المكتبة الصوتية للاستماع. علوم ومعارف -63-68 : Science and knowledge, By Dr. Mahmoud EL-Saied EL- Doghim, إعداد وتقديم وإخراج : د. محمود السيد الدغيم. يتضمن هذا البرنامج ست حلقات، وفيها: أنواع الخط، وتطور الخط، والخطاط الوزير ابن مقلة، والخطاط ابن البواب، والخطاط ياقوت المستعصمي



أعدَّ هذا البرنامج الإذاعي اليومي الصباحي وقدّمه: د. محمود السيد الدغيم حينما كان يعمل في محطة ام بي سي اف ام، وكان بثُّ هذا البرنامج بعد صلاة الصبح مباشرة بتوقيت مكة المكرمة، والهدف منه الفصل بين الأذان، وبقية البرامج، وقدَّمَ من هذا البرنامج أكثر من مئتي حلقة بمعدل حلقة واحدة يومياً
وكان تاريخ بث هذه الحلقات  المباشر ابتداء من يوم الخميس 23/11/2000 حتى يوم الثلاثاء 28/11/ سنة 2000م
نأمل لكم وقتاً ممتعاً

وجعلنا من الماء كل شيء حيّ

*******

قال الإمام علي رضي الله عنه
الخط الحسن يزيد الحق وضوحا

وقيل :  الخط مخفي في تعليم الأستاذ وقوامه في كثرة المشق
وقيل أيضا: الخط هندسة روحانية ظهرت بآلة جسمانية
وقيل أيضا : الخط للأمير كمال وللغني جمال وللفقير مال
وقيل أيضا: الخط نزهة العيون وريحانة القلوب
قال الشاعر: فما الخـط إلا زيــنة المتأدب     تعلم قوام الخـط يا ذا التأدب
وإن كنت محتاجا فأفضل مكسب          فإن كنت ذا مال فخطك زينة
قال الشاعر: الخـط يبـقى زمانا بـعد كاتبه    وكاتب الخط تحت الأرض مدفون
 ****

الخط العربي من خلال المصاحف والمخطوطات القرآنية
تمهيد
لقد أشرقت الأرض برسالة من السماء، حملها خاتم المرسلين محمد صلى الله عليه و سلم  ،  قرآناً عربياً محفوظاً بأمر ربّ العالمين : {إنّا نحن نزلنا الذكر وإنّا له لحافظون} ومثله معه، حكمة إلهية تمثلت في السنة النبوية المطهّرة {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً} وكان ذلك بعد عهود خيّم فيها الظلام على علاقة الإنسان بربه، فانحرف سلوك العباد عمّا يرضي خالقهم، لأنهم ضيّعوا أصول الرسالات التي قام على تبليغها وإرسائها أنبياء ورسل سابقون.
وما من أمّة قدّر الله لها أن تبلغ درجة من المدنية إلاّ وتعلم أهمية الكتابة في مختلف مجالات الحياة، فالقلم أداة أساس لتسجيل التاريخ والأحداث، والأحرف لا غنى عنها لتوثيق الشرائع والآداب والعلوم، والمداد نهر عظيم ينقل مظاهر الحضارة من موقع إلى آخر ومن جيل إلى جيل {قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً}.
لم يكن لمكة ولا للمدينة قبل البعثة المحمدية غير نصيب محدود من المدنية، ولكن الإسلام جعل من أرض الحجاز سراجاً وهّاجاً استضاءت منه مشارق الأرض ومغاربها منذ اكتمال الوحي وتمام كتاب الله العزيز الذي {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد}.
لقد حرص المسلمون على توثيق آيات القرآن أولاً بأوّل منذ نزولها، فقد كان أربعة رجال يسجلون القرآن كتابة عن بلاغ خاتم الأنبياء والمرسلين، فما تركوا شيئاً من كتاب الله إلا وخطّوه بأيديهم الكريمة. عن أنس، رضي الله عنه : >جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه و سلم    أربعة، كلهم من الأنصار : أُبيُّ -بن كعب- ومعاذ بن جبل، وأبو زيد، وزيد بن ثابت< أضف إلى هؤلاء من كتب القرآن كاملاً بعدما حفظه شفاهةً. هكذا كان الناس يحفظون القرآن وكان القلم يخط أحرفه بمداد من نور، ثم صار كتاب الله فيما بعد أساساً لتعليم العربية قراءة وكتابة.
وفي الوقت الذي كانت الكتابة عند الرومان والفرس -الذين كانوا على حظ كبير من الحضارة  والمدنية- حكراً على علية القوم، كان رسول الله صلى الله عليه و سلم    وأصحابه من بعده حريصين كلّ الحرص على نشر تعلُّمها في مختلف طبقات المجتمع، تقديراً منهم لشرف القلم، وتعظيماً لآيات الله التي أوحيت ناطقة بـ {اقرأ باسم ربك الذي خلق . خلق الإنسان من علق. إقرأ وربك الأكرم الذي علّم بالقلم. علّم الإنسان ما لم يعلم}، ومنذ ذلك الحين صار المجتمع المسلم منبعاً للعلوم فأشرقت حضارة الإسلام على العالم، ولا أحد يستطيع أن ينكر فضل علوم المسلمين على المدنية الغربية.
قدّر الله سبحانه وتعالى حفظ القرآن، وسبّب لذلك الأسباب، وكان من بين تلك الأسباب الأقلام التي خطت الحرف العربي، وسهرت على تدوين القرآن الكريم في المصاحف. ثم انتقل الخط العربي من مجرد أداة للتوثيق والتسجيل إلى فنّ قائم بذاته، يقوم على أصول منضبطة ويجذب إعجاب الناس من مختلف الأنحاء والملل. ولم يحظ خط في تاريخ البشرية من العناية والرفعة مثل ما حظيَ به الخطّ القرآني.
من أجل ذلك نقدّم هذا العرض الموجز حول فن الخط العربي وتطوره من خلال المصاحف والمخطوطات القرآنية.

نبذة عن تاريخ الكتابة العربية :
تُرْجِعُ بعض المصادر الإسلامية أصل الكتابة العربية إلى نبيّ الله إسماعيل بن إبراهيم، عليهما الصلاة والسلام، ومن المصادر ما يُرجع أصلها إلى الأنبار:
ذكر ابن خلّكان أول من كتب بالعربية، فقال : إسماعيل، عليه السلام. وقيل أول من كتب بالعربية من قريش "حرب بن أمية بن عبد شمس"، أخذها من بلاد الحيرة عن رجل يُقال له  "أسلم بن سدرة"، وسأله : ممن اقتبسها، فقال : من واضعها، رجل يُقال له "مرامر بن مروة" وهو رجل من أهل الأنبار، فأصل الكتابة في العرب من الأنبار. وقال الهيثم بن عديّ : وكان لحِمْيَر كتابة يسمّونها المسند، وهي حروف متصلة غير منفصلة، وكانوا يمنعون العامة من تعلّمها. وجميع كتابات الناس تنتهي إلى اثنيْ عشر صنفاً، وهي : العربية -الحميرية-اليونانية-الفارسية-الرومانية-العبرانية-الرومية-القبطية-البربرية-الهندية-الأندلسية-الصينية. وقد اندثر كثير منها، وقلّ من يعرف شيئاً منها .
ومن الآراء ما ذهب إلى أنّ الخطّ العربي نشأ عن الكتابة الحميرية "المسند"، ومنها ما ذهب إلى أنّ الخط العربي تولَّد من الكتابة السريانية.
ولكنّ الدراسات العلمية الحديثة القائمة على مقارنة الأبجديات السامية الجنوبية بغيرها من الأبجديات الآرامية، بالاستناد إلى الكتابات التي اكتشفت حتى الآن، ترجّح أنّ الخط العربي مشتقّ من الخط النبطي، نسبة إلى الأنباط، الذين سكنوا  المنطقة الأثرية المعروفة اليوم باسم البتراء Petra في الأردن، منذ القرن الثاني قبل الميلاد .
ولا يذكر فنّ الخط العربي إلاّ ويذكر معه أعلام الخطاطين الأوائل مثل الضحاك ابن عجلان، وإسحاق بن حماد، ومحمد بن مقلة، والحسن بن مقلة، وابن البواب البغدادي الذي قال فيه ابن كثير : >صاحب الخط المنسوب علي بن هلال أبو الحسن ابن البواب، صاحب أبي الحسين بن سمعون الواعظ، وقد أثنى على ابن البواب غير واحد في دينه وأمانته. وأما خطه وطريقته فيه، فأشهر من أن ننبه عليها، وخطه أوضح تعريباً من خط أبي عليّ بن مقلة، ولم يكن بعد ابن مقلة أكتب منه، وعلى طريقته الناس اليوم في سائر الأقاليم، إلا القليل. قال ابن الجوزي : توفي يوم السبت ثاني جمادى الآخرة 413 هـ<.
وقال القنوجي، في أبجد العلوم : >علي بن هلال بن البواب البغدادي هو الذي لم يوجد في المتقدّمين ولا في المتأخرين من كتب مثله ولا قاربه، وإن كان أبو علي ابن مقلة أول من نقل هذه الطريقة من خط الكوفيين وأبرزها في هذه الصورة، ولكن ابن البواب هذب طريقته ونقحها وكساها بالحلاوة، وكان شيخه في الكتابة ابن أسد الكاتب البزار البغدادي<.
يتبيّن مما تقدّم أنّ الاهتمام بالخط العربي والتفنن فيه قد تولّد عن تعلق المسلمين بالقرآن الكريم، ويذكر في هذا المقام مالك ابن دينار (ت.131هـ) الذي كان من كبار الزاهدين وكان يتعيّش من كتابة المصاحف ولم تكن له حرفة أخرى يعيش بها.

أنواع الخط العربي :
ولا يتسع المقام هنا لعرض متكامل حول الخط العربي ومشاهير الخطاطين، ولكن نودّ أن نذكر بيان أبي حيان التوحيدي لأنواع الخط الكوفي، فقد ذكر اثني عشر نوعاً، هي : الإسماعيلي والمدني والمكي والأندلسي والشامي والعراقي والعباسي والبغدادي والمشعب والريحاني والمحرر والمصري. والخطوط التي كتبت بها المصاحف عديدة، نذكر من أشهرها على سبيل المثال : الكوفي والثلث والنسخ والمغربي والأندلسي أو القرطبي والفارسي "التعليق" والديواني ...

الخط العربي في القرن الأول الهجري
. خط المصاحف القرآنية :
كانت المصاحف تكتب قديماً بالخط الكوفي، وسمي بذلك نسبة إلى اشتهار أهل الكوفة والعراق عامة بجمال الخطّ، وعنهم التزم كتاب المصاحف الأولى خطوط العربية بخصائص هذا الخطل. وكانت كتابة المصاحف في العهود الأولى خالية من التنقيط والإعجام.
الصفحة اليسرى مكبرة
. المرحلة الأولى من الإعجام 
كانت في القرن الأول الهجري وهي تشمل قواعد التنقيط للإعراب التي وضعها أبو الأسود الدؤلي. وكان الخطاطون يضعون هذه النقاط بلون يخالف لون كتابة الأحرف.                                                           

الخط العربي في القرن الثاني الهجري
. المرحلة الثانية للإعجام :
لا تختلف المرحلة الثانية للإعجام عن المرحلة الأولى سوى في أمور يسيرة، تتعلق بإضافة بعض علامات لضبط النطق إلى جانب التنقيط. كما أنّ في هذه المرحلة لم يتقيّد الخطاطون بضرورة اختلاف لون التنقيط عن لون الأحرف.
ومما يميّز هذه المرحلة أيضاً، رسم قواطع من رسوم مزخرفة للفصل بين الآيات، وكانت غالباً ما تتخذ شكل وردة.

فنّ الخطوط القرآنية منذ القرن الثالث الهجري
نلاحظ على تطور الخط العربي من خلال كتابة المصاحف القرآنية، أنّ الخطاطين اعتادوا التزام التشكيل الكامل فوق الأحرف، وزخرفة القواطع بين الآيات، وكانوا يتبارون في تجميل الكتب بشكل أصبحت معه المصاحف والمخطوطات القرآنية لا تقف عند عرض سور كتاب الله وآياته، وإنما تقدم مع هذا فن الخط العربي الذي انطلق منذ ذلك الحين في رقيّ مستمرّ إلى عصرنا الحاضر.
كما تطوّر الخطّ النسخي الذي صار من ألمع أعلامه الخطاط البغدادي علي بن هلال الشهير بابن البواب (القرن الرابع الهجري) وياقوت المستعصمي (القرن السابع الهجري) ثم اشتهر كثيرون من بعدهم.

طباعة المصاحف
ظهر أوّل مصحف مطبوع بالطباعة الحديثة في منتصف القرن السادس عشر  الميلادي في مدينة فينيسيا في إيطاليا وعرف بمصحف "Paganino de Paginateس ثم طبع مصحف آخر في القرن السابع عشر بمدينة فينيسيا أيضاً وعرف بمصحف  "Paduaس وكذلك في نفس القرن طبع في ألمانيا مصحف عرف بمصحف "Henkelman" نسبة إلى المطبعة التي طبعته. ثم كثرت المطابع التي تهتم بطباعة القرآن الكريم في الغرب في القرن الثامن عشر. وقد اعتنت البلاد الإسلامية منذ القرن التاسع عشر بطباعة المصحف الشريف.
لقد كانت طباعة المصاحف في البداية تشتمل على أخطاء ترجع إلى خصوصيات الأحرف الطباعية، وقد بذلت المطابع في الشرق والغرب جهداً محموداً لتلافي أيّ خطأ طباعي يقع في المصاحف، لأنّ ذلك كان يؤدي إلى خسائر كبيرة بسبب إعراض الناس عن شراء المصاحف المحتوية على أخطاء.
وفي عصرنا الحاضر يمكن الحصول على المصاحف المطبوعة والمدققة من أيّ مكان في العالم، فقد أصبحت المطابع تستعمل تقنيات معاصرة لمراجعة النصوص تحت إشراف المتخصصين.
ولا تلغي المطابع الحديثة دور الخطاطين، إذ أنّ الطباعة تعتمد على نقل صورة الأحرف المرسومة باليد، ولكن ظهور الحاسوب أدى إلى حصر أنواع الخطوط الطباعية في عدد محدود يتناسب مع مجهودات المبرمجين في التغلب على الصعوبات الخاصة ببرمجة أشكال الخطوط وعلامات الإعجام، تلك المجهودات التي تحقق نجاحاً يوما بعد يوم، وسوف تصل في عهد قريب إلى استيعاب كافة أشكال الخط العربي وخصائصه الجمالية والإبداعية. وقد أُعدّت برامج حديثة للحاسوب تحتفظ للخط العربي بخاصية رسم كتابة المصحف العثماني، وحقق ذلك تقدماً كبيراً في مجال النشر الحديث للمصاحف.
ولا نذكر طباعة المصاحف إلا ويذكر معها أعظم موسسة قائمة على هذا العمل الجليل مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة، الذي أتاح لكل فرد في أيّ مكان كان إمكانية الحصول على مصحف يحفظ بين دفتيه كتاب الله العزيز بغير مشقة وبالمجان إن أراد.
وفيما يتعلق بفنّ الخطوط العربية نذكر قدرة الحاسوب على الطباعة التصويرية التي يحتفظ فيها المخطوط اليدوي بكافة خصائصه وألوانه وزخارفه، فينقله الحاسوب إلى عملية الطباعة الملونة ليخرج بآلاف النسخ. وبذلك يمكن إخراج مصاحف ورقية وأسطوانات حاسوب وأفلام دقيقة، وموسوعات تشمل ضروب الخط العربي وخصائصه الجمالية والإبداعية وتطوره التاريخي منذ نشأته حتى عصرنا الحاضر.
{ولو أنَّمَا في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إنّ الله عزيز حكيم}

*********

إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب: معجم الأدباء  ياقوت الحموي  الصفحة : 367 
الحسن بن علي بن مقلة
  بن الحسن بن عبد الله بن مقلة أبو عبد الله، ومقلة اسم أمٍ لهم كان أبوها يرقصها. فيقول يا مقلة أبيها فغلب عليها، وأبو عبد الله هو أخو الوزير أبي عليٍ محمد بن عليٍ، وهو المعروف بجودة الخط الذي يضرب به المثل. كان الوزير أوحد الدنيا في كتبه فلم الرقاع والتوقيعات، لا ينازعه في ذلك منازع، ولا يسمو إلى مساماته ذو فضلٍ بارعٍ، وكان أبو عبد الله هذا أكتب من أخيه في قلم الدفاتر والنسخ، مسلماً له فضلته غير مفاضلٍ في كتبته. ومولد أبي عبد الله في سلخ رمضان سنة ثمان وسبعين ومائتين، ومات في شهر ربيعٍ الآخر سنة ثمانٍ وثلاثين وثلاثمائةٍ. ومات أبوه أبو العباس علي بن الحسن في ذي الحجة سنة تسعٍ وثلاثمائةٍ. وله يوم مات سبع وستون سنةً وأشهر. وصلى عليه ابنه أبو عليٍ.
ولأخيه أبي علي ترجمة في بابه مفردة، لما اشترطنا في ذكر أرباب الخطوط المنسوبة وكان أبوهما الملقب بمقلة أيضاً كاتباً مليح الخط. وقد كتب في زمانهما وبعدهما، جماعة من أهلهما وولدخما ولم يقاربوهما وإنما يندر الواحد منهم الحرف بعد الحرف، والكلمة بعد الكلمة، وإنما كان الكمال لأبي عليٍ وأبي عبد الله أخيه. فممن كتب من أولادهما: أبو محمدٍ عبد الله، وأبو الحسن ابنا أبي عليٍ، وأبو أحمد سليمان بن أبي الحسن، وأبو الحسين علي بن أبو عليٍ، وأبو الفرج العباس بن علي بن مقلة. ومات أبو الحسن علي بالفالج والسكتة، في سنة ستٍ وأربعين وثلاثمائةٍ، ومولده سنة خمسٍ وثلاثمائةٍ.
حدث ابن نصرٍ قال: وجدت بخط أبي عبد الله بن مقلة على ظهر جزءٍ، وغنتني ابنة الحفار: إلى سامع الأصوات من أبعد المسرى  شكوت الذي ألقاه من ألم الـذكـرى
فيا ليت شعـري والأمـانـي ضـلة  أيشعر بي من بت أرعى له الشعرى؟ 
قال ابن نصرٍ: فقلت كفى ابنة الحفار هذا الصوت أن يذكرها ويكتبها أبو عبد الله بن مقلة بخطه. وحدث أبو نصرٍ قال: حدثني أبو القاسم بن الرقي منج سيف الدولة قال: كنت في صحبة سيف الدولة في غداة المصيبة المعروفة، وكان سيف الدولة قد انكسر يومئذٍ كسرةً قبيحةً، ونجا بحشاشته بعد أن قتلت عساكره قال: فسمعت سيف الدولة يقول وقد عاد إلى حلب: هلك مني من عرض ما كان في صحبتي خمسة آلاف ورقةٍ بخط أبي علي بن مقلة. قال: فاستعظمت ذلك وسألت بعض شيوخ خدمه الخاصة عن ذلك. فقال لي: كان أبو عبد الله منقطعاً إلى بني حمدان سنين كثيرةً يقومون بأمره أحسن القيام، وكان ينزل في دارٍ قوراء حسنةٍ، وفيها فرش تشاكلها ومجلس دست، وله شيء للنسخ وحوض فيه محابر وأقلام، فيقوم ويتمشى في الدار إذا ضاق صدره، ثم يعود فيجلس في بعض تلك المجالس وينسخ ما يخف عليه، ثم ينهض ويطوف على جوانب البستان، ثم يجلس في مجلسٍ آخر وينسخ أوراقاً أخر على هذا، فاجتمع في خزائنهم من خطه ما لا يحصى.
وجدت بعض أهل الفضل عن بعضهم قال: حضرت مجلس أبي عليٍ محمد بن علي بن مقلة في أيام وزارته وقد عرضت عليه رقاع، وتوقيعات وتسبيبات قد رد عليها بخطه أخوه أبو عبد الله، ثم رفعت إلى أبي عليٍ فكان ينظر فيها ويمضيها وقد عرف صورتها. وكان أبو عبد الله حاضراً، فلما فرغ منها التفت إليه فقال: يا أبا عبد الله قد خففت عنا حتى أثقلت، وخشينا أن نثقل عليك، فأرح نفسك من هذا التعب. فضحك أبو عبد الله وقال: السمع والطاعة.
وقال ثابت بن سنانٍ: لما ولي أبو علي بن مقلة الوزارة للمقتدر في سنة ست عشرة وثلاثمائة، قلد أخاه أبا عبد الله الحسن بن عليٍ ديوان الضياع الخاصة، وديوان الضياع المستحدثة، وديوان الدار الصغيرة. وصودر أبو عبد الله في أيام القاهر على خمسين ألف دينارٍ بعد أن حلف أنه لا يملك إلا بساتين وما ورثه من زوجته، وقيمة الجميع نحو مائة ألف درهمٍ.

إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب: معجم الأدباء  ياقوت الحموي  الصفحة : 668 
علي بن هلال الكاتب
المعروف بابن البواب أبو الحسن، صاحب الخط المليح والإذهاب الفائق. وجدت بخط ابن الشبيه العلوي الكاتب صاحب الخط الفائق في آخر ديوان أبي الطمحان القيني بخطه ما صورته: وكتب في صفر سنة عشرين وأربعمائة من خط أبي الحسن علي بن هلال الستري مولى معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب الأموي، وهذا قد كان بغير شك معاصره. بلغني أنه كان في أول أمره مزوقاً بصور الدور ثم صور الكتب ثم تعانى الكتابة ففاق فيها المتقدمين وأعجز المتأخرين، وكان يعظ بجامع المنصور، ولما ورد فخر الملك أبو غالب محمد بن خلف الوزير والياً على العراق من قبل بهاء الدولة أبي نصر بن عضد الدولة جعله من ندمائه، وفي الجملة إنه لم يكن في عصره ذاك النفاق الذي له بعد وفاته، وذاك أنني وجدت رقعة بخطه قد كتبها إلى بعض الأعيان يسأله فيها مساعدة صاحبه ابن منصور، وإنجاز وعد وعده به لا يساوي دينارين، وقد بسط القول في ذلك استطلتها فإنها كانت نحو السبعين سطراً فألغيت إثباتها، وقد بيعت بسبعة عشر ديناراً إمامية، وبلغني أنها مرة أخرى بخمسة وعشرين ديناراً. مات فيما ذكره هلال بن المحسن بن الصابئ في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، ودفن في جوار قبر أحمد بن حنبل وذلك في خلافة القادر بالله، ورثاه المرتضى بشعر أذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى.
   وحدث في كتاب المفاوضة قال: حدثني أبو الحسن علي بن هلال المعروف بابن البواب الكاتب قال: كنت أتصرف في خزانة الكتب لبهاء الدولة بن عضد الدولة بشيراز على اختياري وأراعيها له وأمرها مردود إلى، فرأيت يوماً في جملة أجزاء منبوذة جزءاً مجلداً بأسود قدر السكري ففتحته وإذا هو جزء من ثلاثين جزءاً من القرآن بخط أبي علي بن مقلة، فأعجبني وأفردته فلم أزل أظفر بجزء بعد جزء مختلط في جملة الكتب إلى أن اجتمع تسعة وعشرون جزءاً، وبقي جزء واحد استغرقت تفتيش الخزانة عليه مدة طويلة فلم أظفر به، فعلمت أن المصحف ناقص فأفردته ودخلت إلى بهاء الدولة وقلت: يا مولانا، ههنا رجل يسأل حاجة قريبة لا كلفة فيها، وهي مخاطبة أبي علي الموفق الوزير على معونته في منازعة بينه وبين خصم له، ومعه هدية ظريفة تصلح لمولانا. قال: أي شئ هي؟ قلت مصحف بخط أبي علي بن مقلة. فقال: هاته وأنا أتقدم بما يريد، فأحضرت الأجزاء فأخذ منها واحداً وقال: أذكر وكان في الخزانة ما يشبه هذا وقد ذهب عني، قلت: هذا مصحفك وقصصت عليه القصة في طلبتي له حتى جمعته إلا أنه ينقص جزءاً وقلت: هكذا يطرح مصحف بخط أبي علي؟ فقال: لي: فتممه لي. قلت: السمع والطاعة، ولكن على شريطة أنك إذا أبصرت الجزء الناقص منها ولا تعرفه أن تعطيني خلعة ومائة دينار. قال: أفعل. وأخذت المصحف من بين يديه وانصرفت إلى داري، ودخلت الخزانة أقلب الكاغد العتيق وما يشابه كاغد المصحف، وكان فيها من أنواع الكاغد السمرقندي والصيني والعتيق كل ظريف عجيب، فأخذت من الكاغد ما وافقني، وكتبت الجزء وذهبته وعتقت ذهبه، وقلعت جلداً من جزء من الأجزاء فجلدته به وجلدت الذي قلعت منه الجلد وعتقته، ونسي بهاء الدولة المصحف، ومضى على ذلك نحو السنة. فلما كان ذات يوم جرى ذكر أبي علي بن مقلة فقال لي: ما كتبت ذلك؟ قلت: بلى، قال: فأعطنيه: فأحضرت المصحف كاملاً فلم يزل يقلبه جزءاً جزءاً وهو لا يقف على الجزء الذي بخطي ثم قال لي: أيما هو الجزء الذي بخطك؟ قلت له: لا تعرفه فيصغر في عينك، هذا مصحف كامل بخط أبي علي بن مقلة ونكتم سرنا؟ قال: أفعل: وتركه في ربعة عند رأسه ولم يعده إلى الخزانة، وأقمت مطالباً بالخلعة والدنانير وهو يمطلني ويعدني، فلما كان يوماً قلت يا مولانا: في الخزانة بياض صيني وعتيق مقطوع وصحيح، فتعطيني المقطوع منه كله دون الصحيح بالخلعة والدنانير. قال مر وخذه فمضيت وأخذت جميع ما كان فيها من ذلك النوع فكتبت فيه سنين.
كان مزاحاً - وله في هذا الكتاب باب - وعلى بن هلال ووجدت في تاريخ أبي لبفرج بن الجوزي قال: اجتاز أبو الحسن البتي الكاتب و كان مزاحاً - وله في هذا الكتاب باب - وعي ابن هلال جالس على باب الوزير فخر الملك أبي غالب محمد بن خلف ينتظر الإذن. فقال له البتي: جلوس الأستاذ على العتب رعاية للنسب. فغضب ابن البواب وقال: لو أن إلي أمراً ما مكنتك من دخول هذه الدار. فقال البتي: لا يترك الأستاذ صنعة الوالد بحال. ولبعضهم يهجو ابن البواب: ماذا رأيتم من النساخ مـتـخـذاً  سبال لص على عثنون محتـال؟
هذا وأنت ابن بـواب وذو عـدم  فكيف لو كنت رب الدار والمال؟ 
وكان ابن البواب يقول شعراً ليناً. - ونقلته من خط الجويني أيضاَ قال: ونقلت من خطه أيضاً في ضمن رسالة - منه: ولو أني أهديت ما هو فـرض  للرئيس الأجل من أمثـالـي
لنظمت النجوم عقـداً إذا رص  صع غيري جواهراً بـلآلـي
ثم أهـديتـهـا إلـيه وأقـرر  ت بعجزي في القول والأفعال 
غير أني رأيت قدرك يعـلـو  عن نظير ومشبـه ومـثـال
فتفاءلت في الـهـدية بـالأق  لام علماً مني بصدق الـفـال
فاعتقدها مفاتح الشرق والغـر  ب صريعاً والسهل والأجبـال
فهي تستن إن جرين على القر  طاس بين الأرزاق والآجـال
فاختبرها موقعاً بـرسـوم ال  بر والمكرمات والإفـضـال
واحظ بالمهرجان وابل جديد الد  هر في نعمة بـغـير زوال
وابق للمجد صاعد الجد عـزاً  والرئيس الأجل نجم المعالـي
  في سرور وغبـطة تـدع ال  حاسد منها مقطع الأوصـال
عضدتها السعود واستوطن الإق  بال فيها وسالمتها الـلـيالـي
أيها الماجد الكـريم الـذي يب  دأ بالعارفات فبـل الـسـؤال
إن آلاءك الجـزيلة عـنـدي  شرعت لي طريقة في المقال
أمنتني لديك من هجـنة الـر  رد وفرط الإضجار والإملال
وحقوق العبيد فرض على الس  سادة في كل موسم للمعالـي
وحياة الثناء تبقى علـى الـده  ر إذا ما انقضت حياة المـال
وكان تحت هذا الشعر بخط الجويني ما صورته: هذا شعر ابن البواب، وهو عورة سترها ذلك الخط، ولولا أن الإجماع واقع في أن الرجل يفتن بشعره وولده، لكان صاحب تلك الفضيلة يرتفع عن هذه النقيصة. وكتب تلميذه حسن ابن علي الجويني: ولقد عجبت ممن يزري على ذلك الشعر وهو القائل، ونقلته من خطه فقال: كتبت إلى المولى القاضي الأجل شرف الدين السديد عبد الله بن علي - أمتع الله الدنيا وأهلها ببقائه - وقد أبللت من مرضة صعبة: عبد الإله الـسـديد حـقـاً  بغـير زور وغـير مـين
يا شـرف الـدين يا فـريداً  شرف بالفضـل دولـتـين
يا تاج فخري وكنز فقـري  ويا معيني ونـور عـينـي
قد كدت أقضي أسىً وأمضي  وكدت تبقى بـلا جـوينـي
وكتب حسن بن علي الجويني في ذي القعدة سنة ست وستين وخمسمائة بالديار المصرية - عمرها الله تعالى بدوام العز -: وقال المعري وضرب علي بن هلال مثلاً: طربت لضوء البارق المتعالـي  ببغداد وهناً ما لهن ومـالـي؟
فيا برق ليس الكرخ داري وإنما  رمى بي إليه الدهر منذ ليالي
فهل فيك من ماء المعرة نغـبة  تغيث بها ظمآن ليس نسالـي؟
ولاح هلال مثل نون أجـادهـا  بماء النضار الكاتب ابن هلال
ومنها: إذا لاخ إيماض سترت وجوهها  كأني عمرو والمطي سعا لي
هذا بيت مشكل التفسير بعيد المرمى، وذلك أن عمرو بن تميم بن مر بن أد بن طابخة ولد العنبر والهجيم ومازن، تقول العرب إن هؤلاء الأخوة الثلاثة أمهم السعلاة وهي الغولة، وإن عمرو بن تميم تزوجها فولدت له هؤلاء الثلاثة.
ويقولون: إن السعلاة إذا رأت البرق طلبته، وكان عمرو يحفظها من البرق إذا لاح فيغطي وجهها، فغفل عنها مرة فلاح البرق فطلبته وقالت: يا عمرو أوصيك بولدك خيراً، ومضت ولم تعد إليه، فهذا معنى بيت المعري، وقد ضربه بعض المتأخرين أيضاً مثلاً، فقال يمدح رجلاً يعرف بابن بدر بجودة الخط فقال: يا ابن بدر علوت في الخط قدراً  حينما قايسوك بـابـن هـلال
ذاك يحكي أباه في النقص لمـا  جئت تحكي أباك عند الكمـال
قرأت بخط سلامة بن عياض: رأيت بالري بخط علي بن هلال كتاب من نسب من الشعراء إلى أمه لأبي عبد الله بن الأعرابي، وهم خمسون شاعراً، وعلى ظهره: كتبه علي بن هلال في شهر ربيع الأول سنة تسعين وثلاثمائة، وبعد البسملة: يرويه ابن عرفة عن ثعلب عن ابن الأعرابي، وفي آخره بخطه: نقلته من نسخة وجدت عليها بخط شيخنا أبي الفتح عثمان بن جني النحوي - أيده الله -: بلغ عثمان بن جني نسخاً من أوله وعرضاً.
وكان لابن البواب يد باسطة في الكتابة أعني الإنشاء وفصاحة وبراعة، ومن ذلك رسالة أنشأها في الكتابة وكتبها إلى بعض الرؤساء ونقلتها من خط الحسن بن علي الجويني الكاتب أولها: 
قد افتتحت خدمة سيدنا الأستاذ الجليل - أطال الله بقاءه وأدام تمكينه وقدرته وتمهيده وكبت عدوه - بالمثال المقترن بهذه الرقعة افتتاحاً يصحبه العذر إلى جليل حضرته من ظهور التقصير فيه، والخلل البادي لمتأمليه، وقد كان من حقوق مجلسه الشريف أن يخدم بالغايات المرضية من كل صناعة، تأدياً لسؤدده وعلائه، وتصدياً للفوز بجميل رأيه، ولم يعد بي عن هذه القضية جهل بها، وقصور عن علمها، لكني هاجر لهذه الصناة منذ زمن طويل هجرة قد أورثت يدي حبسة ووقفة، حائلتين بينها وبين التصرف والافتتان والوفاء بشرط الإجادة والإحسان، ولا خفاء عليه - أدام الله تأييده - بفضل الحاجة ممن تعاطى هذه الصناعة إلى فرط التوفر عليها، والانصراف بجملة العناية إليها، والكلف الشديد بها، والولوع الدائم بمزاولتها، فإنها شديدة النفار، بطيئة الاستقرار، مطمعة الخداع، وشيكة النزاع، عزيزة الوفاء، سريعة الغدر والجفاء، نوار قيدها الأعمال، شموس قهرها الوصال، لا تسمح ببعضها إلا لمن آثرها بجملته، وأقيل عليها بكليته، ووقف على تألفها سائر زمنه، واعتاضها عن خله وسكنه، ولا يؤسيه حيادها، ولا يغره انقيادها، يقارعها بالشهوة والنشاط، ويوادعها عند الكلال والملال، حتى يبلغ منها الغاية القصية، ويدرك المنزلة العلية، وتنقاد الأنامل لتفتيح أزهارها، وجلاء أنوارها، وتظهر الحروف موصولة ومفصولة، ومعماة ومفتحة في أحسن صيغتها، وأبهج خلقتها، منخرطة المحاسن في سلك نظامها، متساوية الأجزاء في تجاورها والتيامها، لينة المعاطف والأرداف، متناسبة الأوساط والأطراف، ظاهرها وقور ساكن، ومفتشها بهج فاتن، كأنما كاتبها وقد أرسل يده وحث بها قلمه، رجع فيها فكره ورويته، ووقف على تهذيبها قدرته وهمته، القلب بها في حجر ناظره، والمعنى بها مظلوم بلفظه، وما ذهبت في هذه الخدمة مذهب المطرف المغرب بها، ولا المعول على شوافعها، لكن نهجت بها سبيلاً لأمثالها إقامة لرسم الخدمة المفروضة للسادة المنعمين على خدمهم وصنائعهم، فإن سعدت بنفاقها عليه وارتضائها لديه، سلمت من وصمة التضجيع والإهمال، وهجنة التقصير في شكر الإنعام والإفضال، ولسيدنا الجليل - أطال الله بقاءه - علو الرأي في الأمر بتسلم ما خدمت به، وتصريفه بين عالي أمره ونهيه إن شاء الله تعالى وحدث غرس النعمة محمد بن هلال بن المحسن بن إبراهيم بن هلال الصابئ في كتاب الهفوات قال: كان في الديوان كاتب يعرف بأبي نصر بن مسعود فلقي يوماً أبا الحسن علي ابن هلال البواب الكاتب ذا الخط المليح في بعض الممرات فسلم عليه وقبل يده. فقال له ابن البواب: الله الله يا سيدي ما أنا وهذا؟ فقال له: لو قبلت الأرض بين يديك لكان قليلاً. قال: لم؟ ولم ذاك يا سيدي؟ وما الذي أوجبه واقتضاه؟ قال: لأنك تفردت بأشياء ما في بغداد كلها من يشاركك فيها، منها الخط الحسن وأنه لم أر من عمري كاتباً من طرف عمامته إلى لحيته ذراعان ونصف غيرك. فضحك أبو الحسن منه وجزاه خيراً وقال له: أسألك أن تكتم هذه الفضيلة علي ولا تكرمني لأجلها. قال له: ولم تكتم فضائلك ومناقبك؟فقال له: أنا أسألك هذا فبعد جهد ما أمسك، وكانت لحية ابن البواب طويلة جداً.
قال المؤلف: وأما الشعر الذي رثاه به المرتضى فهو: رديت يا بن هلال والردى عرض  لم يحم منه على سخط له البشر
ما ضر فقدك؟ والأيام شـاهـدة  بأن فضلك فيه الأنجم الزهـر؟
أغنيت في الأرض والأقوام كلهم  من المحاسن ما لم يغنه المطـر
فللقلوب التي أبهجتـهـا حـزن  وللعيون التي أقررتهـا سـهـر
وما لـعـيش إذا ودعـتـه أرج  ولا الليل إذا فارقـتـه سـحـر
وما لنا بعد أن أضحت مطالعنـا  مسلوبة منك أوضاح ولا غـرر

 ياقُوت المُسْتَعْصِمي (00- 689 ه 00 - 1299 م)
ياقوت بن عبد الله المستعصمي الرومي، جمال الدين: كاتب، أديب، له شعر رقيق، اشتهر بحسن الخط. من موالى الخليفة المستعصم بالله العباسي. من أهل بغداد. أخذ عنه (الخط) كثيرون. وصنف كتباً، منها (أخبار وأشعار-ط) و(أسرار الحكماء -ط) و (فقر التقطت وجمعت عن أفلاطون -خ) و(رسالة في علم الخط) وأورد ابن الفوطي مختارات من شعره
فوات الوفيات  ابن شاكر الكتبي 
حرف الياء
ياقوت المستعصمي
ياقوت بن عبد الله، جمال الدين المستعصمي الكاتب؛ كان أديبا عالما فاضلا شاعرا، بلغ من الخط غاية ما بلغها ابن البواب. كان قد اشتراه الخليفة المستعصم صغيرا، وربي بدار الخلافة واعتنى بتعليمه الخط صفي الدين عبد المؤمن، ثم كتب على ابن حبيب، وكتب عليه أبناء الأكابر ببغداد، وحظي عند علاء الدين ابن الجويني صاحب الديوان، وكتب عليه أولاده وأولاد أخيه.
وكان ينظم شعرا رقيقا، فمنه قوله: يا خليلي والـمـنـى كـاذبة  والليالي شأنها أن تسـلـبـا
قم بنا مـا قـعـدت حـادثة  نقض من حق الصبا ما وجبا
نعص من لام على دين الهوى  هذه سـنة أيام الـصـبــا
ومنه أيضا: جاء بوجه مخجل شمس النهار المشرقه 
في أذنه لؤلؤة كأنها والحلقه 
قداحة في وردة بالياسمين ملحقه 
وقال: 
صدقتم في الوشاة وقد مضى  في حبكم زمنـي وفـي تـكـذيبـهـا
وزعمتـم أنـي مـلـلـت حـديثـكـم  من ذا يمل مـن الـحـياة وطـيبـهـا
وقال: رعى الله أياما تقضت بقربكم  قصارا وحياها الحيا وسقاها
فما قلت إيه بعدها لمسامـر  من الناس إلا قال قلبي آها
ومن شعر ياقوت: عجبت لدهري إذ جاد لـي  بخط يفـوق بـأجـزائه
وأعوزني فيه من نقـطة  تكون على الطاء من خائه 
ومن شعر ياقوت: وعدت أن تزور لـيلا فـألـوت  وأتت بالنهـار تـسـحـب ذيلا
قلت هلا صدقت في الوعد قالت  هل توهمت أن ترى الشمس ليلا 
وكانت وفاته في شهور سنة ثمان وتسعين وستمائة، رحمه الله تعالى .

وفيات الأعيان  ابن خلكان 
ياقوت الحموي
أو عبد الله ياقوت بن عبد الله، الرومي الجنس والمولد الحموي المولى البغدادي الدار، الملقب شهاب الدين، أسر من بلاده صغيراً، وابتاعه ببغداد رجل تاجر يعرف بعسكر بن أبي نصر إبراهيم الحموي، وجعله في الكتاب، لينتفع به في ضبط تجائره، وكان مولاه عسكر لا يحسن الخط ولا يعلم شيئاً سوى التجارة، وكان ساكناً ببغداد، وتزوج بها وأولد عدة أولاد، ولما كبر ياقوت المذكور قرأ شيئاً من النحو واللغة، وشغله مولاه بالأسفار في متاجره فكان يتردد إلى كيش وعمان وتلك النواحي ويعود إلى الشام. ثم جرت بينه وبين مولاه نبوة أوجبت عتقه فأبعده عنه، وذلك في سنة ست وتسعين وخمسمائة، فاشتغل بالنسخ بالأجرة، وحصلت له بالمطالعة فوائد، ثم إن مولاه بعد مديدة ألوى وأعطاه شيئاً وسفره إلى كيش، ولما عاد كان مولاه قد مات، فحصل شيئاً مما كان في يده وأعطى أولاد مولاه وزوجته ما أرضاهم به، وبقيت بيده بقية جعلها رأس ماله، وسافر بها وجعل بعض تجارته كتباً.
وكان متعصباً على علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وكان قد طالع شيئاً من كتب الخوارج، فاشتبك في ذهنه منه طرف قوي، وتوجه إلى دمشق في سنة ثلاث عشرة وستمائة وقعد في بعض أسواقها، وناظر بعض من يتعصب لعلي رضي الله عنه، وجرى بينهما كلام أدى إلى ذكره علياً، رضي الله عنه، بما لا يسوغ، فثار الناس عليه ثورة كادوا يقتلونه، فسلم منهم، وخرج من دمشق منهزماً بعد أن بلغت القضية إلى والي البلد، فطلبه فلم يقدر عليه، ووصل إلى حلب خائفاً يترقب، وخرج عنها في العشر الأول أو الثاني من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وستمائة، وتوصل إلى الموصل. ثم انتقل إلى إربل وسلك منها إلى خراسان وتحامى دخول بغداد، لأن المناظر له بدمش كان بغدادياً، وخشي أن ينقل قوله فيقتل فلما انتهى أمره إلى خراسان أقام بها يتجر في بلادها، واستوطن مدينة مرو مدة، وخرج عنها إلى أن نسا ومضى إلى خوارزم، وصادفه وهو بخوارزم خروج التتر، وذلك في سنة ست عشرة وستمائة، فانهزم بنفسه كبعثه يوم الحشر من رمسه، وقاسى في طريقه من المضايقة والتعب ما كان يكل عن شرحه إذا ذكره، ووصل إلى الموصل وقد تقطعت به الأسباب، وأعوزه دنيء المأكل وخشن الثياب، أقام بالموصل مدة مديدة، ثم انتقل إلى سنجار وارتحل منها إلى حلب، وأقام بظاهرها في الخان، إلى أن مات في التاريخ الآتي ذكره إن شاء الله تعالى.
ونقلت من " تاريخ إربل " الذي عني بجمعه أبو البركات ابن المستوفي - المقدم ذكره - أن ياقوتاً المذكور قدم إربل في رجب سنة سبع عشرة وستمائة، وكان مقيماً بخوارزم، وفارقها للواقعة التي جري فيها بين التتر والسلطان محمد بن تكش خوارزم شاه.
وكان قد تتبع التواريخ، وصنف كتاباً سماه " إرشاد الألباء إلى معرفة الأدباء " يدخل في أربعة جلود كبار، ذكر في أوله قال: " وجمعت في هذا الكتاب ما وقع إلي من أخبار النحويين واللغويين والنسابين والقراء المشهورين، والأخباريين والمؤرخين والوراقين العروفين والكتاب المشهورين وأصحاب الرسائل المدونة، وأرباب الخطوط المنسوبة المعينة، وكل من صنف في الأدب تصنيفاً أو جمع فيه تأليفاً، مع إيثار الاختصار والإعجاز في نهاية الإيجاز، ولم آل جهداً في إثبات الوفيات، وتبيين المواليد والأوقات، وذكر تصانيفهم ومستحسن أخبارهم، والإخبار بأنسابهم وشيء من أشعارهم، في تردادي إلى البلاد ومخالطتي للعباد، وحفت الأسانيد إلا ما قل رجاله وقرب مناله، مع الاستطاعة إثباتها سماعاً وإجازة، إلا أنني قصدت صغر الحجم وكبر النفع، وأثبت مواضع نقلي ومواطن أخذي من كتب العلماء المعول في هذا الشأن عليهم، والرجوع في صحة النقل إليهم ".
ثم ذكر أنه جمع كتاباً في أخبار الشعراء المتأخرين والقدماء. ومن تصانيفه أيضاً كتاب " معجم البلدان "، وكتاب " معجم الشعراء "، وكتاب " معجم الأدباء "، وكتاب " المشترك وضعاً المختلف صقعاً " وهو من الكتب النافعة، وكتاب " المبدأ والمآل " في التاريخ، وكتاب " الدول " و" مجموع كلام أبي علي الفارسي " و" عنوان كتاب الأغاني "، و" المقتضب في النسب " يذكر فيه أنساب العرب، وكتاب " أخبار المتنبي ".
وكانت له همة عالية في تحصيل المعارف.
وذكر القاضي الأكرم جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الواحد الشيباني القفطي، وزير صاحب حلب كان رحمه الله تعالى، في كتابه الذي سماه " إنباه الرواة على أنباه النحاة " أن ياقوتاً المذكور كتب إليه رسالة من الموصل إليها هارباً من التتر، يصف فيها حاله وما جرى له معهم، وهي بعد البسملة والحمدلة: " كان المملوك ياقوت بن عبد الله الحموي قد كتب هذه الرسالة من الموصل في سنة سبع عشرة وستمائة، وحين وصوله من خوارزم طريد التتر، أبادهم الله تعالى، إلى حضرة مالك رقه الوزير جمال الدين القاضي الأكرم أبي الحسن علي بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الواحد الشيباني، ثم التيمي تيم بني شيبان بن ثعلبة بن عكابة، أسبغ الله عليه ظله، وأعلى في درج السيادة محله، وهو يومئذ وزير صاحب حلب والعواصم، شرحاً لأحوال خراسان وأحواله، وإيماء إلى بدء أمره بعد ما فارقه ومآله، وأحجم عن عرضها على رأيه الشريف إعظاماً وتهيباً، وفراراً من قصورها عن طوله وتجنباً، إلى أن وقف عليها جماعة من منتحلي النظم والنثر، فوجدهم مسارعين إلى كتبها، متهافتين على نقلها، وما يشك أن محاسن مالك الرق حلتها، وفي أعلى درج الإحسان أحلتها، فشجعه ذلك على عرضها على مولاه، وللآراء علوها في تصفحها، والصفح عن زللها، فليس كل من لمس درهماً صيرفياً، ولا كل من اقتنى داراً جوهرياً. وها هي ذه: " بسم الله الرحمن الرحيم، أدام الله على العلم وأهليه، والإسلام وبني، ما سوغهم وحباهم، ومنحهم وأعطاهم، من سبوغ ظل المولى الوزير، أعز الله أنصاره، وضاعف مجده واقتداره، ونصر ألويته وأعلامه، وأجرى بإجراء الأرزاق في الآفاق أقلامه، وأطال بقاه، ورفع إلى عليين علاه، في نعمة لا يبلى جديدها، ولا يحصى عددها ولا عديدها، ولا ينتهي إلى غاية مديدها، ولا يفل حدها ولا حديدها، ولا يقل وادها ولا وديدها، وأدام دولته للدنيا والدين يلم شعثه، ويهزم كرثه، ويرفع مناره، ويحسن بحسن أثره آثاره، ويفتق نوره وأزهاره، وينير نواره، ويضاعف أنواره، وأسبغ ظله للعلوم وأهليها، والآداب ومنتحليها، والفضائل وحامليها، يشيد بمشيد فضله بنيانها، ويرصع بناصع مجده تيجانها، ويروض بيانع علأئه زمانها، ويعظم بعلو همته الشريفة بين البرية شأنها، ويمكن في أعلى درج الاستحقاق إمكانها ومكانها، ويرفع بنفاذ الأمر قدره للدول الإسلامية والقواعد الدينية، يسوس قواعدها، ويعز مساعدها، ويهين معاندها، ويعضد بحسن الإيالة معاضدها، وينهج بجميل المقاصد مقاصدها، حتى تعود بحسن تدبيره غرة في جبهة الزمان، وسنة يقتدي بها من طبع على العدل والإحسان، يكون له أجرها ما دام الملوان وكر الجديدان، وما أشرقت من الشرق شمس، وارتاحت إلى مناجاة حضرته الباهرة نفس ".
" وبعد، فالمملوك ينهي إلى المقر العالي المولوي، والمحل الأكرم العلي - أدام الله سعادته مشرقة النور مبلغة السول، واضحة الغرر بادية الحجول - ما هو مكتف بالأريحية المولوية عن تبيانه، مستغن بما منحتها من صفاء الآراء عن إمضاء قلمه لإيضاحه وبيانه، قد أحسبه ما وصف به عليه الصلاة والسلام المؤمنين، وإن من أمتي لمكلمين، وهو شرح ما يعتقده من الولاء، ويفتخر به من التعبد للحضرة الشريفة والاعتزاء، قد كفته الألمعية، عن إظهار المشتبه بالملق مما تجنه الطوية، لأن دلائل غلو المملوك في دين ولائه في الآفاق واضحة، وطبعة سكة إخلاص الوداد باسمه الكريم على صفحات الدهر لائحة، وإيمانه بشرائع الفضل الذي طبق الآفاق حتى أصبح بها بناء المكارم متين، وتلاوته لأحاديث المجد القريبة الأسانيد بالمشاهدة لديه مبين، ودعاء أهل الآفاق إلى المغالاة في الإيمان بإمامة فضله الذي تلقاه باليمين، وتصديقه بملة سؤدده الذي تفرد بالتوخي لنظم شارده وضم متبدده بعرق الجبين، حتى لقد أصبح للفضل كعبة لم يفترض حجها على من استطاع إليها السبيل، ويقتصر بقصدها على ذوي القدرة دون المعتر وابن السبيل، فإن لكل منهم حظاً يستمده، ونصيباً يستعد به ويعتده، فللعظماء الشرف الضخم من معينه، وللعلماء اقتناء الفضائل من قطينه، وللفقراء توقيع الأمان من نوائب الدهر وغض جفونه، وفرضوا من مناسكه للجبهة الشريفة السلام والتبجيل، وللكف البسيطة الاستلام والتقبيل، وقد شهد الله تعالى للمملوك أنه في سفره وحضره، وسره وعلنه وخبره ومخبره، شعاره تعطير مجالس الفضلاء، ومحافل العلماء بفوائد حضرته، والفضائل المستفادة من فضلته، افتخاراً بذلك بين الأنام، وتطريزاً لما يأتي به في أثناء الكلام: إذا أنا شرفت الورى بقصـائدي  على طمعٍ شرفت شعري بذكره 
(يمنون عليك أن أسلموا، قل لا تمنوا علي إسلامكم، بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين) لا حرمنا الله معاشر أوليائه مواد فضائله المتتالية، ولا أخلانا كافة عبيده من أياديه المتوالية، اللهم رب الأرض المدحية، والسموات العلية، والبحار المسجرة، والرياح المسخرة، اسمع ندائي، واستجب دعائي، وبلغنا في معاليه، ما نؤمله ونرتجيه، بمحمد النبي وصحبه وذويه.
وقد كان المملوك لما فارق الجناب الشريف، وانفصل عن مقر العز اللباب والفضل المنيف، أراد استعتاب الدهر الكالح، واستدرار خلف الزمن الغشوم الجامح، اغتراراً بأن الحركة بركة، والاغتراب داعية الاكتساب، والمقام على الإقتار ذل وإسقام، وجلس البيت، في المحافل سكيت: وقفت وقوف الشك ثم استمـر بـي  يقيني بأن الموت خير من الفـقـر
فودعت من أهلي وبالقلـب مـا بـه  وسرت عن الأوطان في طلب اليسر 
وباكية للبين قلت لـهـا اصـبـري  فللموت خير من حياة على عـسـر
سأكسب مـالاً أو أمـوت بـبـلـدةٍ  يقل بها فيض الدموع على قـبـري
فامتطى غارب الأمل إلى الغربة، وركب مركب التطواف مع كل صحبة، قاطعاً الأغوار والأنجاد، حتى بلغ السد أو كاد، فلم يصحب له دهره الحرون، ولا رق له زمانه المفتون: إن الليالي والأيام لو سـئلـت  عن عيب أنفسها لم تكتم الخبرا 
فكأنه في جفن الدهر قذى، أو في حلقه شجاً، يدافعه نيل الأمنية، حتى أسلمه إلى ربقة المنية: لا يستقر بأرضٍ أو يسـير إلـى  أخرى بشخصٍ قريب عزمه نائي 
يوماً بحزوى ويوماً بالعقـيق ويو  ماً بالعذيب ويوماً بالخـلـيصـاء
وتارة ينـتـحـي نـجـداً وآونة  شعب الحزون قصـر تـيمـاء
وهيهات مع حرفة الأدب، بلوغ وطر أو إدراك أرب، ومع عبوس الحظ، ابتسام الدهر الفظ ولم أزل مع الزمان في تفنيد وعتاب، حتى رضيت من الغنيمة بالإياب، والمملوك مع ذلك يدافع الأيام ويزجيها، ويعلل المعيشة ويرجيها، متقنعا بالقناعة والعفاف، مشتملاً بالنزاهة والكفاف، غير راض بذلك السمل، ولكن مكره أخاك لا بطل، متسلياً بإخوان قد ارتضى خلائقهم، وأمن بوائقهم، عاشرهم بالألطاف، ورضي منهم بالكفاف، لا خيرهم يرتجى، ولا شرهم يتقى: إن كان لابد من أهل ومن وطن  فحيث آمن من ألقى ويأمننـي
  قد زم نفسه أن يستعمل طرفاً طماحاً، وأن يركب طرفاً جماحاً وأن يلحف بيض طمع جناحاً، وأن يستقدح زنداً وارياً أو شحاحاً: وأدبني الزمان فلا أبـالـي  هجرت فلا أزار ولا أزور 
ولست بقائل ما عشت يومـاً  أسار الجند أم رحل الأمير
وكان المقام بمرو الشاهجان، المفسر عندهم بنفس السلطان، فوجد بها من كتب العلوم والآداب، وصحائف أولى الأفهام والألباب، ما شغله عن الأهل والوطن، وأذهله عن كل خل صفي وسكن، فظفر منها بضالته المنشودة، وبغية نفسه المفقودة، فأقبل عليها إقبال النهم الحريص، وقابلها بمقام لا مزمع عنها ولا محيص، فجعل يرتع في حدائقها، ويستمتع بحسن خلقها وخلائقها، ويسرح طرفه في طرفها، ويتلذذ بمبسوطها ونتفها، واعتقد المقام بذاك الجناب، إلى أن يجاور التراب: إذا ما الدهر بيتني بجـيشٍ  طليعته اغتمام واغتـراب
شننت عليه من جهتي كميناً  أميراه الذبالة والكـتـاب
وبت أنص من شيم الليالـي  عجائب من حقائقها ارتياب 
بها أجلو همومي مستريحاً  كما جلى همومهم الشراب
إلى أن حدث بخراسان ما حدث من الخراب، والويل المبير والتباب، وكانت لعمر الله بلاداً مونقة الرجاء، رائقة الأنحاء، ذات رياض أريضة، وأهوية صحيحة مريضة، قد تغنت أطيارها، فتمايلت طرباً أشجارها، وبكت أنهارها، فتضاحكت أزهارها، وطاب روح نسيمها، فصح مزاج إقليمها، ولعهدي بتلك الرياض الأنيقة، والأشجار المتهدلة الوريقة، وقد ساقت إليها أرواح الجنائب، زقاق خمر السحائب، فسقت مروجها مدام الطل، فنشأ على أزهارها حباب كاللؤلؤ المنحل، فلما رويت من تلك الصهباء أشجاره، رنحها من النسيم خماره، فتدانت ولا تداني المحبين، وتعانقت ولا عناق العاشقين، يلوح من خلالها شقائق قد شابه اشتقاق الهوى بالعليل، فشابه شفتى غادتين دنتا للتقبيل، وربما اشتبه على التحرير بائتلاف الخمر، وقد انتابه رشاش القطر، ويريه بهاراً يبهر ناضره، فيرتاح إليه ناظره، كأنه صنوج من العسجد، أو دنانير من الإبريز تنقد، ويتخلل ذلك أقحوان تخاله ثغر المعشوق إذا عض خد عاشق، فلله درها من نزهة رامق ولون وامق، وجملة أمرها أنها كانت أنوذج الجنة بلا مين، فيها ما تشتهي النفس وتلذ العين قد اشتملت عليها المكارم، وارجحنت في أرجائها الخيرات الفائضة للعالم، فكم فيها من حبرٍ راقت حبره، ومن إمام توجت حياة الإسلام سيره، آثار علومهم على صفحات الدهر مكتوبة، وفضائلهم في محاسن الدنيا والدين محسوبة، وإلى كل قطرة مجلوبة، فما من متين علم وقويم رأي إلا ومن شرقهم مطلعه، ولا من مغربة فضل إلا وعندهم مغربه وإليهم منزعه، وما نشأ من كرم أخلاق بلا اختلاق إلا وجدته فيهم، ولا أعراق في طيب أعراق إلا اجتليته من معانيهم، أطفالهم رجال، وشبابهم أبطال، مشايخهم أبدال، شواهد مناقبهم باهرة، ودلائل مجدهم ظاهرة، ومن العجب العجاب أن سلطانهم المالك، هان عليه ترك تلك الممالك، وقال لتفسه الهوى لك، وإلا فأنت في الهوالك، وأجفل إجفال الرال، وطفق إذا رأى غير شيء ظنه رجلاً بل رجال (كم تركوا من جناتٍ وعيون وزروعٍ ومقامٍ كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين) لكنه عز وجل لم يورثها قوماً آخرين، تنزيهاً لأولئك الأبرار عن مقام المجرمين، بل ابتلاهم فوجدهم شاكرين، وبلاهم فألفاهم صابرين، فألحقهم بالشهداء الأبرار، ورفعهم إلى درجات المصطفين الأخبار (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون) البقرة: فجاس خلال تلك الديار أهل الكفر والإلحاد، وتحكم في تلك الأبشار أولو الزيغ والعناد، فأصبحت تلك القصور، كالممحو من السطور، وأمست تلك الأوطان مأوى الأصداء والغربان، تتجاوب في نواحيها البوم، وتتناوح في أراجيها الريح السموم، ويستوحش فيها الأنيس، ويرثي لمصابها إبليس: كأن لم يكن فيها أوانس كالـدمـى  وأقيال ملك في بسالتـهـم أسـد
فمن حاتم في وجوده وابـن مـامة  ومن أحنف إن عد حلم ومن سعد
تداعى بهم صرف الزمان فأصبحوا  لنا عبرة تدم الحشا ولمـن بـعـد
  فإنا لله وإنا إليه راجعون من حادثة تقصم الظهر، وتهدم العمر، وتفت في العضد، وتوهي الجلد، وتضاعف الكمد، وتشيب الوليد، وتنخب لب الجليد، وتسود القلب، وتذهل اللب، فحينئذ تقهقر المملوك على عقبه، ناكساً، ومن الأوبة إلى حيث تستقر في النفس بالأمن آيساً، بقلب واجب، ودمع ساكب، ولب عازب، وحلم غائب، وتوصل وما كاد حتى استقر بالموصل بعد مقاساة أخطار، وابتلاء واصطبار، وتمحيص الأوزار، وإشراف غير مرة على البوار والتبار، لأنه مر بين سيوف مسلولة، وعساكر مفلولة، ونظام عقود محلولة، ودماء مسكوبة مطلولة، وكان شعاره كلما علا قتبا، أو قطع سبسباً (لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا) الكهف: فالحمد لله الذي أقدرنا على الحمد، وأولانا نعماً تفوت الحصر والعد، وجملة الأمر أنه لولا فسحة في الأجل، لعز أن يقال سلم البائس أو وصل، ولصفق عليه أهل الوداد صفقة المغبون، وألحق بألف ألف ألف ألف ألف هالك بأيدي الكفار أو يزيدون، وخلف خلفه جل ذخيرته، ومستمد معيشته: تنكر لي دهري ولم يدر أنـنـي  أعز وأحداث الزمـان تـهـون
وبات يريني الخطب كيف اعتداؤه  وبت أريه الصبر كـيف يكـون
وبعد، فليس للملوك ما يسلي به خاطره، ويعزي به قلبه وناظره، إلا التعلل بإزاحة العلل، إذا هو بالحضرة الشريفة مثل: فاسلم ودم وتمل العيش فـي دعة  ففي بقائك ما يسلي عن السلـف
فأنت للمجد روح والورى جسـد  وأنت در فلا تأسى على الصدف 
والمملوك الآن بالموصل مقيم، يعالج لما حزبه من هذا الأمر المقعد المقيم، يزجي وقته، ويمارس حرفته، وبخته يكاد يقول له باللسان القويم (تالله إنك لفي ضلالك القديم)(يوسف:) يذيب نفسه في تحصيل أغراض، هي لعمر الله أعراض، من صحف يكتبها، وأوراق يستصحبها، نصبه فيها طويل، واستمتاعه بها قليل، ثم الرحيل، وقد عزم بعد قضاء نهمته، وبلوغ بعض وطر قرونته، أن يستمد التوفيق، ويركب سنن الطريق، عساه أن يبلغ أمنيته، من المثول بالحضرة، وإتحاف بصره من خلالها ولو بنظرة، ويلقى عصا الترحال بفنائها الفسيح، ويقيم تحت ظل كنفها إلى أن يصادفه الأجل المريح، وينظم نفسه في سلك مماليكها بحضرتها، كما ينتمي إليها في غيبتها، إن مدت السعادة بضبعه، وسمح له الدهر بعد الخفض برفعه، فقد ضعفت قواه عن درك الآمال، وعجز عن معاركة الزمان والنزال، إذ ضمت البسيطة إخوانه، وحجب الجديدان أقرانه، ونزل المشيب بعذاره، وضعفت منة أوطاره، وانقض باز على غراب شبابه فقنصه، وأكب نهار الحلم على ليل الجهل فوقصه، وتبدلت محاسنه عند أحبابه مساوي وخصصه، واستعاض من حلة الشباب القشيب، خلق الكبر والمشيب: وشباب بان مني وانقضى  قبل أن أقضي منه أربي
ما أرجى بعده إلا الـفـن  ضيق الشيب علي مطلبي 
ولقد ندب المملوك أيام الشباب بهذه الأبيات، وما أقل غناء الباكي على من عد في الرفات: تنكر لي مذ شبت دهري وأصبحت  معارفه عندي من الـنـكـرات
إذا ذكرتها النفس حنت صـبـابةً  وجادت شؤون العين بالعـبـرات
إلى أن أتى دهر يحسن ما مضى  ويوسعني تـذكـاره حـسـرات
فكيف ولم يبق من كاس مشربـي  سوى جرع في قعـره كـدرات
وكل إناء صفـوه فـي ابـتـدائه  وفي القعر مزجاً حمـأةٍ وقـذاة
والمملوك يتيقن أنه لا ينفق هذا الهذر الذي مضى، إلا النظر إليه بعين الرضا، ولرأي المولى الوزير الصاحب، كهف الورى في المشارق والمغارب، فيما يلاحظه منه بعادة مجده، مزيد مناقب ومراتب، والسلام.
ولقد طالت هذه الترجمة بسبب طول الرسالة، ولم يمكن قطعها.
وقال صاحبنا الكمال بن الشعار الموصلي في كتاب " عقود الجمان ": أنشدني أبو عبد الله محمد بن محمود المعروف بابن النجار البغدادي صاحب " تاريخ بغداد " قال: أنشدني ياقوت المذكور لنفسه في غلامٍ تركي قد رمدت عينه وعليها وقاية سوداء: ومولدٍ للترك تحسب وجهـه  بدراً يضيء سناه بالإشـراق
أرخى على عينيه فضل وقاية  ليرد فتنتها عن الـعـشـاق
تالله لو أن السوابغ دونـهـا  نفذت فهل لوقايةٍ مـن واق
  وكانت ولادة ياقوت المذكور في سنة أربع أو خمس وسبعين وخمسمائة، ببلاد الروم، هكذا قاله. وتوفي يوم الأحد العشرين من شهر رمضان سنة ست وعشرين وستمائة، في الخان بظاهر مدينة حلب، حسبما قدمنا ذكره في أول الترجمة، رحمه الله تعالى.
وكان قد وقف كتبه على مسجد الزيدي الذي بدرب دينار ببغداد، وسلمها إلى الشيخ عز الدين أبي الحسن علي بن الأثير صاحب التاريخ الكبير، فحملها إلى هناك. ولما تميز ياقوت المذكور واشتهر سمى نفسه " يعقوب ".
وقدمت حلب للاشتغال بها في مستهل ذي القعدة سنة وفاته، ذلك عقيب موته والناس يثنون عليه ويذكرون فضله وأدبه. ولم يقد لي الاجتماع به.

***
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة  ابن تغري بردي  الصفحة : 938 
السنة الأولى من سلطنة الملك الناصر محمد الثانية على مصر  
وهي سنة ثمان وتسعين وستمائة، على أن الملك المنصور لاجين كان حكم منها مائة يوم.
وفيها توفي الأستاذ جمال الدين أبو المجد ياقوت بن عبد الله المستعصمي الرومي الطواشي صاحب الخط البديع الذي شاع ذكره شرقاً وغرباً. كان خصيصاً عند أستاذه الخليفة المستعصم بالله العباسي آخر خلفاء بني العباس ببغداد. رباه وأدبه وتعهده حتى برع في الأدب، ونظم ونثر وانتهت إليه الرياسة في الخط المنسوب. وقد سمي بهذا الاسم جماعة كثيرة قد ذكر غالبهم في هذا التاريخ، منهم كتاب وغير كتاب، وهم: ياقوت أبو الدر الكاتب مولى أبي المعالي أحمد بن علي بن النجار، التاجر الرومي وفاته بدمشق سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وياقوت الصقلبي الجمالي أبو الحسن مولى الخليفة المسترشد العباسي وفاته سنة ثلاث وستين وخمسمائة، وياقوت أبو سعيد مولى أبي عبد الله عيسى بن هبة الله بن النقاش وفاته سنة أربع وسبعين وخمسمائة، وياقوت بن عبد الله الموصلي الكاتب أمين الدين المعروف بالملكي نسبة إلى أستاذه السلطان ملكشاه السلجوقي وياقوت هذا أيضاً ممن آنتشر خطه في الآفاق، ووفاته بالموصل سنة ثماني عشرة وستمائة، وياقوت بن عبد الله، الحموي الرومي شهاب الدين أبو الدر: كان من خدام بعض التجار ببغداد يعرف بعسكر الحموي وياقوت هذا هو صاحب التصانيف والخط أيضاً، ووفاته سنة ست وعشرين وستمائة، وياقوت بن عبد الله مهذب الدين الرومي مولى أبي منصور التاجر الجيلي، وياقوت هذا كان شاعراً ماهراً، وهو صاحب القصيدة التي أولها: إن غاض دمعك والأحباب قد بانوا  فكل ما تدعي زور وبـهـتـان
ووفاته سنة آثنتين وعشرين وستمائة. فهؤلاء الذين تقدموا ياقوت المستعصمي صاحب الترجمة بالوفاة، وكل منهم له ترجمة وفضيلة وخط وشعر. وقد تقدم ذكر غالبهم في هذا الكتاب، وإنما ذكرناهم هنا جملة لكون جماعات كثيرة من الناس مهما رأوه من الخطوط والتصانيف يقرأوه لياقوت المستعصمي، وليس الأمر كذلك بل فيهم من رجح خطه ابن خلكان على ياقوت هذا.
قلت: وقد خرجنا عن المقصود لكثرة الفائدة، ولنعد إلى بقية ترجمة ياقوت المستعصمي. فمن شعره قوله: تجدد الشمس شوقي كلما طلعـت  إلى محياك يا سمعي ويا بصـري
وأسهر الليل ذا أنس بوحـشـتـه  إذ طيب ذكرك في ظلمائه سمري 
وكل يوم مضى لـي لا أراك بـه  فلست محتسباً ماضيه من عمري
ليلي نهاري إذا ما درت في خلدي  لأن ذكرك نور القلب والبـصـر
وله أيضاً: صدقتم في الوشاة وقد مضى  في حبكم عمري وفي تكذيبها 
وزعمتم أني مللت حديثـكـم  من ذا يمل من الحياة وطيبها
الذين ذكر الذهبي وفاتهم في هذه السنة، قال: وفيها توفي السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين المنصوري، ومن الغد قتل نائبه منكوتمر؛ ثم قتلوا الأميرين كرجي وطغجي الأشرفيين. وأحضر السلطان الملك الناصر وعاد إلى السلطنة. وفيها توفي الإمام جمال الدين محمد بن سليمان بن النقيب الحنفي صاحب التفسير بالقدس في المحرم. والعلامة بهاء الدين محمد بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم، أبو عبد الله الحلبي آبن النحاس في جمادى الأولى. والصاحب تقي الدين توبة بن علي بن مهاجر التكريتي في جمادى الآخرة. والزاهد الملقن علي بن محمد بن علي بن بقاء الصالحي في شوال. والمسند ناصر الدين عمر بن عبد المنعم بن عمر بن القواس في ذي القعدة. وصاحب حماة الملك المظفر تقي الدين محمود ابن المنصور محمد بن محمود بن محمد بن عمر بن شاهنشاه. والملك الأوحد يوسف ابن الملك الناصر داود بن المعظم عيسى. والعماد عبد الحافظ بن بدران بن شبل النابلسي في ذي الحجة، وقد قارب التسعين.
أمر النيل في هذه السنة: الماء القديم خمس أذرع وأصابع. مبلغ الزيادة سبع عشرة ذراعاً وست عشرة إصبعاً.

 ***********



thumb qr1 
 
thumb qr2
 

إحصاءات

عدد الزيارات
15328191
مواقع التواصل الاجتماعية
FacebookTwitterLinkedinRSS Feed

صور متنوعة