناقة العبارة، وطرافة الصورة، بالإضافة إلى تنوع الأغراض وتعددها.  وقد تأثر الأخطل الصغير بحركات التجديد في الشعر العربي المعاصر ويمتاز شعره بالغنائية الرقيقة والكلمة المختارة بعناية فائقة. وصدر له ديوان (الهوى والشباب) 1953، وديوان (شعر الأخطل الصغير) 1961.  وطارت شهرة الأخطل الصغير في الأقطار العربية، وكرم في لبنان والقاهرة. وفي حفل تكريمه بقاعة الأونيسكو ببيروت سنة 1961 أطلق عليه لقب أمير الشعراء بعد رحيل الأمير أحمد شوقي.

*****
إني مت بعدك
عش أنت أني مت بعدك
وأطل إلى ماشئت صدك 
مـاكان ضرك لو عدلت
أمـا رأت عيناك قدك 
وجـعلت من جفني متكأً
ومـن عـيني مـهدك 
ورفعت بي عرش الهوى
ورفعت فوق العرش بندك 
وأعـدت للشعراء سيدهم
ولـلـعـشاق عـبـدك 
أغـضاضه ياروض إن أنا
شاقني فشممت وردك 
أنقى من الفجر الضحوك
فـهل أعرت الفجر خدك 
وأرق مـن طبع النسيم
فـهل خلعت عليه بردك 
وألـذ مـن كأس النديم
 فهل أبحت الكأس شهدك 
وحياة عينك وهي عندي
 مـثلما الأيـمان عندك 
مـا قلب أمك إن تفارقها
ولــم تـبـلغ أشـدك 
فـهوت عليك بصدرها
يـوم الـفراق لتستردك 
بـأشد مـن خفقان قلبي
يـوم قيل:خفرت عهدك
******
ياعاقد الحاجبين
يـاعاقد الـحاجبين
على الجبين اللجين 
إن كنت تقصد قتلي
قـتلتني مـرتين 
مـاذا يـريبك مني
ومـاهممت بـشين 
أصُـفرةٌ في جبيني
 أم رعشة في اليدين 
تَـمر قـفز غزالٍ
 بين الرصيف وبيني 
وما نصبت شباكي
ولا أذنت لـعيني 
تـبدو كأن لاتراني
 ومـلء عينك عيني 
ومـثل فعلك فعلي
ويلي من الأحمقين 
مولاي لم تبق مني
حـياً سوى رمقين 
صبرت حتى براني
وجدي وقرب حيني 
ستحرم الشعر مني
وليس هـذا بهين 
أخاف تدعو القوافي
عليك في المشرقين
******
ياجهادا صفق المجد له

سائل العلياء عنا والزمانا
هل خفرنا ذمَّةً مُذْ عرفانا
 
المروءاتُ التي عاشت بنا
لم تزل تجري سعيراً في دِمانا
 
قل (لجونْ بولٍ)* إذا عاتبتَهُ
سوف تدعونا ولكن لا ترانا
 
قد شفينا غلّة في صدره
وعطشنا، فانظروا ماذا سقانا
 
يوم نادانا فلبّينا النِدا
وتركنا نُهيَةَ الدين ورانا
 
ضجَّت الصحراء تشكو عُرْيَها
فكسوناها زئيراً ودُخانا
 
مذ سقيناها العُلا من دمنا
أيقنت أن مَعَدّاً قد نمانا
* * *
ضحك المجدُ لنا لما رآنا
بدم الأبطال مصبوغاً لِوانا
 
عرسُ الأحرار أن تسقي العِدى
أكؤساً حُمراً وأنغاماً حزانى
 
نركب الموتِ إلى (العهد) الذي
نحرتْه دون ذنب حُلفانا
 
أمِنَ العدل لديهم أننا
نزورع النصر ويجنيه سِوانا
 
كلّما لَوَّحتَ بالذكرى لهم
أوسعوا القول طلاء ودِهانا
 
ذنبنا والدهر في صرعته
أنٍْ وفينا لأخي الوِد وخانا
* * *
يا جهاداً صفّق المجد له
ليس الغارُ عليه الأرجوانا
 
شرفٌ باهتْ فلسطينٌ به
وبناءٌ للمعالي لا يُدانى
 
إن جرحاً سال منْ جبهتها
لثمتهُ بخشوعٍ شفتانا
 
وأنيناً باحت النجوى به
عربياً رشفتهُ مقلتانا
* * *
يا فلسطين التي كدنا لما
كابدته من أسىً ننسى أسانا
 
نحن يا أختُ على العهد الذي
قد رضعناه من المهد كِلانا
 
يثربٌ والقدسُ منذُ احتلما
كعبتانا وهوى العرب هوانا
 
شرفٌ للمت أن نطعمه
أنفساً جبارة تأبى الهوانا
 
وردةٌ من دمنا في يده
لو أتى النار بها حالت جنانا
 
انشروا الهول وصُبّوا ناركمْ
كيفما شئتم فلن تلقوا جبانا
 
غذّتِ الأحداثُ منّا أنفُساً
لمْ يزدها العنفُ إلاّ عنفوانا

قَرَعَ (الدوتشي) لكم ظهر العصا
وتحدّاكم حساماً ولسانا
 
إنهُ كفوٌ لكمْ فانتقموا
ودعونا نسألُ الله الأمانا
* * *
قُمْ إلى الأبطال نلمسْ جرحهمْ
لمسة تسبحُ بالطيب يدانا
 
قم نجعْ يوماً من العمر لهمْ
هبْهُ صوم الفصح، هبهُ رمضانا
 
إنما الحقُّ الذي ماتوا له
حقنا، نمشي إليه أين كانا
 *****
أرق الحسن
يبكي ويضحك لاحزناً ولا فرحا
كعاشقٍ خطَّ سطراً في الهوى ومحا 
من بسمة النجم همس في قصائده
ومن مخالسة الضّبـي الذي سـنحا 
قلبٌ تمرس باللذات وهو فتى
كبرعم لـمـسته الريح فانفـتحا 
ماللأقاحية السمراء قد صرفـت
عـنّا هواها؟ أرق الـحسن ما سمحا 
لو كنت تدرين ماألقاه من شجن
لكنت أرفق مـن آسى ومن صفحا
**
المسلول
سَـنَـةٌ مَـضَتْ ، فإذا خرجتَ إلى
ذاكَ الـطـريـقِ بِـظـاهرِالبَلَدِ
 
وَلَـفَـتَّ وَجْـهَـكَ يَمْنَةً ، فترى
وجهـاً مَـتـى تَـذكُرْهُ تَرْتَعِدِ :
 
هـذا الـفتى في الأمسِ ، صارَ لى
َجُـلِ هَـزيـل الـجِـسْمِ مُنجَرِدِ
 
مُـتَـلَـجـلِجِ الألفاظِ مُضطربٍ ،
متواصـلِ الأنـفـاس مُـطَّرِدِ

مُـتَـجَـعِّـدِ الـخدينِ مِنْ سَرَفٍ
مـتـكَـسِّـرِ الـجفنين مِنْ سُهُدِ

عَيناهُ عالِقتان في نَفَـقٍ ك
َسِـراجِ كُـوخٍ نِصْـفِ مًتقِـدِ
 
أو كالحباحبِ ، باخَ لامِعُهُ
يبدو من الوجَنَـاتِ فـي خَـدَدِ

تَـهْـتَـزُّ أنْـمُـلُـهُ ، فتَحْسَبُها
َرَقَ الـخَـريـفِ أُصِـيبَ بالبَرَدِ
 
وَيَـكـادُ يَـحْـمِلُهُ ، لِما تَرَكتْ
مِـنْـهُ الـصَبَابَةُ ، مِخْلَبُ الصُّرَدِ
 
يـمـشـي بـعـلَّتِهِ على مَهَلٍ ،
فَـكَـأنَّـهُ يـمـشـي عَلى قَصَدِ
 
وَيَـمُـجُّ أحـيـانـاً دَماً ، فعلى
مِـنْـديـلِـهِ قِـطَـعٌ من الكَبِدِ
 
قِـطَـعٌ تـآبـيـنٌ مُـفَـجَّـعَةٌ
مَـكْـتُـوبَـةٌ بِـدَمٍ بِـغـيرِ يدِ
 
قِـطَـعٌ تـقـولُ لَهُ : تموتُ غداً
وإذا تـرقً ، تـقـولُ ك بعدَ غَدِ..
 
والـمـوتُ أرحـمُ زائـرٍ لِـفَـتىً
مُـتَـزَمِّـلِ بـالـداءِ مُـغْـتَمِدِ
 
قـدْ كـان مُـنـتحِراً ، لو أن لهُ
شِـبْـهَ الـقِوَى في جسمهِ الخَضِدِ
 
لَـكِـنَّـهُ ، والـداءُ يَـنْـهَشُهُ ،
كـالـشـلـوِ بين مخالب الأسدِ..
 
جَـلْـدٌ عَـلـى الآلامِ ، يُـنْجِدُهُ
طَـلَـلُ الـشبابِ وَدارِسُ الصِّيَدِ..
 
أيـنَ الـتـي عَـلِـقتْ بِه غُصناً
حُـلْـوَ الـمَـجـانِـي ناضِرَ المَلَدِ
 
أيـن الـتـي كـانـت تقولُ لهُ
ضعْ رأسَكَ الواهي على كبدي ؟! ..
 
مَـاتَ الـشَّـقيُّ بِها وَقَدْ سَلِمتْ
يَـا لَـلْـقَـتـيـلِ قَضى بلا قَوَدِ
 
مَـاتَ الـفـتى ، فأقيم في جَدَثٍ
مُـسْـتَـوْحِـشٍ الأرجـاءِ مُنْفَرِدِ
 
مُـتَـجَـلِّـلٍ بـالـفقرِ ، مؤتَزِرٍ
بـالـنـبْـتِ مِـن مُتَيَبِّسِ وَنَدِي
 
وَتَـزُورُهُ حِـيـنـاً ، فَـتُـؤْنِسُهُ
بَـعـضُ الـطيورِ بِصوتها الغَرِدِ
 
كَـتَـبُـوا عـلـى حُجُراتِهِ بِدَمٍ
سَـطـراً بـهِ عِـظةٌ لِذِي رَشَدِ :
 
هـذا قَـتِـيـلُ هَوًى ببنتِ هوًى
فـإذا مَـرَرْتَ بِـأُخْـتِـها فَحِدِ
 
 **********
مصرع النسر

 

لبستْ بعدكَ السوادَ العواصمْ

واستقلّتْ لكَ الدموعَ المآتمْ

ودّ لو يفتديكَ صقرُ قريشٍ

بالخوافي، من الردى، والقوادم

دارَ هولُ المصابِ حتى احتوى الكو

نَ، كما دار بالأصابع خاتم

فإذا البحرُ مثقلُ الصدْرِ بالأَحْـ

ـزانِ، والأفقُ شاحبُ الوجهِ ساهم

وإذا أنتَ ، لا ترى غيرَ رأسٍ

مُطرِقٍ وارمِ المحاجرِ واجم

أسْنِدوا «البيتَ» بالصدور، فقد ما

دَ، وخانتْ جدرانهنَّ الدَّعائم

وامنعوا «القبرَ» أن يلمَّ به النا

عي، فينعى إلى «الرسول» «القاسم»

عرفتْ قدركَ العيونُ فأغضتْ

واستعارتْ لها عيونَ الفواطم

فطغى مصرعُ «الحسينِ» على الشَّرْ

قِ، وشُدّتْ على الرماح العمائم

واكتسى مفرقُ الجهادِ جمالاً

بالأكاليل من ذؤابة هاشم

 

****

«فيصلَ» العُرْبِ، ما هززناكَ إلا

بالجفونِ المقرَّحات السواجم

بالمنى الذابلاتِ، بالأمل الدا

مي، بثُكل الهوى، بفقد المراهم

فهززنا، لما هززناكَ، دنيا

من جمالٍ وجنَّةٍ من مَراحم

قل لتلك العهودِ في رَهَج الحَرْ

بِ، وفي سكرة القنا والغلاصم

قد لمحناكَ في عيون الثعالي

ولمسناكَ في جلود الأراقم

حَدَّثونا عن الحقوق فلمّا

كبَّر النصرُ ، أعوزتْنا التراجم

نفحتْنا بها الحروبُ سلاماً

ورمانا بها السلامُ أداهم

قُلْ - وقُيتَ العِثارَ - في ندوة القَوْ

مِ، متى أصبح الحليفُ مُخاصِم؟

أين ذاك الهيامُ في أول الحبْ

بِ، وتلك الموشّحاتُ النواعم؟...

كدتُ أخشى عليكمُ تلفَ النفْـ

ـسِ ببان اللِّوى وظبْي الصرائم

علِّمونا كيف الشفاءُ من الحبْ

بِ، فما يستوي جهولٌ وعالمْ

واذكروا عهدَنا القديم، فقِدماً

بخل الدهرُ بالصديق الملائمْ..

إنَّ تحت الصدورِ جذوةَ مَوْتو

رٍ، وخلف الحدودِ زأْرَة ناقم

ليس في الدهر أوَّلٌ وأخيرٌ

فالبداياتُ كنَّ قبلاً خواتم

لو أفاد العتابُ، ملنا على النفْـ

ـسِ بما لا تطيقهُ نفسُ نادم

أخذتنا الدنيا بما زيّنتْهُ

من أمانٍ، ونحن بعدُ براعمْ

وعلِقْتم من عهدهم بسرابٍ

كمْ سُمومٍ تحت الشفاهِ البواسم

هفوةٌ ، جرَّها الزمانُ علينا

لا ملومٌ أنا، ولا أنا لائم

ذلك الليلُ في السنين الخوالي

سوف يغدو فجرَ السنين القوادم

للتجاريب في الأمور يداها

رُبَّ بانٍ ما كان بالأمس هادم

 

****

يا قصورَ المنى على شفق الأَحْـ

ـلامِ، كم مُشفقٍ عليكِ وحائم

أطْلَعَتْ شمسُ «فيصلٍ» منكِ للعُرْ

بِ مصابيحَ من شقوق الغمائم

فلمحنا في أفقها وجهَ «هارو

نَ»، وعصراً مخضَّباً بالعظائم

وَقَفَتْ عنده الطوارئُ حَسْرى

من مُكِبٍّ على البساط ولاثم

وتغنّى «الفراتُ» بالسؤدد الفَخْـ

ـمِ، وحلَّى أجيادَه والمعاصم

وتهادى الزمانُ عن جانبيهِ

أزليَّ الشبابِ، نضرَ الكمائم

أملٌ طاف بالجزيرة ريَّا

نُ طليقُ الهوى، طليقُ الشكائم

حشد العُرْبَ تحت رايته السَّمْـ

ـحاءِ والعدلَ والعُلا والمكارم

واستردّ الأجيالَ، من مُضَرَ الحَمْـ

ـراءِ والشعرَ والحِجا والمواسم

أملٌ كالسماء في بسمة الفَجْـ

ـرِ، وفي موكب الرياض الفواغم

فرَّ مذ مُدَّتِ الأكفُّ إليهِ

كفرار النعيمِ منْ كفِّ حالم

 

****

ذلك النسرُ، كيف حلّق وانقضْ

ضَ مهيضَ الجناحِ، دامي القوائم

رجَّةٌ ، أجفلَ الكواسرُ منها

ورمى الذُّعرُ في العرين الضراغم

واشرأبّ الوجودُ، ينظر للنَّسْـ

ـرِ على ذروة العروبة جاثم

مدَّ فوق الثرى جناحاً وألقى

شامخاً ما له من الموت عاصم

حاملاً ملء ثوبه من جراحا

تِ الليالي، ومنْ غبار الملاحم

يُطبق الناظِرَيْن، إلا بقايا

من شعاعٍ حول المحاجر هائم

هكذا مصرعُ النسورِ: وِسادٌ

من جلالٍ وقبةٌ من طلاسم

 

****

قد حملنا الشآمَ من طرفيهِ

فوق بحرٍ من الأسى مُتلاطِم

وسفحنا في «دجلةٍ» قلبَ «لبنا

نَ»، وأجفانَه الهوامي الهوائم

خذْ بهمس القلوبِ في أذن الحُبْ

ـبِ، ودعْ عنكَ كاذباتِ المزاعمْ..

نَسِيَتْ نوحَها الحمائمُ في الدَّوْ

حِ، فجاءت تُصغي إليَّ الحمائم

ومن النَّوْح ما يهزّكَ للعَطْـ

ـفِ، ومنه المدمدِماتُ الهوادم

*********


**

غزليات الأخطل الصغير بشارة الخوري
يتصور الكثيرون من قراء الشعر ان الشاعر اللبناني بشارة الخوري المعروف بالأخطل الصغير قد وقف معظم شعره على الغزل والحب وقد جاء هذا التصور بسبب شهرة ديوانه الهوى والشباب الذي نشر في عام 1953م وتضمن مجموعة من القصائد والمقطوعات الشعرية تهافت عليها المطربون والمطربات يتغنون بأبياتها الجميلة ومن يطالع الأعمال الشعرية الكاملة للأخطل الصغير التي اصدرتها مؤسسة عبدالعزيز البابطين وجمعتها ورتبتها وقدمت لها الدكتورة سهام ابوجودة سوف يجد معظم شعره قد دار حول الهموم القومية والوطنية والتغني بجمال لبنان والدفاع عن العروبة واستنهاض همم الشباب ومقاومة الطغيان سواء كان عثمانيا او اوروبيا، وتكريس النزعة الوطنية والقومية العربية ومواكبة الأحداث ومدح بعض الزعماء وتقريظ الشعراء والأدباء والتغني بالابناء والبنات والاحفاد,, ولا يكاد يمثل الغزل الا نسبة قليلة من شعره اما اسباب ذلك فهي: اولا: ان معظم قصائده قد تغنى بها المشهورون من المطربين والمطربات ومنهم محمد عبدالوهاب وفيروز وفريد الاطرش واسمهان، وقد صنعت هذه الاصوات للأخطل الصغير شهرة طبقت الآفاق وسارت بها الركبان حتى تنادى الشعراء بتنصيبه اميرا للشعراء بعد شوقي في لبنان في عام 1961م, ثانيا: ان شعره العربي يتسم بمجموعة من الخصائص الفنية تتمثل في البساطة الفنية وانتقاء الالفاظ الموحية المتأثرة بالطبيعة اللبنانية الفنانة وقصر القصائد المغناة حتى يسهل حفظها واسترجاعها والاحتفاظ بها في اعماق الوجدان لفترات طويلة,, واذا شئنا ان نضع هذا الشاعر في اطار أو اتجاه فني فإن الرومانسية هي اقرب المذاهب الى طبيعة عالمه الشعري ولكن نتاجه المنوع والذي يتنفس منذ مطلع القرن العشرين حتى وفاة الشاعر في يوليو 1968م فهو تعبير وتجسيد للاحداث السياسية ويعكس طموح الشاعر الى الحرية والعدالة والتقدم,, فإذا جئنا الى غزله الذي صنع شهرته وجدناه شاعرا مفتونا بمحاسن المرأة الخارجية يلتقط من الطبيعة بعض ملامحها ومظاهرها ليبني منها صوره وألوانه وليصنع لوحة تمزج بين الطبيعة والمرأة في انسجام لغوي وموسيقي يميل بنا الى الطرب واطلاق عنان الخيال,, الشاعر لا يتألم كما يتألم العشاق فهو اقرب الى الاعجاب بالمرأة منه بعشقها، وفتنته بها لون من الفتنة الكبرى بالجمال.
ومن بدائع الاخطل القصيدة التي تغنى بها عبدالوهاب ونلحظ فيها قصر الشطرات وتكثيف الكلمات وسهولة المأخذ حين يقول:
جفنه علّم الغزل
ومن العلم ما قتل
وربما كانت قصيدة الهوى والشباب التي حمل الديوان الشهير عنوانها اقرب الى شعر اللوعة فهو فيها يخاطب قلبه مرة وحبيبه مرة ويكاد اليأس يغلبه حين يقول:
الهوى والشباب والأمل المنشود
توحي فتبعث الشعر حيّا
الهوى والشباب والامل المنشود
ضاعت جميعها من يديّا
يا أيها الخافق المعذب يا قلبي
نزحت الدموع من مقلتيّا
فحتم على ارسال دمعي
كلما لاح بارق في محيّا
حبيبي لأجل عينيك ما القى
وما اول الوشاة عليّا
أأنا العاشق الوحيد لتلقي
تبعات الهوى على كتفيّا
وتغني فيروز يا عاقد الحاجبين من شعر الأخطل فتؤكد هذا العنصر المطرب في شعره وولعه بالطبيعة وتركيزه على الحوار.
, يقول بشارة الخوري:
يا عاقد الحاجبين
على الجبين اللجين
ان كنت تقصد قتلي
قتلتني مرتين
ثم يقول:
تبدو كأن لا تراني
وملء عينيك عيني
ومثل فعلك فعلي
ويلي من الاحمقين
مولاي لم تبق مني
حيا سوى رمقين
صبرت حتى يراني
صبري وقرب حيني
ستحرم الشعر مني
وليس هذا بهين
اخاف تدعو القوافي
عليك في المشرقين
ومن قصائده البديعة قصيدة الصبا والجمال التي يجري فيها الشاعر على سنته في الوصف الخارجي واستلهام الطبيعة واختيار الموسيقى الراقصة حيث يقول:
الصبا والجمال بين يديك
اي تاج أعز من تاجيك
نصب الحسن عرشه فسألنا
من تراها له فدل عليك
فاسكبي روحك الحنون عليه
كانسكاب السماء في عينيك
قتل الورد نفسه حسداً منك
والقى دماه في وجنتيك
لقد كان بشارة الخوري شاعرا غزلا مطربا في شعره ولكن حقيقة هذا الشاعر الاصيلة تتجلى اكثر ما تتجلى في شعره الوطني والقومي حيث يبدو لنا شاعرا شديد السيطرة على ايمانه بالعروبة ولبنان، مولعا بالحرية والعدل والتقدم.

**
الأخـــطل الصــــغير     
بشـــارة عــبدالله الخـــوري
1885 - 1968

ولد بشارة بن عبدالله الخوري في بيروت عام 1885 وفتح عينيه في مدينة منكوبة من ثلاثة أطراف. (الخلافة الإسلامية العثمانية). وفم فرنسا المفتوح لابتلاع لبنان بذريعة حماية المسيحيين من القهر العثماني، والهجرة التي استنفدت طاقات الساحل البشرية.

ولم تكن الأحداث الرهيبة التي وقعت عام 1860 في لبنان بعيدة الصوت والصدى عن أذنيه وذاكرته. والتي كانت مذبحة متوحشة أتلفت أكباد عشرات الألوف من الناس.

في هذا الجو المسود، وهذه البيئة تفتح وعي بشارة وتلقى تعليمه في بيروت. ومنذ بدايات شعره وقف بوجه الهجرة عالماً أنها تشكل استراحة لكل من تركيا وفرنسا. وكلاهما إذن يعيث فساداً في بلد لا رجال فيه (على حد زعم الحاقدين على الخلافة الإسلامية العثمانية). أو هكذا فهم بشارة الخوري مغبة الهجرة وعقباها، وأصر على البقاء في بلده يرثيه ويواسيه ويغنيه  ويشدو لأوابده ويتمرغ بتربته.

أصدر جريدة أسماها البرق كان ينشر شعره على صفحاتها. واستمرت بالصدور من عام 1908 حتى عام 1931. ولا نعرف لماذا أوقف صدورها. ومن خلالها عرف بلقبه: الأخطل الصغير.

عام 1932 أصبح عضواً في المجمع العلمي بدمشق بعد أن توهج نجمه وانتشر اسمه. وكان ذلك المجمع يضم أكابر أدباء الشام والعراق. وظل يشدو محرضاً. وعاشقاً. ومقاتلاً. وباحثاً عن السلام. ومترجماً مواجع الناس، وراثياً شهداء الأمة العربية حتى لاقى وجه ربه في مدينة بيروت عام 1968 بعد أن لُقِّب بأمير الشعراء. وبعد أن شارك أوابد لبنان في مقصورة خلودها. وبعد أن حول لبنان إلى قصيدة شعر. كل يوم ينشدها بإيقاع جديد.

لم يعرف الأخطل الصغير أنه تزلف لأمير وهادن حاكماً ومدح ملكاً. وتلك من أنصع وأنبل الصفحات في شعره. بل وقف من كل السلطات السياسية في عصره موقفاً مضاداً يملؤه بالعتاب الرقيق حيناً، وبالتحريض، تحريض الأمة على السلطة حيناً آخر. وبالمجابهة القتالية حيناً ثالثاً. وكان في كل حالاته هذه إنساناً وديعاً محباً مسالماً يحارب من اجل السلام. ويشاكس من اجل الحب ورخاء العيش والوصول إلى دوحة الأمن التي يرى الإنسان إنسانيته في أفيائها.

لم يهادن السلطان العثماني. كيف ورائحة دماء المقتولين تزكم أنفه. ومشاهد الجوعى على شوارع بيروت تملأ رؤيته.وأنين المساجين والمنفيين والتائهين يصك سمعه؟

فهو إذا شاهد قصر يلدز يرى أن الكوارث التي تحل بالعرب تصدر منه. وأنه مستودع لكل ألوان الظلم والقهر واللاإنسانية، فيخاطبه بدعوة الداعي عليه بالخراب.

"وجسد طائفيته وحقده على الخلافة العثمانية بالأبيات التالية"

لا سلامٌ عليكَ يا قصرُ مني
لا. ولا جادكَ الحيا ببرَودِ

زال عهد السجونِ يا أُمَمَ الأرضِ
فهذا عهدُ السلام الوطيدِ

لا بلَغْنا ذرى الحضارة إن لم
يَمْحُ عصرُ الإخاءِ عصرَ العبيدِ

وفي هذه القصيدة على قصرها يكثف صورة من أدق الصور وأنصع لوحات الشعر لعصر الاستبداد المهلك.

وإذا شاهد المظالم تسود والناس صامتون يتفجر غضباً في معاتبة لبنان:

إني هززتكَ في البلاءِ فلم أجد
عزماً يفلُّ ولا إباءً يَغضبُ

أما الشعوبُ فقد تألَّفَ شملُها
فمتى يؤلَّفُ شعبُكَ المتشعِّبُ

وإذا لمح مهاجراً يركب البحر إما هرباً من الشدة وإما بحثاً عن الرزق يناديه بصوته الصخاب:

أَشْجاكَ أنكَ رائحٌ لا ترجعُ؟
وهواكَ والأوطانُ بعدك بلقعُ؟

وإذا هوى صرح من صروح التحرير في الشام أو في الحجاز أو في مصر يشهق الأخطل فزعاً من هول المصاب حتى ليظن أن مأتم الفقيد انهيار لبنيان عربي عمرته الأجيال بلحمها وعظتمها:

قد حملنا الشآم من طرفيهِ
فوق بحر من الأسى مُتَلاطِمْ

وسفحنا في دجلةٍ قلبَ لبنانَ
وأجفانَه الهوامي الهوائِمْ

وتثور شاعريته أمام. الجائع. وأمام اليتيم. وأمام المريض. وأمام العذراء الطاهرة التي مرغ الفقر والجوع وجه طهارتها بطين الذل. كما تتفجر أنغامه وتتدفق قوافيه أمام الحرب التي تأكل الحضارات وتنهي الإنسان أو تحوله إلى وحش ضار. وتمزق حزناً أمام الشهداء العرب الذين سقطوا أمامه.

وإذا أراد مؤرخ أن يرسم صورة لنهاية القرن التاسع عشر ونصف القرن العشرين للبنان. بسمائه وأرضه. وطيره وزهره. وما حل به من أحداث وما تفجر من دم ودمع ونار. يستطيع أن يعتمد شعر الأخطل الصغير مصدراً لهذا التاريخ.

لكن كيف صاغ الأخطل أحداث لبنان؟ وبأي لغة رسم أحزان الأمة العربية وغنى أمجادها الضائعة؟ وكيف داعب الأنثى ولامس الوردة ودندن للفراشة؟ وكيف رسم صور الجبل والسهل والبحر والجدول والوادي؟

الأخطل الصغير ورث ما خلفه شعراء العربية السالفون كما ورثهم شعراء عصره. لكنه وقف طويلاً قبل أن يركض. لقد تخير درباً لـه شق بكر ترابها وزرع الزيزفون على جانبيها. لم تُغْره الطرقات التي سلكها طرفة والأعشى ولا طريق الأخطل التغلبي نفسه الذي تيمن به وأسمى نفسه باسمه. ولا الطريق التي سار عليها الكبار في العصر العباسي. عرف من البدء أن الإضافة العشوائية إلى ديوان الشعر العربي لا قيمة لها. لأنها ستبقى هامشاً باهتاً تحت صحائف الكبار. وروض شعريته من أوائل عمره على اختيار ما تضيفه هذه الشعرية إلى الشعر العربي كله، وكان ما تركه الأخطل الصغير إضافة نوعية إلى الشعر.

أولاً   : غربل ألفاظ اللغة ونضدها بين يديه بل نضد الأعذب منها بين يديه كما يفعل صانع المجوهرات بانتقاء الكريم من أحجاره. حتى أصبح من الصعب على قارئه أن ينبذ لفظة لأنها لا تليق بالشعر.

ثانياً   : اعتمد أحداث عصره، وجزئيات بيئته. وهي التي حولها إلى حالاته الشعرية على امتداد عمره. فلم يقفز فوق واقعه ليسبح في فراغ المثاليات، ويروض المصطلحات الغائمة والفضفاضة كما فعل الرمزيون سواء في المهجر أو في أوروبا من شعرائها والفرنسيين خاصة وقد عاصرهم الأخطل الصغير وتثقف بلغتهم.

ثالثاً   : اعتمد بناء القصيدة بحنكة الشاعر الصناع وليس بموهبة الشاعر وحدها.

وربما وصل إلى مساواة القمم الشعرية ذوات الأفلاك الخاصة في عدد من المطولات القصصية والحكائية النادرة الوجود في الشعر العربي. من هذه المطولات : سلمى الكورانية. التي استطاع إيجاد مدخل أسطوري لها في قسمها الأول الذي تظنه ارتفاعاً شاهقاً ببناء الشعر العربي*. وهي بعد مدخلها الأسطوري تنساب في بناء يتصاعد نحو نهاية قصة تامة البناء محكمة النسج متتابعة السرد موحدة الأجزاء حتى بيتها الأخير.

وضمن هذا النسق المتقن الذي وظف البيت الشعري لبناء عمل شعري متكامل، جاءت مطولته: رب قل للجوع. ومطولته: المسلول. ومطولته: عفراء وعروة التي استوحاها من إحدى قصص الحب العذري في تراثنا العربي.

وعلى رغم انشغاله التام في فنية السرد والبناء ليصل إلى مستوى الشعر الصافي. لم ينس غاية الشعر الأخلاقية، وأنه حامل رسالة يود تبليغها. لتتمازج العبرة الأخلاقية مع الترف الفني مع التوهج اللغوي الذي افتن الأخطل الصغير بالتحليق في سمائه. ولعل هذا ما أراد أن يقوله سعيد عقل في مقدمته الجميلة لديوان الأخطل الصغير. ويكثف بلغته الشعرية الخاصة، قدرة الأخطل على معالجة قضايا وأحداث بدون  أن تختل المعادلة بين يديه. فكان شعر الأخطل: (رغم ما عولج به... سبحان الفن، هو ديوان الأخطل الصغير تتصفحه خطفاً فتخالك لا على المنبر وإنما موغلاً في ممر الياسمين: قِبَبٌ مكوكبةٌ بالزهر، بالعناقيد تعَّلُ بانقطاف بالكؤوس تَمدُّ بها أَيْدٍ من الغيب لا تُرى. عرس للهنيهة، نفس باعدت في ذاتها تكشف عن كنز الوجود...

والأخطل الصغير أرقُّ ما يكون وألطف؟، عندما يتوجه إلى الأنثى. هناك تراه ذوباً من طيب، وباقة من زهر، ودناً من عتيق الخمر. وتتحول اللغة في شعره إلى قلب ينبض، وكيان يحوم حول المرأة متعبداً مذهولاً مأخوذاً بمفاتنها. وقد وهب الأنوثة أشفَّ ما وهبه أجداده في العصور السحيقة، وإذا كان السالفون يرون جسد المرأة ينضح عطراً، وفمها يرشح خمراً. فهو تجاوز هذه المرحلة ليرى في الأنثى متعبَّداً لا للتمتع به:

رفعوا منك للجمالِ إلهاً
وانحنو سُجَّداً على قدميكِ

 من مقدمة ديوان الأخطل الصغير للطائفي الإقليمي سعيد عقل. الصادر في بيروت عن دار المعارف 1961.

****

  البحر المقتضب : الوزن والمفتاح
إقتضب  كما سألوا     مفْعُلاتُ مستعِلُنْ
ومثاله قصيدة: قد أتاك يعتذرُ
قد أتاك يعتذر
لا تسله ما الخبر

كلما أطلت له
في الحديث يختصر

في عيونه خبر
ليس يكذب النظر

قد وهبته عمري
ضاع عنده العمر

حبنا الذي نشروا
من شذاه ما نشروا

صوحت أزاهره
قبل يعقد الثمر

عد فعنك يؤنسني
في سمائه القمر

قد وفى بموعده
حين خانت البشر
**


thumb qr1 
 
thumb qr2
 

إحصاءات

عدد الزيارات
14874468
مواقع التواصل الاجتماعية
FacebookTwitterLinkedinRSS Feed

صور متنوعة