العنوان: أدلة أصول الفقه الاسلامي بين الاتفاق والاختلاف
الكاتب: محمود السيد الدغيم
جريدة الحياة، العدد: 12556،الصفحة: 21
تاريخ النشر:  12ربيع الأول 1418 هـ/ 16 تموز/ يوليو 1997م

 شهد القرن (الرابع عشر الهجري/ العشرون الميلادي) خلطاً عجيباً جناه بعض الكتّاب على أصول الفقه الاسلامي، وطرق الاستنباط، وقواعد الأصول والفروع، وأكثر ما وقع الخلط في مجال الأدلة المُخْتَلَف فيها حين لم تُراعَ عمليات التقديم والتأخير، فَقُدِّم ما يجب أن يؤخَّر، وأُخِّرَ ما مِنْ حقِّهِ التقديم، وشطح البعض فقدم المُخْتَلَفُ فيه على المُتَّفَقِ عليه من الأدلة. لذلك كان لا بُدَّ من ايضاح ماهية الأدلة المُخْتَلَفِ فيها منعاً للالتباس.  الأدلة المختلف عليها

لا بُدَّ لكل حكم شرعي من دليل يُستدلُّ به على مشروعيته، وأدلة الشرع على مراتب أعلاها: النص من الكتاب “القرآن الكريم” والسنَّة النبوية المطهَّرة، والدليل من الكتاب والسنَّة متفق عليه بين علماء المسلمين ولا خلاف عليه بينهم أما مَنْ لا يقبل الدليل الشرعي من كتاب وسنَّة فهو خارج من دائرة الاسلام الى دوائر الكفر. ويأتي الاجماع في المرتبة الثانية، ويلحق الاجماع بدليلي الكتاب والسنّة، وهذه الأدلة الثلاثة تدخل في اطار الأدلة المنقولة. ويضاف اليها دليل رابع هو القياس، وهو دليل عقلي معتبر عند أهل السنَّة والجماعة. وبهذا تكون الأدلة المتفق عليها أربعة أدلة: الكتاب، والسنة، والاجماع والقياس.

توجد أدلة أخرى لكنها موضع اختلاف بين علماء أصول الفقه الاسلامي. وهي مرتبطة بالاستدلال، وهي أنواع: كالاستصحاب، وشرع من قبلنا، ومذهب الصحابي، والاستحسان، والمصالح المرسلة، وسد الذرائع، وعمل أهل المدينة المنورة، والعرف، والعادة، والاستقراء، والأخذ بأقل ما قيل من آراء، والالهام

معنى الاستدلال وأنواعه
قبل الشروع بايضاح الأدلة المختلف عليها نوضح معنى الاستدلال وأنواعه العديدة نذكر أربعة منها:
الاستدلال - في اللغة - هو: »استفعال، من طلب الدليل، والطريق المرشد الى المطلوب« “١”. لذلك »تقول: دَلَلْتُ فلاناً على الطريق دَلالةً ودِلالةً. والدليلُ في الشيء: الأمارة، وهذا شيء بيِّن الدِّلالة..« “٢” »واسم الفاعل: دَاْلٌّ، ودَليلٌ، وهو المرشدُ والكاشفُ« “٣”.
الاستدلال - في المنطق - هو: تسلسل عدَّةِ أحكام مترتبة بعضها على بعض، بحيث يكون الأخير منها متوقِّفاً على الأول اضطراراً، فكل استدلالٍ، انتقالٌ من حكم الى آخر. بل هو فعل ذهني مؤلَّف من احكام متتابعة، اذا وصفت لزم عنها بذاتها حكم آخر غيرها،، وهذا الحكم الأخير لا يكون صادقاً إلا إذا كانت مقدماته صادقة.
ان المنطقي ينظر في الاستدلال الكامل، من حيث هو مؤلف من قضايا مرتبطة بعضها ببعض ارتباطاً ضرورياً، فيعرف أنواع الاستدلال، ويرتبها بحسب قيمها، ويفرق بين الاستدلالات المنتجة، والاستدلالات غير المنتجة« “٤”. وان تمَّ الاستدلال المنطقي من مقدمة واحدة يسمى الاستدلال “استدلالاً مباشراً” وان تم الاستدلال بأكثر من مقدمة يسمى “استدلالاً غير مباشر” لوجود الواسطة المكررة في المقدمتين، وهي الحد الأوسط الكائن بين الحدين الأكبر والأصغر، ووجود الواسطة هو الذي جعل الاستدلال استدلالاً غير مباشر. ويعتمد الاستدلال بنوعيه المباشر وغير المباشر على ما في العقل من قدرة على الانتقال من حكم الى حكم آخر.
الاستدلال - في النحو - هو استعمال أدلة النحو بالملاحظة والاستقراء، وينبني الاستدلال النحوي على السماع والقياس والاستصحاب. والاستدلال النحوي استدلال طبيعي مباشر غير صوري. وأهم الأدلة النحوية هي: السماع والقياس. »وأنواع الاستدلال كثيرة لا تحصر« “٥”.
الاستدلال - في أصول الفقه - »يطلق تارة بمعنى ذِكْرِ الدليل، وسواء كان الدليل نصاً أو إجماعاً أو قياساً، أو غيره، ويُطلقُ تارةً على نوع خاص من أنواع الأدلة«. والمقصود بالاستدلال حين الاطلاق هو النوع الخاص من أنواع الأدلة، وصفة هذا النوع انه ليس نَصّاً - من الكتاب والسنَّة - ولا إجماعاً ولا قياساً.
والاستدلال: هو طلب الدلالة، وقد يكون ذلك بالنظر والرؤية، وقد يكون بالسؤال عنها.

والمُستدِل: هو الطالب للدلالة، ويطلق على مَنْ ينصِبُ الدلالة، وعلى السائل عنها

والمُسْتَدَلُّ له: هو الذي أقيمت له الدلالة، وقد يكون هو الحكم المطلوب بالدلالة، ويكون هو الطالب والسائل عنها

والمستدَلُّ عليه: هو المطلوب بالدلالة، ويطلق على الخصم المقهور بالدلالة« “٦”.
طرق الاستدلال في أصول الفقه: يستدل بالتلازم بين الحكمين اللذين لا يشتركان بعلة »لأن التلازم انما يكون بين حكمين، والحكم إمَّا اثبات، أو نفي، ويحصل بحسب التركيب أربعة أقسام

بين ثبوتين، أو بين نفيين، أو بين ثبوت ونفي، أو بين نفي وثبوت. ومحل الحكم إنْ لم يكونا متلازمين ولا متنافيين، وهما: العام والخاص من وجه “...” وانما تجري في ما فيه تلازمٌ، أو تنافٍ.

والتلازم: اما ان يكون طرداً أو عكساً - أي: من الطرفين - أو طرداً لا عكساً - أي: من طرف واحد.
والتنافي: لا بد أن يكون من الطرفين، لكنه اما أن يكون طرداً وعكساً - أي: اثباتاً ونفياً - وإما طرداً فقط - أي: اثباتاً - وانما عكساً فقط - أي: نفياً - فهذه خمسة أقسام

 “يصدق فيها من الأقسام الأربعة”
المتلازمان طرداً وعكساً “...” وهذا يجري فيه الأولان، أي: التلازم بين الثبوتين. وبين النفيين، كلاهما طرداً وعكساً. ومثاله: من صحّ طلاقُهُ صَحَّ ظهَارُهُ. ويثبت بالطرد، ويقوى بالعكس ويقرر بثبوت أحد الأثرين فيلزم الآخر للزوم المؤثر، ولا يعين المؤثر. فيكون انتقالاً الى قياس العلة، ونتيجته:  كل ما كان جسماً، كان مؤلفاً. وكل ما كان مؤلفاً، كان جسماً. وكل ما لم يكن جسماً، لم يكن مؤلفاً. وكل ما لم يكن مؤلفاً، لم يكن جسماً.
المتلازمان طرداً فقط “...” وهذان يجري فيهما الأول أي: التلازم بين الثبوتين طرداً. ومثاله: الجسم والحدوث. إذ كُلُّ جسم حادث ولا ينعكس في الجوهر الفرد والعرض. ومثاله: لو صح الوضوء بغير نية لصح التيمم، ويثبت بالطرد، ويقرر بانتفاء أحد الأثرين فينتفي الآخر للزوم انتفاء المؤثر

ونتيجته: كل ما كان جسماً، كان حادثاً لا عكساً، فيصدق. كل ما كان حادثاً، كان جسماً. فلا يصدق. ويجري في المتلازمين طرداً فقط “...” الثاني: أي التلازم بين النفيين عكساً

ومثاله: كل ما لم يكن حادثاً، لم يكن جسماً، فيصدق. كل ما لم يكن جسماً، لم يكن حادثاً، فلا يصدق.
المتنافيان طرداً وعكساً. كالحدوث، ووجوب البقاء، فانهما

 أ - لا يجتمعان في ذات، فيكون حادثاً واجب البقاء

ب - ولا يرتفعان: فيكون قديماً غير واجب البقاء. فهذان يجري فيهما الأخيران - أي: تلازم الثبوت والنفي، والنفي والثبوت، طرداً وعكساً- أي: من الطرفين فيصدق: لو كان حادثاً، لم يجب بقاؤه. ولو وَجَبَ بقاؤه، لم يكن حادثاً. ولم لم يكن حادثاً، فليس لا يجب بقاؤه. ولو لم يكن لا يجب بقاؤه، فليس بحادث. ومثاله: ما كان مباحاً لا يكون حراماً.
المتنافيان طرداً لا عكساً. اي: اثباتاً لا نفياً. كالتأليف والقِدَم. إذْ لا يجتمعان. فلا يوجد شيء هو مؤلف وقديم، لكنهما قد يرتفعان، كالجزء الذي لا يتجزأ. وهذان يجري فيهما الثالث - أي: تلازم الثبوت والنفي، طرداً وعكساً - أي: من الجانبين. فيصدق: كل ما كان جسماً، لم يكن قديماً. وكل ما كان قديماً، لم يكن جسماً. لا الرابع، أي: تلازم النفي والاثبات، من شيء من الجانبين، فلا يصدق: كل ما لم يكن جسماً، كان قديماً. أو كل ما لم يكن قديماً كان جسماً. ومثاله: ما لا يكون جائزاً يكون حراماً، ويقرران بثبوت التنافي بينهما أو بين لوازمهما.
 5- المتنافيان عكساً

 - أي: نفياً - كالأساس، والخلل، فانهما لا يرتفعان، فلا يوجد ما ليس له أساس، ولا يختل، وقد يجتمعان في كل ذي أساس يختلُّ بوجه آخر. وهذان يجري فيهما الرابع - أي: تلازم النفي والثبوت طرداً وعكساً، فيصدق. كل ما لم يكن له أساس فهو مُختلٌّ. وكل ما لم يكن مختلاً، فله أساس. ولا يجري فيهما الثالث. فلا يصدق: كل ما كان له أساس فليس بمختل. أو كل ما كان مختلاً فليس له أساس. ومثال ما يَرِدُ على الجميع: منعهما ومنع احدهما« “٧”.
ويمكن الاستدلال بانتفاء المُكَمِّلِ على انتفاء المُكَمَّلِ، ومثاله: فساد العقد إذا انتفت عدالة الشاهدين لفسقهما.
الاستدلال بحكم على حكم. ومثاله: القضاء على الغائب أو على الحاضر الممتنع - من مجلس الحكم - ببينته - والخصم حاضر - فالحكم واجب لوجود البينة وصدقها، وسبب وجوب الحكم هو المحافظة على الحقوق من الفوت.
أنواع الاستدلال
الاستدلال باستصحاب الحال: وللاستصحاب معنيان لغوي، واصطلاحي.
أ - المعنى اللغوي: »كل شيء لازَمَ شيئاً فقد استصحبه، واستصحبت الكتاب وغيره: حملتهُ صُحبتي...« “٨”. ب - المعنى الاصطلاحي: »سمي هذا النوع استصحاب الحال، لأن المستدل يجعل الحكم الثابت في الماضي مصاحباً للحال، أو يجعل الحال مصاحباً لذلك الحكم.
وفي الشريعة: هو الحكم بثبوت أمر في الزمان الثاني بناء على أنه كان ثابتاً في الزمان الأول. وقيل: هو التمسك بالحكم الثابت في حال البقاء لعدم الدليل المغيِّر« “٩”. ويكون استصحاب الحال باستصحاب حال أمرٍ وجوديٍّ أو عدميّ، أو عقليّ أو شرعيّ.
حجية استصحاب الحال: قال جمهور الحنفية والمتكلمين: »انه ليس بحجة« “٠١” وقال أكثر المتأخرين: »انه حجَّة يجب العمل به في نفسه لإبقاء ما كان، ولا يصلح حُجَّة لاثبات أمر لم يكن...« “١١”.
وهكذا يتضح لنا: ان حُجيّة استصحاب الحال موضع خلاف بين المذاهب الاسلامية، وبين العلماء المتقدمين، واللاحقين. فبعضهم اعتبره حجة بشكل مطلق، وبعضهم »جوَّزَ به الترجيح لا غير« “٢١”. وبعضهم لم يعتبره، واختار الآمدي اعتباره حجة وعلل ذلك بقوله: »وسواء أكان ذلك الاستصحاب لأمر وجودي أو عدمي، أو عقلي أو شرعي، وذلك لأن ما تحقق وجوده أو عدمه في حالة من الأحوال فإنه يستلزم ظن بقائه، والظن حُجَّةٌ متبعة في الشرعيات “...” والأصل في جميع الأحكام الشرعية: انما هو: العدم، وبقاء ما كان على ما كان، إلا ما ورد الشارع بمخالفته، فإنَّا نحكم به، ونبقى في ما عداه عاملين بقضية النفي الأصلي. كوجوب صوم شوال، وصلاةٍ سادسةٍ ونحوه« “٣١”.

ومن صُوَرِ الاختلاف في حُجية استصحاب الحال وعدمها ما يلي:
1- استصحاب حكم الاجماع في محل الخلاف، ومثاله خروج خارج من غير القبل والدبر، فإنه لا يفسد الوضوء. لاستصحاب حال الطهارة. وهذا ما رجحه الآمدي “٤١”. ورده الغزالي “٥١”.
 2- »استصحاب العموم الى أن يرد تخصيص« وهو صحيح عند الغزالي لأن العموم دليل عند القائلين به “٦١”.
3- »استصحاب النص الى أن يرد نسخ« وهذا صحيح عند الغزالي أيضاً لأن النص دليل على دوام الحكم بشرط عدم ورود النسخ، وهو مثل دلالة العقل على البراءة  الأصلية ما لم يرد سمع يغير الحكم “٧١”.
4- »استصحاب حكم دلَّ الشرع على ثبوته ودوامه« ومثاله ثبوت التملك عند اعتماد العقد بين الشاري والبائع. فالعقد حكم شرعي يدل على انتقال الملك من الأول الى الثاني ونزعه عن الأول وثبوته للثاني “٨١”.
5- استصحاب الحكم الأصلي للأشياء: وهو إباحة ما هو نافع إن لم يرد أمر بتحريمه. فإن ورد أمر التحريم بطل استصحاب الحال الأول وهو الاباحة ومثاله: سقوط التكاليف قبل ارسال الرسل والأنبياء عليهم السلام، فالأصل عدم الوجوب قبل ورود الدليل.
 6- استصحاب العدم أي: البراءة الأصلية، ومثاله: براءة الذمة من التكاليف الشرعية حتى يدل الدليل على التكليف بالتكاليف الشرعية، فإن لم يدل الدليل على وجوبها سقطت عن الانسان. وقد علل الآمدي الاستصحاب العدمي بقوله: »ان العقلاء، وأهل العرف اذا تحققوا وجود شيء، أو عدمه، وله أحكام خاصة به، فانهم يسوِّغون القضاء والحكم بها، في المستقبل من زمان ذلك الوجود أو العدم. حتى انهم يجيزون مراسلة من عرفوا وجوده قبل ذلك بمُددٍ متطاولة، وانفاذ الودائع اليه، ويشهدون في الحالة الراهنة بالدَّين على من أقرَّ به قبل تلك الحالة، ولولا أن الأصل بقاء ما كان على ما كان لما ساغ لهم ذلك« وخلاصة الأمر: ان البراءة هي الأصل ما لم يقم دليل على ثبوت التهمة “٩١”.
 7- استصحاب الوصف الذي يثبت الحكم الشرعي حتى يرد ما يثبت خلافه، ومثاله: ثبوت الطهارة حتى يطرأ دليل الغائها بوجود نجاسة. وهذا النوع هو المعبر عنه بـ »استصحاب الوصف المثبت للحكم حتى يثبت خلافه. وهو حجَّة كاستصحاب حكم الطهارة، وحكم الحدث بما يشغل« “٠٢”. وهذا النوع مردود عند الأحناف في حالة الاثبات لأنه لا يوجب حقّاً جديداً، ولكنه مقبول عندهم في حالة الدفع حيث يستقر به الحكم القديم، ومثاله: حياة المفقود قبل الحكم بموته. لأن الحياة صفة ثابتة بالاستصحاب، ولهذا لا تورَّث أموال المفقود ما لم يثبت موته.
خلاصة القول: ان الاستدلال بالاستصحاب موضع خلاف بين علماء أصول الفقه، غير أن جمهور الحنابلة والمالكية وأكثر الشافعية قالوا: ان الاستدلال بالاستصحاب حجة مطلقاً في النفي أو في الاثبات. ولكن الأحناف قالوا: ان الاستصحاب حجة لدفع الحكم لا لاثباته لأن »الاستصحاب لا يكون للايجاب، أي: لا يصلح للإلزام، لكنه حجة دافعة، أي: يدفع إلزام الغير واستحقاقه« “١٢”.

وأجمع الشافعية »على أن الاستصحاب صالح للترجيح، واختلفوا في استصلاحه للدليل...« “٢٢”. وبلغ الأمر بالآمدي الشافعي حد اعتبار الاستدلال بالاستصحاب من الأصول غير المختلف فيها، كما اعتبره ابن الحاجب »آخر الأدلة الشرعية« “٣٢”. غير أن الغزالي الشافعي أورد »دليل العقل والاستصحاب« باعتباره »الأصل الرابع« حيث قدمه على القياس، وبين ان »الاستصحاب عبارة عن التمسك بدليل عقلي أو شرعي، وليس راجعاً الى عدم العلم بالدليل بل الى دليل مع العلم بانتفاء المغيّر، أو مع ظن انتفاء المغير عند بذل الجهد في البحث والطلب “٤٢”.
وتابع رأي الغزالي الشافعي ابن قدامة الحنبلي “ت 620هـ” فذكر أن »الأصل الرابع: استصحاب الحال ودليل العقل« “٥٢” وبهذا يكون ابن قدامة قد أورد استصحاب الحال بين الأصول الأربعة المتفق عليها وهي الكتاب والسنة والاجماع واستصحاب الحال. وبذلك قدم الاستصحاب على القياس “٦٢”، وشأنه في ذلك شأن الغزالي.
يتضح لنا من استعراض ما كتبه علماء أصول الفقه: ان الاستدلال بالاستصحاب لم يحظ بالاجماع وهو موضع خلاف،
والراجح: ان ترتيبه هو الدليل الأقوى من بين الأدلة المختلف فيها، لكنه لا يرقى الى مرتبة القياس ولا يتقدم عليه، وهذا هو رأي الأكثرية، وهو الراجح.
 2- شرع مَنْ قبلنا
اختلفت الآراء حول شرع من كان قبل الاسلام، وهل هو شرع لنا أم لا؟. وهل كان النبي محمد »متعبداً بشرع أحد من الأنبياء قبله« “٧٢”. أم لا؟
بعض العلماء نفى تعبدالنبي محمد - صلى الله عليه وسلم - بشرع من قبله، وبعضهم قالوا كان متعبداً بشرع من قبله، ولكن هؤلاء اختلفوا بتحديد الشرع الذي كان النبي محمد متعبداً به. أما الفريق الثالث فقد قال بجواز تعبده بشرع من قبله، ولكن هذا الفريق توقف فلم يقرر فيما إذا كان قد وقع تعبده بشرع من قبله أم لا؟ كما وقع الخلاف على تعبدالنبي محمد وأمته بشرع من قبله بعدما نزلت الرسالة الاسلامية على محمد - صلى الله عليه وسلم - فمنع ذلك المعتزلة والأشاعرة وهذا ما اختاره الآمدي “٨٢”.
والرأي الراجح: ان علماء المسلمين أجمعوا على أن الشريعة الاسلامية » ناسخة لشريعة من تقدم، فلو كان متعبداً بها لكان مقرراً لها ومخبراً عنها، لا ناسخاً لها« “٩٢”. أما الأحكام التي بقيت سارية المفعول بعد الرسالة أُقِرَّتْ بوحي مجدد بينما نُسخت أحكام لم يقرها الاسلام، وعليه فإن شرع من قبلنا هو شرع لنا ما لم يدل الدليل على نسخه.
2- مذهب الصحابي
ان الصحابي هو: من كانت له صحبة مع النبي صلى الله عليه وسلم. و»اتفق الكل على أن مذهب الصحابي في مسائل الاجتهاد لا يكون حجة على غيره من الصحابة المجتهدين، إماماً كان أو حاكماً، أو مفتياً. واختلوا في كونه حجة على التابعين، ومن بعدهم من المجتهدين “...” والمختار: انه ليس بحجة مطلقاً« “٠٣”.
وقد اجاز العلماء للعامي تقليد الصحابي، لكنهم اختلفوا في تقليد المجتهد للصحابي »والمختار: امتناع ذلك مطلقاً« “١٣”. وهذا عند الأشاعرة والمعتزلة والشافعية والحنابلة، وبعض متأخري المالكية والحنفية، وهذا رأي الأقلية حيث لم يأخذ به الا الشافعية عموماً.
وعارضهم أئمة الأحناف فاعتبروه حجة شرعية مقدمة على القياس، وتؤيدهم رواية عن الشافعي، ورواية عن أحمد بن حنبل، ورواية عن مالك.
فيكون مذهب الجمهور: اعتبار مذهب الصحابي حجة لاعتباره من قبل الأكثرية وهم: الحنفية والمالكية والحنابلة “٢٣”. والراجح قول ابن الحاجب المالكي: ان »مذهب الصحابي ليس بحجة على صحابي اتفاقاً. والمختار، ولا على غيرهم “...”« لأنه يحتاج الى دليل شرعي من الكتاب والسنة والاجماع، فاذا وُجِدَ الدليل الذي يؤيده، وجب علينا الأخذ بالدليل الذي يعضده.

٭ د. محمود السيد الدغيم: كاتب سوري مقيم في بريطانيا

مصادر البحث

1- الأحكام، الآمدي، ج ٤: ص ٤٠١.

 2- مجمل اللغة، ابن فارس، ج ١: ص ٩١٣.

3- المصباح المنير الفيومي: ص ٩٩١.

 4- المعجم الفلسفي ج ١: ص 68.

 5- الاقتراح، السيوطي، ص 98.

 6- الكافية في الجدل، الجويني، ص 47 - 48.

 7- شرح العضد، الايجي على ابن الحاجب، ج 2: ص 450 - 452. 8- المصباح المنير، ص 233.

9- كشف الأسرار،

 عبدالعزيز البخاري، ج 3: ص 377.

 10- البحر المحيط، الزركشي، ج 6: ص 17.

 11- البحر المحيط، الزركشي، ج 6: ص 18.

 12- الاحكام، الآمدي، ج 4: ص 111.

 13- الاحكام، الآمدي، ج 4: ص 111 - 113.

 14- الاحكام، الآمدي، ج 4: ص 119.

 15- المستصفى، الغزالي، ج 1: ص 223.

 16- المستصفى، الغزالي، ج 1: ص 221.

 17- المستصفى، الغزالي، ج 1: ص 221.

 18- المستصفى، الغزالي، ج 1: ص 222.

 19- الاحكام، الآمدي، ج 4: ص 112.

 20- اعلام الموقعين، ابن قيم الجوزية، ج 1: ص 295 - 296. 21- كشف الأسرار، البخاري، ج 3: ص 378.

 22- البحر المحيط، الزركشي، ج 6: ص 19.

 23- شرح العضد، الايجي على ابن الحاجب، ج 2: ص 449.

 24- المستصفى، الغزالي، ج 1: ص 217 و223.

 25- نزهة الخاطر، ابن قدامة، ج 1: ص 389.

 26- نزهة الخاطر، ابن قدامة، ج 2: ص 226.

 27- الاحكام، الآمدي، ج 4: ص 121.

 28- الاحكام، ج 4: ص 123.

 29- الاحكام، ج 4: ص 124.

 30- الاحكام، ج 4: ص 130.

 31- الاحكام، ج 4: ص 135.

 32- اعلام الموقعين، ابن قيم الجوزية، ج 4: ص 156.

 33- شرح العضد، الايجي على ابن الحاجب، ج 2: ص 457.

 23064 “الحياة”...........عام “العنوان: أدلة أصول الفقه الاسلامي بين الاتفاق والاختلاف “


thumb qr1 
 
thumb qr2
 

إحصاءات

عدد الزيارات
16098665
مواقع التواصل الاجتماعية
FacebookTwitterLinkedinRSS Feed

صور متنوعة