(العنوان:ليلى شاهينوفيتش تروي قصتها لـ »الحياة«. انطباعات شاهد عيان عن أحوال البوسنة-الهرسك) (الكاتب:محمود السيد الدغيم) (ت .م:29-06-1994) (ت .هـ:20-01-1415)  (العدد: 11455) (الصفحة:7)

ولدت ليلى شاهينوفيتش (ابن شاهين، في مدينة ترافنيك في ٣-٢١-٤٧٩١م، وقضت حياتها مع والدتها نادرة ووالدها محمد علي الذي كان يعمل تاجراً باللوازم الكهربائية، وعندما بلغت السادسة من عمرها التحقت بمدرسة براجالوليج حيث تلقت تعليمها الابتدائي والاعدادي، ثم التحقت بثانوية انطون مافراك المختلطة، وتابعت دراستها حتى امتد طر الحرب الى ترافنيك بعد ٤-٤-٢٩٩١، فـــتركت ليلى المدرسة التي اغلقت الحرب أبوابها في ٠٢-٤-٢٩٩١، بعدما حــــاول الجيش اليوغوسلافي المنـــــهار السيطـــرة على المدينة بغية اخراج المسلمين من ترافنيك . تصدى المسلمون والكروات للعدوان الصربي في البداية وتم اخراجهم من المديـــــنة فلـجأوا الى جبل فلاشيـــــتش وبدأوا قصف المدينة واحــــتلوا قرية توربة الاسلامية وتصدى لهم المسلمون فحرروا نصف القرية وشكلت فيها خطوط تماس مع العدوان الصربي . وزادت حدّة الحرب، وأصبح محل اللوازم الكهربائية الذي يملكه محمد علي شاهينوفيتش في خط النار في قرية توربة، وآل مصير المحل الى الاحتراق، ففقد صاحبه مصدر رزقه الوحيد، ومنذ ذلك الوقت التحق محمد علي بالقوات المؤلفة من المسلمين والكروات . بعد عدة شهور تفاقمت الأزمة بين المسلمين والكروات فالتحق بجيش البوسنة النظـامي . ومــا زال حتى الآن . عندما وصلت قوات الأمم المتحدة الى البوسنة - الهرسك، اتخذت القوات الانكليزية مواقع عمل في البوسنة في محيط مدنية فيتيز فالتحقت ليلى للعمل كمترجمة بين قوات الأمم المتحدة، والقوات المحلية المتصارعة اعتباراً من ٩٢-٠١-٢٩٩١ وأصبح مركز عملها في قرية ستارا بيلا الواقعة تحت سيطرة القوات الانكليزية العاملة ضمن اطار قوات الأمم المتحدة، واستمرت في عملها حتى ٠١-٦-٣٩٩١ . بعد ذلك غادرت البوسنة، ووصلت الى بريطانيا عن طريق القوات الانكليزية العاملة في اطار قوات الأمم المتحدة، وحصلت على اللجوء السياسي في بريطانيا، واتخذت من مدينة لندن مكاناً للاقامة، والتحقت بمعهد تعلم اللغة الانكليزية للأجانب لتطور لغتها، وبدأت معاناتها في الغربة بعيداً عن الأم والأب . وفي لندن التقت »الحياة« ليلى لتروي ذكرياتها عن الحرب .  قصة المأساة كانت مدينة ترافنيك تزهو بجوامعها ومآذنها ومدارسها على ما يجاورها من مدن وقرى، وكانت البنية الحضارية للمدينة مصدر فخر واعتزاز لأبنائها، لكن الصرب حاولوا احتلال المدينة وما جاورها فتصدى لهم المسلمون وساهم معهم الكروات في الدفاع عن المدنية وهُزم الصرب، وأصبحت خطوط النار في قرية توربة الاسلامية حين استولى الصرب على نصفها، وابتدأت المذابح فيها في ٢٢-٤-٢٩٩١ . ومن جبل فلاشيتش تابع الصرب قصف مدينة ترافنيك ومحيطها بالصواريخ والمدفعية، وتصدى لهم الرجال، وسلكت النساء طرقات الرحيل الى الامكنة الآمنة مع اطفالهن . استمر انهمار القذائف على مدينة ترافنيك وطرقاتها وبيوتها وتناثرت جثث الأطفال والشيوخ والنساء . وبعد عشرة أيام من القصف الرهيب عليها »خرجت مع والدتي من المدينة، وألقينا نظرات الوداع على ما بقي في المنزل من أشياء لها ذكريات، وعلى مشارف المدينة سكبنا دموع الوداع، وكأن مآذنها تطالبنا بالصمود، وتابعنا المسير نحو الجنوب، وكانت الطريق الكرواتية سالكة فوصلنا الى مدينة سبليت الواقعة على ساحل البحر الادرياتيكي واقمنا عند أسرة من اصدقائنا هناك . وحـــينذاك شعرت بالغربة جراء ما لمسته من تمييز عنصري . شــــعرت بمـــا لم أكن أتوقعه من احتقار سكان كرواتــيا لنا، انهم يكرهون المسلمين عموماً، ويحــــتقرون الكروات القادمـــين من البوسنة ايضاً« . تضيف ليلى: »لم اتحمل الوضع المزري للاجئين المسلمين في سبليت وأحسست ان الموت بكرامة في ترافنيك افضل من حياة الذل فيها . وبعد شهرين ونصف من الموت البطيء الذي ينظمه الكروات وصلتنا اخبار تقول ان ترافنيك دمرت، فبقيت الوالدة في سبليت وعدت الى ترافنيك، ورحت ابحث عن والدي في كل مكان، أسأل من بقي حيّاً هناك، أسأل من لم تقتله القذائف التي دمرت ربع المدينة تدميراً تاماً . البيوت، الجوامع، المدارس، الحدائق والجسور كلها اهداف مستهدفة من قبل الحاقدين . بعد البحث وجدت والدي . انه حيّ يقاتل الصرب ويدافع عن مدينتنا . تغيّرت الحياة في ترافنيك بسرعة، فالنوم اصبح في الملاجئ، الماء متوافر، لكن الغذاء لا تجده سوى في السوق السوداء . والخوف مسيطر تزيده قوة الصواريخ والقذائف التي لا ترحم . بين وقت وآخر نرى رجال الاعلام الاجانب، وهم يبحثون عن الأخبار في خضم المأساة، ومن بين اولئك حضر صحافي دنماركي بلغ سن الشيخوخة، وكان يغطي اخبار المهجرين، فبدأت أترجم له ما يروون من مآسٍ، وطلب مني ان ارافقه الى مواقع أخرى خارج مدينتنا، فأخبرت والدي بالأمر فوافق، ورافقت ذلك الرجل الى مدن فيتيز، زينيتسا وما بينهما من قرى تتعرض للعدوان ونقلنا صورة حيّة عن المأساة من مواقع الأحداث، واستمر ذلك العمل ثلاثة أسابيع سمعت خلالها قصص الاغتصاب والقتل والتدمير، ثم عدت الى ترافنيك وأنا اكثر حزناً« . تابعت ليلى حكايتها: »اتخذت القوات البريطانية العاملة ضمن اطار الأمم المتحدة مواقعها في مدينة فيتيز وشنت القوات الصربية عدوانها على مدينة بابتسا وشُرد المسلمون المدنيون، وكان مراسل اذاعة لندن (B.B.C) يغطي انباء المأساة، ويصور ما يراه من حال المهجرين الذين وصلوا الى قرية توربة .  حينذاك وجه الصرب نيرانهم نحو اللاجئين وقُتل المراسل البريطاني مع من قتل في ٠٢-٠١-٢٩٩١ . قتل المراسل وتناثرت اشلاؤه، وأدواته ولوازمه الصحافية، وكان الحادث على مقربة من موقع والدي، فقام الوالد بجمع أدوات القتيل، وأخـــذني معه حتى اقوم بالترجمة بينه وبين القوات البريطانية، ووصلنا الى مواقعهم، فسلمهم الوالد مـــا وجــده من أشياء تعود للمــراسل البريطـــاني، وروى لهم قصة مقتله، وقمت بالترجمة . حيذاك عرض عليّ قائد القوات البريطانية في فيتيز العمل كمترجمة ضمن اطار قوات الأمم المتحدة، ووافق الوالد . بدأت عملي في ٩٢-٠١-٢٩٩١ كمترجمة ضمن مجموعة مكونة من رجلين وخمس بنات، وكان مقرنا في البداية في قيادة القوات البريطانية العاملة ضمن اطار قوات الأمم المتحدة في فيتيز ولبسنا القبعة الزرقاء (البيرة، واللباس العسكري المموّه، وبدأنا التنقل مع قـــوات الأمم المتحدة في مهماتها . كانوا ينفذون الأوامر العليا التي تملى عليهم من قياداتهم خارج البوسنة - الهرسك، ولا يستطيعون اغاثة المسلمين الذين يتعرضون للتصـــفية الجسدية . وكنت اشعر ما يعانيه العسكر من الاحباط فبعضهم يودون انقاذ الضحايا لكن الاوامر تحول دون القيام بعمل انساني . دخلت مع قـــــوات الأمم المتحدة الى المدن و القرى، وشــــاهدت اشلاء الأطفال . قتلوهم وأخلوا القرى من السكـــــان . قامت القوات الصربية بأعمال وحشية لم يقم بمثــــــلها النازيون، والدليـــــــل ما حصدوه من أرواح الابــرياء في سبيل صربيا الكبرى . أبادوا سكـان القرى، ولم ينج الا من استطاع الفرار . شاهدت الجثث في البيوت المـــهدومة، وفي الــطرقات، والممرات الجبلية، فأهــــــداف الصرب لا تقف عند التهجير بل تهدف الى الغاء الاهالي من الخريطة ضمن اطار خطة التطهير الـعرقي والديني ايضاً« . تضيف ليلى: »كان الكروات والمسلمون في خندق واحد في البداية ضد العدوان الصربي، وخُدع المسلمون . كشفت كرواتيا عن وجهها عندما تحركت قوات الدفاع الكرواتية (H.V.O) وحاولت السيطرة على المدن الاسلامية، لا سيما مدينة ترافنيك لما لها من أهمية تاريخية، فمثلما سيطر الصرب على مدينة بانيالوقة لكن الواقع مختلف جداً . استغل الصرب والكروات نتائج احصاء السكان الذي جرى سنة ١٩٩١، ففي ذلك الاحصاء تم تقسيم الناس الى فئات عديدة إذ نرى في البوسنة مثلاً: صرب، كروات، مسلمون، يوغوسلاف، ارناؤوط، آخرون . من هم اليوغوسلاف والارناؤوط والآخرون؟ انهم المسلمون . والدليل على ذلك ما حصل في اسرتنا، فعندما جاء الموظف المكلف بالاحصاء، سأل والدتي عن دينها، فأجابت: مسلمة، وسألها عن لغتها، فأجابت بوسنية، وسألها عن قوميتها، فأجابت: بوشناقية . اما ابي الذي لم يفرق ذات يوم بين المسملين وغيرهم، أفاد ان لغته (صربو - كروات، وقوميته يوغوسلافية . وعندما سألني الموظف، فأجبت مثلما اجاب والدي، وانزعجت الوالدة، وهذه الحالة المشوهة من الاحصاء هي التي عممت على وسائل الاعلام، واعتمدت من قبل المنظمات العالمية ووكالات الانباء ووسائل الاعلام . وظهرت نسبة  المسلمين متدنية في عموم (يوغوسلافيا السابقة، والسبب في ذلك الخوف من السلطة من جهة، والانخداع بالتضليل الشيوعي اللاقومي واللاديني خلال فترة زمنية طويلة« . وتقول: »فوجئ والدي بنوايا الصرب، وأصابه الاحباط وظن ان الكروات من طينة أخرى، فقاتل الى جانبهم ضد الصرب . كان يظن ان قوات جيش الدفاع الكرواتي (H.V.O) لا تقل وطنية عن جيش الدفاع البوسني، وظل على تلك القناعة حتى جاء شهر ايار (مايو، سنة ٣٩٩١، فتغيرت أفكار الوالد واتضح له ان الكروات كالصرب، والتحق بجيش الدفاع البوسني وبدأ القتال ضد القوات الكرواتية . جاء القادة الكروات الى ترافنيك، وعلى رأسهم ماتي بوبان، وداريو كورديتس وطلبوا من أنصارهم رفع الاعلام الكرواتية فوق معالم ترافنيك في خطوة أولى على طريق جعل المدينة عاصمة لكروات البوسنة . رفض المسلمون رفع الاعلام الكرواتية وتقدم أحد المسلمين وأنزل علماً كرواتياً وحرقه، فأطلق الكروات النار عليه فأردوه، وانطلقت شرارة الحرب الاسلامية - الكرواتية، وانهمرت قذائف المدفعية الكرواتية على ترافنيك، وانهمرت معها الصواريخ الصربية، وأصبحت المدينة بين نارين . حاول الكروات والصرب فصل القوات الاسلامية عن بعضها، وشنوا الهجمات المتتالية على خط الدفاع الاسلامي في قرية توربة من اجل السيطرة على ترافينك وتشريد اهلها البالغ عددهم ٠٧ ألفاً ومعهم مثل هذا العدد من اللاجئين المسلمين ودارت حرب داخلية في المدينة بين المسلمين الذين يشكلون ٠٩ في المئة من سكانها، والكروات الذين يشكلون ٨ في المئة، والصرب ٢ في المئة، وانتصر المسلمون، وساعدهم عدد قليل من الصرب والكروات الذين التحقوا بجيش البوسنة . ونزح دعاة (كرواتيا الكبرى، من ترافنيك الى قرية يان كوفيتشي القريبة من سفح جبل فلاشيتش وشكلوا منطقة فاصلة بين الصرب في الجبل، المسلمين في ترافنيك . ازدادت حدة المعارك . المسلمون يدافعون عن مواقعهم، والصرب والكروات يهاجمون ويحاولون قطع الطرقات الاستراتيجية المؤدية الى مدينة بانيالوقة، ومدينة الوقف الكبير التي تسمى حالياً دوني فاكوف ومدينة يايتسة . حينذاك كنت مع قوات الأمم المتحدة (البريطانية، وكان للقوات الدولية ٣ مراكز اتصال في ترافنيك، وفيتيز، وبوسوفاتشا، وكانت لهم مراكز ارتباط عديدة في كيسلياك، وزينيتسا ودوربات وتوزلا وماغلاي وجبنتشا وزافيدوفيتش وتاشن ونوفي شهر ودوني فاكوف الوقف الكبير وكورني فاكوف . كانت قوات الأمم المتتحدة على علم بما يدور بين القوى المتصارعة في البوسنة - الهرسك، وكنت ارافقهم اثناء تنقلهم من موقع الى آخر حيث الجيوش والميليشيات والأحزاب وآلاف المهاجرين والمهجرين . وواجهت قوات الأمم المتحدة معضلة كبرى فلو سقطت ترفنيك لواجهت الأمم المتحدة مأساة ٠٤١ ألف مـــــسلم من المقيمين واللاجئين، وهم يعلمون عجزهم عن حماية المدنيين من العدوان والمجازر . لذلك كانوا يرفعون التقارير التي تلقي الضوء على هول المأساة المرتقبة اذا ما سقطت المدينة . وحاولت الأمم المتحدة التوسط للتوصل الى اتفاقيات وقف اطــــلاق النار مرات عدة . لم تتصد قوات الأمم المتحدة للمعتدين واكتفت بكتابة التقارير، وتقديم الحد الادني من المساعدات الانسانية، كالطعام واللباس ومواد التدفئة« . وتروي ليلى حكايتها »دخلت مع قوات الأمم المتحدة في يوم ماطر الى قرية احمدجي (اهمتشي، ووجدناها خاوية من سكانها، لا صوت ولا حركة . تحولت الى قبر كبير، جثث الأطفال في كل منزل، مزقوا اجسادهم، وعندما شاهدتها بكيت، ولن انسى ذاك المشهد . وبين البيوت المدمرة المملوءة بجثث الضحايا . ولم يسلم المسجد من القصف اذ بترت مئذنته، وبقي قسم منها . انهمرت دموعي وسألت نفسي:ماذا جنى هؤلاء؟ لماذا الحقد والكراهية؟ ما هو الخطأ الذي ارتكبه المسلمون حتى جازاهم الصرب والكروات بهذا الجزاء؟ دمروا اكثر من خمسين منزلاً حول الجامع فوق ساكنيها . بعد التدمير طوقوا القرية واقتحموها، ونفذوا مجرزة جماعية .  ذهبت مراراً مع قوات الأمم المتحدة الى القرى الاسلامية التي تعرضت للعدوان . عندما دخلنا قرية كوزاراتس وجدنا في منزل واحد ٠٣ ضحية من الرجال والنساء والأطفال . طوقوا القرية، وبعد ثلاثة أيام اقتحموها، فتقلوا الرجال، واغتصبوا النساء، وأطــلقوا عدداً منهن مع بعض الأطــفال، ووجّوهم نحو ترافنيك كي يثيروا الرعب في نفوس المسلمين . لم يكن أهالي كوزاراتس أسوأ حظاً من أهالي قرى كوتورفاروتش، وبوبوراتس وكراولة وبريدور المحيطة بمدينة ترافنـــــيك . فبعدما اقتحمها المجرمون ذبحوا سكانها، واغتصبوا نســـاءها، ونهبوا ارزاقها، وأحضروا »البلدروزرات« ومهـــــدوا كل شيء، لم يتركوا اي اثر اسلامي، لا جامع ولا مــــدرسة . بعد التدمير اطلقوا على القرى اســـماء صربية بدلاً من البوسنية . ومثل ذلك فعلوا بالقرى التي سيطروا عليها حول بانيالوقا، وحول ساراييفو، وحول جبتشا« . تضيف ليلى: »ربما سأل سائل: وهل الكروات كالصرب؟ الجواب: نعم . والدليل وقائع الاحداث . دخلت مع قوات الأمم المتحدة الى القرى التى احتلها جيش الدفاع الكرواتي المدعوم من جيش كرواتيا في زغرب، وشاهدنا آثار المجازر الجماعية . احتلوا قرية بيلالوفاتس وبوسافاتشا وروفنو ودوني وقف وغوربي وقف وغربافيتسا ونوقابيلا وستاري فيتيز . . هدموا الجوامع كلها، ودمروا المنازل، وقتلوا من وقع بأيديهم من الابرياء، وأخذوا بعض المسلمين رهائن، واستخدموهم كدروع بشرية لمواقعهم، وشغلوهم بانشاء التحصينات الدفاعية في مواقع الخطر . طوقوا حوالى ٠٠٢١ مسلم في فيتيز، وضيقوا حولهم الحصار في محيط الجامع ثم قاموا بتدمير البيوت على ساكنيها فقتلوا العشرات وجرحوا المئات . بعد أيام حضرت مع قوات الأمم المتحدة لتفقد أحوال المظلومين، وجدنا الجثث في كل مكان، والجرحى في حال يرثى لها . كانت الجثث مشوهة، ووضعوا حوالى مئة جثة في اكياس بلاستيكية منفوخة . لم استطع النظر اليها اذ بقيت متناثرة بين الانقاض كشاهد على ما وصل اليه الحاقدون . كثيراً ما سمعت عناصر القوات الخاصة الكرواتية يرددون لا حياة للمسلمين بعد الحرب . نحن مذنبون برأيهم لأننا مسملون . شاهدت المأساة في ماغلاي التي يعيش اهلها حال رعب منذ سنتين اذ لا تبعد عنهم مواقع الصرب سوى ٠٠٦ متر والقصف مستمر، والشعب يعيش بلا كهرباء وليس لديه الا اقل القليل من الماء والغذاء . . وأحوال القوات الاسلامية هناك يرثى لها، فهي ليست قوية كقوات زينيتسا وترافنيك وتوزلا . وليست مأساة بروزور أخف من غيرها، فقد دمرها العدو ولم يترك بها منزلاً، وقتل من قتل من اهلها، والذين نجوا من الموت هاجروا الى غورني وقف . ذهبت الى بروزور مع قوات الأمم المتحدة، فوجدناها مدمرة ليس فيها اي انسان حيّ، دخلنا بعض البيوت التي ما زالت قائمة فوجدنا اغطية الأسرة والفرش ملطخة بالدماء . لم نجد الجثث اخذوها الى المقابر الجماعية . وهاجر الناجون من أهل بروزور الى غورني وقف فلاحقتهم قذائف الكــروات . وهنـــاك كانت تعيش صــــــديقتي بالمــــا فعملت معي مترجمة وأخبرتني ما عانته هناك من مخاطر . عندما ذهبنا الى قرية غربانيتسه، قرب فيتيز، اثر سقوطها بيد القوات الخاصة الكرواتية، وجدناها مدمرة، اما اهلها فقتل منهم من قتل وسجن من سجن ولم يسملوا قوات الأمم المتحدة سوى ٠٣ شخصاً، واحتفظوا بالسجناء في مبـــنى المدرسة الابتدائية في فيتيز، ولا احد يعلم حقيقة أحوالهم« . وتنـــهي ليلى قصتها: »المآسي لا تحصى . بعد اليأس غادرت البوسنة عن طريق القوات البريطانية، وحصلت على اللجوء، وأعيش الآن في لندن في مسكن مشترك مع فتاة صربية وأخرى كرواتية، اما اهلنا فكل واحد منهم يقاتل مع أبناء ملته، وأرجو ان التحق بالجامعة لدراسة اللغة العربية حتى أساهم في بناء بلدي بعد انتهاء العدوان« .   8949 (الحياة، . . . . . . . . . . .عام (العنوان:ليلى شاهينوفيتش تروي قصتها لـ »الحياة«  . انطباعات شاهد عيان


thumb qr1 
 
thumb qr2
 

إحصاءات

عدد الزيارات
15546367
مواقع التواصل الاجتماعية
FacebookTwitterLinkedinRSS Feed

صور متنوعة