العنوان: التركيبة الحزبية على الساحة التركية “2من 2” “الكاتب: محمود السيد الدغيم “ت.م: 22/12/1995 “ “ت.هـ: 30/07/1416 “العدد: 11992 “ “الصفحة: 7

 بعد قيام الجمهورية التركية سنة 1923م شكّل اتاتورك حزب الشعب “خلق بارتيسي” وترأسه بعدما تسلم رئاسة الجمهورية، وبقي الحزب يحكم تركيا من دون منافس حتى مات اتاتورك سنة 1938م فانتقلت الرئاسة الى خلفه عصمت انينو، وكانت صحيفة الحزب المسماة الشعب “أولوس” من ألد الصحف المعادية للاسلام. وشهد الحزب في عهد انينو خلافات ادت الى تصدعه

فانشق عنه حزب الثقة (Guvan Partisi) اليساري المتطرف، والحزب الديموقراطي الذي أسسه المرحوم عدنان مندريس سنة 1964م. كان شعار حزب الشعب على شكل ستة أسهم يرمز كل واحد منها الى مبدأ من مبادئ الحزب الستة وهي: جمهوري، قومي، شعبي، دولي “تدخل الدولة في الأمور الاقتصادية والاجتماعية والدينية”، علماني، ثوري. ولا يستبعد المتدينون الاتراك مساهمة اليهود في انشاء حزب الشعب اذ برز على الساحة السياسية كبير الحاخامات اليهود حاييم ناعوم الذي كان يعتبر من اصدقاء رئيس وزراء أتاتورك / آنذاك / عصمت انينو، ويقال انه حبذ الشعار السداسي تيمناً بالنجمة السداسية.

وتعتبر فترة زعامة ورئاسة عصــمت انينو اشـــد ايذاء للمـــسلمين من كل انواع الزعامات الجمهورية، وادى ضغطه الى انفجار حزب الشعب، وظهور احزاب اخرى. شعر المسلمون في تركيا بخطورة ما ينفذه انينو متخذاً من حزب الشعب ستاراً لتنفيذ سياساته، ووصل التململ الى المؤسسة العسكرية فانفصلت عن حزب الشعب مجموعة من الحريصين على أمن تركيا وسلامتها، وكان على رأس تلك المجموعة المرحوم عدنان مندريس، والراحل جلال بايار وانضم اليها المؤرخ محمد فؤاد كوبريلي ورفيق كورآلطان وغيرهم.وكان ذلك في ٧/١/1964م التي تُعتبر سنة نهاية حكم الحزب الواحد، وابتداء عهد التعددية الحزبية في تركيا بعد اصدار القانون الانتخابي سنة 1964م.

وجرت الانتخابات في ١٢/٧/٦٤٩١، ففاز الحزب الديموقراطي بـ ١٦ مقعداً نيابياً بينما فاز حزب الشعب الحاكم بـ ٤٠٤ مقاعد فاستمرت سيطرته على المجلس الوطني التركي.لكنه شعر بوجود المعارضة البرلمانية التي لم يعهدها من سنة ٤٢٩١ حتى ٦٤٩١.وشكل حزب الشعب حكومة ديكتاتورية برئاسة رجب باكير فأساءت استخدام السلطة ما ادى الى انسحاب ٧٤ نائباً من حزب الشعب وانضمامهم الى الحزب الديموقراطي، فسقطت الحكومة وخلفتها حكومة مؤقتة.وشكلت حكومة جديدة برئاسة شمس الدين غون آلطي أي في ٣٢/١/٩٤٩١.

ووافق المجلس الوطني على اصدار قانون انتخابي في ٥١/٢/٠٥٩١ وانشق عن الحزب الديموقراطي ثلاثون نائباً وشكلوا الحزب الوطني برئاسة المارشال المتقاعد فوزي جقمق، وأعلنت الاحزاب الثلاثة برامجها الانتخابية، ودعا الحزب الوطني علناً الى الغاء النظام العلماني، والعمل على اعادة الحكم الشرعي الى تركيا. جرت الانتخابات في ٤١/٥/٠٥٩١ على ٢٨٤ مقعداً فحصل الحزب الديموقراطي على ٤٠٤ مقاعد، وحزب الشعب على ٩٦ مقعداً وحصل الحزب الوطني على مقعد واحد، وحصل المستقلون على ٩ مقاعد.وبعد فرز النتائج استقال انينو من رئاسة الجمهورية التي احتلها منذ سنة ٨٣٩١، وانتخب المجلس الوطني جلال بايار رئيساً للجمهورية، فكلف عدنان مندريس رئاسة الوزراء، فبدأ مرحلة تحرير تركيا من سيطرة التسلط الاتاتوركي باسم حزب الشعب.وشهدت تركيا مرحلة العصر الذهبي الاقتصادي أيام حكمه ٠٥٩١ / ٠٦٩١ حين استطاع الحزب الديموقراطي اقصاء حزب الشعب عن السلطة مدة عشر سنوات. وسمحت حكومة مندريس باصدار المطبوعات الاسلامية “»في سبيل الرشاد« و»طريق الاسلام« و»أهل السنة« و»طريق الله« الخ...”.وسمحت الحكومة برفع الآذان باللغة العربية بموجب القانون الرقم ٥٦٦٥ الصادر في ٦١/٦/٠٥٩١ وطوي الاذان العلماني.وفتحت مدارس الائمة والخطباء الثانوية ليلتحق بها ١٨١٢ من الطلاب سنة ٥٥٩١، واستمر عددهم بالنمو والازدياد.وتم الترخيص لـ ٨٨٠١ جمعية اسلامية حتى سنة ٥٥٩١ لمواجهة ٧٦٠٧٢ جمعية غير اسلامية.وتابع الحزب الديموقراطي جهوده في سبيل استعادة هوية تركيا الاسلامية، فاستحدث لجنة ارشاد الاذاعة الدينية، واعادة نظام الافتاء وتعيين المفتي والواعظ والمدرس.وسمحت الدولة بنشر ترجمات الكتب الدينية المعتمدة في الجامع الأزهر، وتبنّت الدولة نشر بعض الكتب الاسلامية، وأقرت الدروس الدينية في المدارس الابتدائية التركية بموجب القرار الرقم ٥٠٤٩ الصادر سنة ٦٥٩١.وتأسس معهد البحوث الاسلامية في جامعة اسطنبول، ودُعمت كلية الالهيات “الشريعة” في انقرة.وهكذا بدأت تركيا تستعيد هويتها الاسلامية، فثارت ثائرة اعداء الاسلام.ولم يخلد انينو الى الراحة وظل يتآمر ويتصل بالضباط العسكريين واتفق ٨٣ ضابطاً على القيام بالانقلاب في ليلة ٧٢/٥/٠٦٩١.وشهدت تركيا مجزرة فريدة من نوعها، تحت شعار تصحيح مجرى السياسة في تركيا.وشكل الانقلابيون المجلس القومي وتم تعيين جمال غورسيل رئيساً للجنة، ورئيساً مؤقتاً للجمهورية، ورئيساً للوزارة، ووزيراً للدفاع، واستمر تحكم العسكر حتى ٦١/٠١/١٦٩١.اثناء ذلك سرحوا من الجيش 5000 ضابط من رتبة مقدم وما فوق حتى رتبة جنرال بدعوى اتجاهاتهم الاسلامية ومعارضة الاتاتوركية.وامتدت مأساة التسريح الى اساتذة الجامعات فشملت اكثر من ٠٥١ استاذاً وبلغت المأساة أوجها في ٥١/٩/١٦٩١ حين صدرت أحكام الاعدام بحق رئيس الجمهورية جلال بايار، ورئيس الوزراء عدنان مندريس، ووزير الخارجية فطين رشدي زورلو، ووزير المالية حسن بولادكان.ونفذت الاحكام شنقاً، واستثني الرئيس بايار حين خفضت عقوبته ثم شمله العفو لاحقاً.وهكذا جاء الانقلاب فحظر الاحزاب السابقة، وأعدم رموز الاتجاه الاسلامي وكانت نهاية الحزب الديمــوقراطـــي ونهاية زعيـمه مندريس في آن واحد. أقام الانقلابيون بعد اعدام مندريس انتخابات شكلية في ٥١/٠١/١٦٩١، فنال حزب الشعب بقيادة انيــنو ٣٧١ مقعداً “٧.٦٣ في المئة” ونال حزب العدالة بقيادة الرئيس الحالي سـليمان ديميريل ٨٥١ مقعداً “٧.٤٣ في المئة” ونال حزب تركيا الجديدة ٥٦ مقــعداً، ونال حزب الفلاحــين الجمهوري ٤٥ مقعداً.وبانتخاب صُوري اصبح الجنرال جمال غورسيل رئيساً للجــمهورية في ٧٢/٠١/١٦٩١، مثلما أصبح انينو رئيساً للوزارة الائتلافية بعد الاتفاق مع سليمان ديميريل رئيس حزب العدالة، ففشلت الوزارة واستقالت في ايار ٢٦٩١.وشكل انينو حكومة ائتلافية مع حزب الفلاحين الجمهوري، وساءت الاحوال فقام الكولونيل طلعت آيدمير بمحاولة انقلابية فاشلة سنة ٣٦٩١ أدت الى اعدامه سنة ٤٦٩١، وساءت الاحوال، واجريت الانتخابات النيابية سنة ٥٦٩١ ففاز حزب العدالة بقيادة ديميريل بغالبية ٣٥ في المئة من مقاعد البرلمان، وشكل ديميريل الحكومة من حزبه وأصبح حزب الشعب في خانة المعارضة.ومات الرئيس جمال غورسيل سنة ٦٦٩١، فانتخب رئيس الاركان جودت صوناي رئيساً للجمهورية، وحصلت الانتخابات سنة ٩٦٩١ ففاز حزب العدالة وفشل حزب الشعب فحرك انصاره من العسكر فاستولوا على السلطة في ٢١/٣/١٧٩١.وبعد ان خلت الساحة لحزب الشعب أعلن عن اجراء الانتخابات في تشرين الأول “اكتوبر” سنة ٣٧٩١ فنال حزب الشعب بزعامة بولنت اجاويد ٥٨١ مقعداً، وحزب العدالة بزعامة ديميريل ٩٤١ مقعداً،

Necmettin Erbakan

وحزب السلامة الوطني بزعامة نجم الدين ارباكان ٨٤ مقعداً، والحزب الديموقراطي بزعامة بوظبيلي ٥٤ مقعداً، وحزب الثقة بزعامة تورخان فيضي أوغلي ٣١ مقعداً، والمرشحون المستقلون ٦ مقاعد، وحــزب العمل القومي بزعـامة الطوراني ألب أرسلان توركش ٣ مقاعد، وحزب الوحدة العلوي مقعداً. وشكل رئيس حزب الشعب أجاويد حكومة ائتلافية بالاشتراك مع حزب السلامة بقيادة البروفسور نجم الدين ارباكان في كانون الثاني “يناير” سنة ٤٧٩١ واستمر ذلك الائتلاف حتى ٨١/٩/٤٧٩١ حين قدم أجاويد استقالته التي قُبلت بعد ستة أشهر، وحلت محل حكومته حكومة ائتلافية برئاسة رئيس حزب العدالة سليمان ديميريل وضم الائتلاف حزبي السلامة والعمل القومي، فاستمرت حتى أجريت الانتخابات النيابية في ٥/٥/٧٧٩١. فاز حزب الشعب الذي أيده الشيوعيون العلمانيون بـ ٣١٢ مقعداً، وتلاه حزب العدالة ٩٨١ مقعداً، وحزب السلامة ٤٢ مقعداً، وحزب العمل القومي ٦١ مقعداً، وحزب الثقة ٣ مقاعد، والحزب الديموقراطي مقعد واحد، ونال المستقلون ٤ مقاعد.وقام أجاويد بتشكيل وزارة من نواب حزب الشعب فقط فلم تنل وزارته ثقة المجلس الوطني “البرلمان” فقدم استقالته جزاء فشله.وشكل ديميريل حكومة من ائتلافه السابق استمرت حتى شهر كانون الاول “ديسمبر” ٧٧٩١، ثم استقالت.وفي كانون الثاني “يناير” ٨٧٩١ شكل اجاويد وزارة ائتلافية مع الحزب الديموقراطي، وحزب الثقة، والنواب المستقلين، وايده عشرة نواب من حزب العدالة ممن ينتسبون الى التيار المؤيد للعلمانية من ابناء المناطق الشرقية.وهكذا حصلت وزارة أجاويد على ثقة المجلس بأكثرية ١٣٢ صوتاً، وعارضه ٩٢١ نائباً، ومارست الوزارة اعمالها بطريقة متدنية للغاية، فاستقال عشرة وزراء من الحكومة التي استمرت على رغم الخلل وبقي أجاويد في الحكم، ثم حصلت الانتخابات الفرعية في تشرين الاول سنة ٩٧٩١.وجرت تلك الانتخابات لاملاء ٥ مقاعد نيابية فاز بها حزب العدالة و٣٣ مقعداً في مجلس الشيوخ ايضاً.وهُزِم حزب الشعب في الانتخابات، وتفوق عليه حزب العدالة، فشكل ديميريل حكومة من حزبه فقط ومنحه الثقة نواب السلامة والعمل القومي، وازاء الفشل الذي جناه حزب الشعب لم يبق أمامه سوى التآمر مع العسكر لقلب نظام الحكم، وقاموا بالانقلاب في ٢١/٩/٠٨٩١ بقيادة الباشا كنعان افرين، الذي علق الدستور واعلن الاحكام العرفية في تركيا بعدما انتهت فترة رئاسة رئيس الجمهورية فخري كورتورك في ٦/٤/٠٨٩١، وتولى الرئاسة بالوكالة رئيس مجلس الشيوخ احسان صبري جاغلايا، وعجز المجلس الوطني عن انتخاب رئيس جمهورية جديد بسبب ضغوط العسكر وفتن حزب الشعب وانصاره، وبعد الانقلاب حُكمت البلاد حكماً عسكرياً ثم اصبح قائد الانقلاب كنعان افرين رئيساً للجمهورية. أصبح افلاس العلمانيين وعلى رأسهم حزب الشعب أمراً ملموساً، وصار فشلهم الانتخابي من الامور الحتمية، لهذا اتخذت المؤسسة العسكرية قراراً بتعليق نشاط الاحزاب ثم حلها، واصدر العسكريون ما سمي »قانون الاحزاب السياسية« في ٤٢/٤/٣٨٩١، وبعده صدر قانون الانتخابات في ٣١/٦/٣٨٩١، وكان العسكريون قد أصدروا دستوراً جديداً في ٢١/٩/ ٢٨٩١، منح بموجبه رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة لم يتمتع بها أي رئيس جمهورية تركية قبل ذلك، وتضمن دستور ٢٨٩١ نصاً صريحاً في المادة ٣١ على حظر الاحزاب الدينية والفاشية والاشتراكية، وبذلك تم حظر الاحزاب المناوئة لحزب الشعب والعلمانية، وجاء في المادة ٦٩ من قانون الاحزاب ما يحظر استخدام مصطلحات »الشيوعية والفوضوية والاشتراكية والفاشية والقومية، والدين والعرق، واللغة والطائفة والمذهب« أو اي كلمات تعطي معاني مشابهة.وهكذا حلت احزاب المعارضة. هكذا تكونت الخريطة التركية جغرافياً وسكانياً ودينياً ومذهبياً وحزبياً.وتأتي الانتخابات في ٤٢/٢١/٥٩٩١ على انقاض هذا الركام وتلك التجارب المرة التي مرت بها تركيا منذ اعلان الجمهورية سنة ٣٢٩١ حتى الآن. دعمت اوروبا الحكومة التركية الحالية فقبلت تركيا في الاتحاد الجمركي الاوروبي، وهذا ما اعتبره انصار التغريب نصراً بينما اضاف البروفسور نجم الدين ارباكان شعاراً جديداً لحملته الانتخابية وهي ان حزب الرفاه اذا وصل الى السلطة سيسقط هذا القرار لأنه اتخذ من جانب اوروبا من دون استفتاء الشعب التركي الذي سيتضرر جراء القرار. تدل التجارب الانتخابية التركية السابقة على ان حزب الرفاه الاسلامي هو الاقوى انتخابياً لكن الخطوات المعادية التي تجسدت بتسريح حوالى ٠٠٠٢ عسكري من ضباط وضباط صف من خريجي المدارس الشرعية، والمتدينين يشير بوضوح الى شراسة المعركة الانتخابية.

thumb qr1 
 
thumb qr2
 

إحصاءات

عدد الزيارات
16098623
مواقع التواصل الاجتماعية
FacebookTwitterLinkedinRSS Feed

صور متنوعة