قصيدة لعيني عُروة وعَفْراء

قصيدة لعيني عُروة وعَفْراء

لندن : الخميس 15 تموز / يوليو 1999م

ملاحظة تمت إذاعة هذه القصيدة في برنامج علوم ومعارف من إذاعة:ام بي سي اف ام، وذلك يوم السبت 24/3/2002م

حَيِّ الأَحِبَّةَ، أَسْعِدِ الأَرْوَاحَا
وَاعْقُدْ لِعَفْرَاْءَ الْوِدَاْدَ وِشَاْحَاْ

وانْسِجْ على نَوْلِ الْغَرامِ قَصائِداً
غَزِلاً، عَفِيْفاً، عَاشِقاً، مَدَّاْحَاْ

ذِكْرُ الأَحِبَّةِ؛ للأَحِبَّةِ نِعْمَةٌ
وَالْحُبُّ كَاْنَ، وَمَايَزَاْلُ مُبَاْحَاْ

فَلِذَا عَشِقْتُ، وَمَا مَلَلْتُ مِنَ الْهَوىْ
وَصَنَعْتُ مِنْ خَفْقِ الْفُؤَاْدِ جَنَاْحَاْ

حَتَّىْ أُحَلِّقَ، وَالْغَرَاْمُ يَمُدُّ لِيْ
مَدَداً، فَأُشْعِلُ فِي الدُّجَىْ مِصْبَاْحَاْ

وَتُنِيْرُ لَيْلَ الْعَاْشِقِيْنَ قَصَاْئِدِيْ
فَأَرَىْ بهِ الرُّمَاْنَ؛ والتُّفَاْحَاْ

وَأَقُوْلُ: ياعَفْرَاْءُ! مَا حَالُ الْهَوَىْ؟
وَالْقَلْبُ يَرْقُصُ  عَرْضَةً[1]؛ وَسَمَاْحَاْ[2]

وَيْلاهُ مِنْ رَقْصِ الْقُلُوْبِ؛ وَنَبْضِهَا
فَتَحَتْ لَعَمْرُكِ ـ فِي الْفُؤَاْدِ ـ جِرَاْحَاْ

عَفْرَاْءُ! يَا عَفْرَاْءُ! حُبُّكِ قَاْتِلِيْ
وَالْعَاشِقُ الْمَتْبُوْلُ نَاحَ نُوَاْحَاْ

وَأَنَا بِحُبِّكِ يا فَتاتِيْ!! مُدْنَفٌ
أَرِقٌ؛ أَهِيْمُ عَشِيَّةً؛ وَصَبَاْحَاْ

أَلِجُ الْمَعَاْمِعَ بِالغَرامِ مُسَلَّحًا
وَقَدِ امْتَشَقْتُكِ ـ لِلْغَرَاْمِ ـ سِلاحَاْ

مَا لِيْ سِلاحٌ غُيْرُ إِخْلاصِ الَّتِيْ
مَلأَتْ كُؤُوْسِيَ ـ بِالْغَرَاْمِ ـ قُرَاْحَا

أُمْسِيْ، وَأُصْبِحُ، وَاللِّسَاْنُ بِذِكْرِهَاْ
غَرِدٌ؛ يَوَدُّ ـ بِذِكْرِهَاْ ـ الإِصْلاْحَاْ

كَيْ يُصْلِحَ التَّذْكَاْرُ ما قَدْ شَوَّهَتْ
بَعْضُ اللَّيَاْلِيْ خِلْسَةً؛ وَسِفَاْحَاْ

وَأَتُوْبُ تَوْبَةَ عَاْشِقٍ عَرَفَ الْهَوَىْ
حَياًّ، طَرِياًّ، نَاْبِضاً، لَمَّاْحَاْ

أَخْلُوْ لَهَاْ، أَخْلُوْ بِهَا، بِحَبِيْبَتِيْ
بَعْدَ الْغِوَاْيَةِ كَيْ أَنَاْلَ فَلاْحَاْ

يَحْلُوْ حِمَاْهَاْ؛ حَيْثُمَاْ كَاْنَ الْحِمَىْ
أَغْدُوْ إِلَيْهِ؛ وَلاْ أَرُوْمُ رَوَاْحَاْ

فَلَكَمْ سَرَيْتُ، لِكَيْ أَحُلَّ قُيُوْدَهَاْ
وَصَنَعْتُ ـ مِنْ حُبِّيْ ـ لَهَاْ ـ مِفْتَاْحَاْ

فَالْحُبُّ رَيْحَاْنُ الْحَيَاْةِ، وَإِنَهُ
يَهْدِيْ ـ إِلَىْ أَجْسَاْدِنَاْ ـ الأَرْوَاْحَاْ

عَبَرَ الضُّلُوْعَ إِلَى الْقُلُوْبِ؛ فَحُرِّرَتْ
إِذْ طَاْرَدَ الأَوْهَاْمَ؛ وَالأَشْبَاْحَاْ

إِنَّ الْمَحَبَّةَ ـ لِلْمُتَيَّمِ ـ بَلْسَمٌ
فِيْهَاْ بَلَغْتُ ـ مِنَ الْهُيَاْمِ ـ نَجَاْحَاْ

فَكَأَنَّهَاْ بَحْرٌ، وَفِيْهِ مَرَاْكِبِيْ
فَرَشَتْ ـ لِعَفْرَاْءَ ـ الْهَوَىْ أَلْوَاْحَاْ

حَتَّىْ إِذَاْ رَكِبَتْ حَرَقْتُ مَرَاْكِبِيْ
وَتَرَكْتُ وَاْحِدَةً ـ لَهَاْ ـ مُلْتَاْحَا

وَأَخَذْتُهَا؛ وَرَحَلْتُ فِيْ بَحْرِ الْمُنَىْ
وَبَقيْتُ ـ في بَحْرِ الْمُنَىْ ـ مَلاَّحَاَ

وَنَشَرْتُ لِلرِّيْحِ الشِّرَاْعَ؛ وَلَمْ أَكُنْ
أَخْشَىْ ـ عَلَىْ مَوْجِ الْبِحَاْرِ ـ رِيَاْحَاْ

تَجْرِيْ، وَأُجْرِيْ ـ فِي الْعُرُوْقِ ـ مَحَبَّةً
وَأَخُطُّ ـ في سِفْرِ الْهَوَىْ ـ إِصْحَاْحَاْ

أَرْمِيْ بِهِ فِيْ وَجْهِ كُلِّ مُنَافِقِ
ظَنَّ الْغَرَاْمَ فُكَاْهَةً؛ وَمُزَاْحَاْ

شَتَّاْنَ بَيْنَ مُهَذَّبٍ؛ وَمُخَرِّبٍ
أَلِفَ الْخِدَاْعَ تَزَلُّفاً؛ وجُنَاحَا

يَحْيَاْ عَلَىْ مَصِّ الدِّمَاْءِ؛ وَلا يَرَىْ
حَرَجاً؛ وَيَفْعَلُ فِعْلَهُ اسْتِقْبَاْحَاْ

أَمَّا أَنَاْ؛ فَأَرَى الْغَرَاْمَ مَكَاْرِماً
دَوْماً ـ لأَصْحَاْبِ الْوِدَاْدِ ـ مُتَاْحَاْ

فَالْحُبُّ نِبْرَاْسٌ يُضِيءُ حَيَاتَنَاْ
وَمِنَ الْمَحَبَّةِ مَاْ يَكُوْنُ صَلاْحَاْ

وَمِنَ الْمَحَبَّةِ مَاْ يُعَدُّ تَزَلُّفاً
وَمِنَ التَّوَلُّهِ مَاْ يَظَلُّ كِفَاْحَاْ

إِنَّ الْمَحَبَّةَ لِلأَحِبَّةِ آيَةٌ
وَمِنَ اللَّكَاْعَةِ أَنْ تَكُوْنَ نُبَاْحَاْ

وَمِنَ الْغَبَاْوَةِ أَنْ نَظُنَّ ـ مُتَيَّماًـ
نَذْلاً يُحِبُّ لِيَحْصِدَ الأَرْبَاْحَاْ

فَالرِّبْحُ في شَرْعِ الْغَرامِ مُحَرَّمٌ
وَأَخُو التِّجَاْرَةِ لَنْ يَنَاْلَ مَرَاْحَا

إِنْ زَاْرَ مَكَّةَ؛ والْمَدِيْنَةَ؛ والصَّفَا
بَلَعَ الصَّفَاْةَ؛ وَأَعْجَزَ النُّصَاْحَاْ

مَاذا يُرِيْدُ الْحَاقِدونَ مِنَ الْهَوَىْ
وَبِهِ سَلَلْتُ ـ عَلى الْعَذُوْلِ ـ صِفَاْحَا

فَقَطَعْتُ أَنْفَاْسَ الْحَسُودِ بِعِشْقِ مَنْ
مَلأَتْ ـ بِعِشْقِي ـ الْقَلْبَ وَالأَقْدَاْحَاْ

وَشَرِبْتُ مِنْ كَأْسِ الْمَحَبَّةِ فَارْتَوَتْ
نَفْسِيْ، وَرُمْتُ ـ مِنَ الأَقَاْحِ ـ أُقَاْحَا

وَرَأَيْتُ أَعْطَرَ وَرْدَةٍ، فَلَثَمْتُهَاْ
حُباّ،ً وَكُنْتُ مُغَاْمِراً طَمَّاْحَا

فَقَنِعْتُ أَنِّيْ قَدْ بَلَغْتُ بِعِطْرِهَاْ
أَرَبِيْ، وَعَنْهَاْ مَا الْتَمَسْتُ بَرَاْحَاْ

بَرْحَىْ؛ وَمَرْحَى؛ قَدْ بَلَغْتُ بِعِطْرِهَاْ
قِمَماً ظَوَاْهِرَ تُرْتَجَىْ، وَبِطَاْحَاْ

وَقَصَرْتُ طَرْفِيْ عَنْ سِوَىْ مَحْبُوْبَتِيْ
وَرَأَيْتُ طَرْفَ حَبِيْبَتِيْ ذَبَّاْحَاْ

لَمَّاْ نَظَرْتُ ـ وَقَاْبَلَتْ نَظَرَاْتُهَاْ
صَباًّ ـ هَجَمْتُ؛ وَمَاْ خَشَيْتُ رِمَاْحَاْ

وَرَشَفْتُ ـ مِنْ نَبْعِ الْمَحَبَّةِ ـ بَلْسَماً
وَهَجَرْتُ مَاْءَ لَكَاْعَةٍ ضَحْضَاْحَاْ

وَغَدَوْتُ أَطْوِي الأَرْضَ طَياًّ؛ عَلَّنِيْ
أَصِلُ الْمَهَاْةَ؛ عَشِيَّةً وَصَبَاْحَاْ

حَتَّىْ نُطَوِّرُ في مَيَادِيْنِ الْهَوِىْ
عِشْقاً ـ لِكُلِّ فَضِيْلَةٍ ـ سَيَّاْحَاْ

وتَمُدُّ لِيْ ـ عَفْرَاْءُ ـ أَسْبَاْبَ الْمُنَىْ
فَأَصُوْغُ ـ مِنْ أَحْزَاْنِهَاْ ـ الأَفْرَاْحَاْ

وَأَخُطُّ ـ فِيْ سِفْرِ الْغَرَاْمِ ـ مَكَاْرِمًا
أَعْيَاْ ـ لَعَمْرُكَ ـ نَصُّهَا الشُّرَاْحَاْ

شَرْحُ الْمَحَبَّةِ ـ بِالْحَوَاْشِيْ ـ مُعْجِزٌ
فِيْهِ اخْتَبَرْتُ الْعَيْنَ[3]؛ وَالْمِصْبَاْحَاْ[4]

وَبِهِ اخْتَبَرْتُ التَّاْجَ[5]؛ والْكُتُبَ الَّتِيْ
كُتِبَتْ؛ فَكَاْنَتْ بِالشُّرُوْحِ شِحَاْحَاْ

بَحْرُ الْعَوَاْطِفِ؛ بِالْمَعَاْنِيْ زَاْخِرٌ
وَمِنَ الْعَوَاْطِفِ؛ لاأُرِيْدُ سَرَاْحَاْ

يَاْ حَبَّذَاْ عَفْرَاْءُ؛ إِنْ هَبَّ الْهَوَىْ
وَرَأَيْتُ نُوْرَ جَمَاْلِهَاْ وَضَّاْحَاْ

وَتَوَاْصَلَ الْقَلْبَاْنِ بِالْعِشْقِ الذِيْ
يَحْمِي الْمُنَىْ؛ وَيُقَاْوِمُ السَّفَّاْحَاْ

وَيُعَطِّرُ الْعَيْشَ الْمُعَطَّرَ بِالشَّذَاْْ
فَيَفُوْحُ فِيْهِ عَبِيْرُهُ فَوَّاْحَاْ

وَيُبَاْرِكُ الْبَدْرُ الْمُنِيْرُ غَرَاْمَنَاْ
وَالْحُبُّ يَجْرِيْ ـ حَوْلَنَاْ ـ طَفَّاْحَاْ

وَالنَّجْمُ يَرْقُصُ فِيْ السَّمَاْءِ كَأَنَّهُ
يَرْعَىْ غَرَاْمَ قُلُوْبِنَاْ مُرْتَاْحَاْ

عُرسُ الطَّبِيْعَةِ قَدْ تَلأَلأَ نُوْرُهُ
لَيْلاً؛ فَصَاْرَ مَسَاْؤُنَاْ إِصْبَاْحَاْ

وَالْوَرْدُ قَطَّرَ مِنْ مَآقِيْهِ النَّدَىْ
فارْتَاْحَ مِنْ عَبِّ النَّدَىْ، وَأَرَاْحَاْ

وَالشِّيْحُ قَدَّمَ لِلأَحِبَّةِ عِطْرَهُ
وَالْيَاْسَمِيْنُ عَلَى الْعَرَاْئِشِ لاْحَاْ

وَالْمَاْءُ صَفَّقَ فِيْ الْجَدَاْوِلِ هَاْدِراً
وَالدِّيْكُ فِيْ فَجْرِ الْمُنَىْ قَدْ صَاْحَاْ

فَطَرِبْتُ كَالْمَبْهُوْرِ مِنْ شَهْدِ اْللَمَىْ
وَرَشَفْتُ مِنْ ثَغْرِ الْحَبِيْبِ الرَّاْحَاْ

فَسَقَيْتُهُ ؛ وَسُقِيْتُ رَاحَ رُضَاْبِهِ
عَسَلاً شَهِيًّا لِلْحَبِيْبِ مُتَاْحَاْ

قَدْ خَصَّنِّيْ ـ وَشَكَرْتُه ُـ بَرَحِيْقِهِ
سَمْحاً وَسَاْمَحْتُ الْحَبِيْبَ سَمَاْحَاْ

وَضَمَمْتُهُ ضَمًّا إِلَىْ صَدْرِيْ؛ وَقَدْ
ظَنَّ الْجُفُوْنَ النَّاْعِسَاْتِ صِحَاْحَاْ

فَأَرَيْتُهُ نَاراً تَلَظَّىْ كُلَّمَاْ
كَبَحُوْا ـ مِنَ الْحُبِّ الْعَفِيْفِ ـ جِمَاْحَاْ

فَرَثَىْ لِحَاْلِيْ حِيْنَمَاْ أَبْلَغْتُهُ
شَوْقاً تَضَاْعَفَ، فَاسْتَرَاْحَ؛ وَرَاْحَاْ

وَأَفَاْدَنِيْ: أَنَّ الْعَوَاْذِلَ حَوْلَهُ
رَشُّوْا عَلَىْ زَهْرِ الْمُنَىْ الأَمْلاْحَاْ

حَرَقُواْ بِمِلْحِ الْعَذْلِ زَهْرَ غَرَاْمِنَاْ
وَعَلَيْهِ رَدُّوْا في الْقُبُوْرِ صِفَاْحَاْ[6]

فَهَتَفْتُ: يَاْعَفْرَاْءُ! حُبُّكِ خَاْلِدٌ
يُمْسِيْ وَيُصْبِحُ؛ شَاْدِياً صَدَّاْحَاْ
القصيدة من البحر الكامل.

واحة عروة وعفراء[7]

1

عروة وعفراء

جمع الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه القرآن الكريم سنة 30 هـ/ 650 م، وشَهِدَتْ تلك السنةُ وفاةَ الشاعرِ الْمُتَيَّمِ: عُروة بن حِزام بن مُهاصِر بن مالك أحدَ بني حزام بن ضبة بن عبد بن كبير بن عذرة، وقد أحبَّ ابنةَ عَمِّهِ عَفراءَ بِنتَ عقال مُهاصِر بنِ مالك الضَّبّيّ؛ وقد اشتهَرَ بَنُوْ عُذْرَةَ بِشدَّةِ الْعِشْقِ والْعِفَّةِ فِيه؛ ويعتبر عروة أحد المتيمين الذين قتلهم الهوى، ولا يعرف له شعر إلا تشبيبه في عفراء بنت عمه. وقَدْ قِيْلَ لأَحَدِ العذريين: مَا بَالُ الرَّجُلِ مِنْكُم يَمُوْتُ في هَوَى امرَأَةٍ؟ فَأجابَ: لأنَّ فِينا جَمَالاً وَعِفَّةً.

2

طفولة عروة وعفراء

رُوي من حديث عروة بن حزام وعفراء بنت عقال: أن حزاماً بن مهاصر هلك وترك ابنه عروة صغيراً في حجر عمه عقال بن مهاصر. وكانت عفراء تِرباً لعروة، يلعبان جميعاً، ويكونان معاً، حتى ألف كل واحد منهما صاحبه إلفاً شديداً. وكان عقال يقول لعروة، لما يرى من إلفهما: أبشر، فإن عفراء امرأتك ، إن شاء الله. فكانا كذلك حتى بلغا سِنَّ الرُّشد، ولحقت عفراء بالنساء، ولحق عروة بالرجال، وحُجب بينهما، فثارت لوعة الحب والغرام في صدريهما جراء الفراق.

3

شكوى عروة

 عصفت لوعة العشق، فأتى عروة بن حزام عمته هند بنت مهاصر، وشكا إليها ما به من حُب عفراء ، وقال لها: يا عمة، إني لأكلِّمُك وأنا منك مُستحٍ، ولكن لم أفعل هذا حتى ضقت ذرعاً بما أنا فيه، ثم أخبرها بحبه ومُعاناته، فذهبت عمته إلى أخيها فقالت له : يا أخي، قد أتيتك في حاجةٍ أحب أن تحسن فيها الردّ ، فإن الله يأجرك بصِلة رحمك فيما أسألك.

فقال لها: قولي، فلن تسألي حاجة إلا رددتك بها.

قالت: تُزوِّج عروة ابن أخيك بابنتك عفراء، فقال: ما عنه مذهب، ولا هو دون رجل يرغب فيه ، ولا بنا عنه رغبة، ولكنه ليس بذي مال، وليست عليه عجلة. فطابت نفس عروة، وسكن بعض السكون إلى حين.

4

كيد العواذل

كانت أمُّ عفراء سيئة الرأي بعروة بن حزام، وكانت تريد لابنتها زوجاً ذا مال ووفر، وكانت عفراء ذات كمال وجمال، فطلبت أمها مهراً مبالغا فيه، وليس في مقدور عروة أن يؤمنه، وحينذاك عروة عرف أن رجلاً من قومه ذا يسار ومال كثير بدأ يخطب عفراء، فأتى عمه، فقال: يا عمّ، قد عرفت حقي وقرابتي، وإني ولدك وربيت في حجرك، وقد بلغني أن رجلاً يخطب عفراء، فإن أسعفته بطلبته قتلتني، وسفكت دمي، فأنشدك الله ورحمي وحقي، فرَقَّ له وقال له : يا بُنَيّ، أنت مُعدَمٌ، وحالنا قريبة من حالك، ولست مُخرِجُها إلى سواك، وأمها قد أبت أن تزوجها إلا بمهر غال، فاضطرب واسترزق الله تعالى.

فجاء عروة إلى أمِّ عفراء فلاطفها وداراها، وطلب منها أن تسهّل أمور زواجهما، فأبت أمُّها الماكِرة أن تجيبه إلا بما تحتكمه هي من المهر، وبعد أن يسوق شطره إليها، فوعدها بذلك.

5

السفر في طلب المهر

يئس عروة من مساعدة امرأة عمه الماديّة، فجاء إلى عمه وامرأته فأخبرهما بعزمه على قَصْدِ ابن عمٍّ له موسِر كان مقيماً في اليمن،  فصوَّباه ووعداه ألا يُحْدِثا حدثاً حتى يعود، فشكرهما ووثق بعهدهما، وصار في ليلة رحيله إلى عفراء، فجلس عندها هو وجواري الحي ، وكانوا يتحدثون بأسمار الغرام حتى أصبحوا ، ثم ودَّعها وودّع الحيّ، وشدَّ على راحلته، وصَحِبَه في طريقه فتيان من بني هلال بن عامر كانا يألفانه، وتابعوا المسير حتى قدموا على ابن عمه في اليمن، فوصله وكساه، وأعطاه مائة من الإبل، فانصرف عائدا بها إلى منازل قبيلته، وهو يعلل نفسه بالزواج من عفراء بنت عمه.

6

وصية عروة للهلاليين

بينما كان عروة ورفيقاه الهلاليان يجدّون المسير التفت إليها، وقال يخاطبهما، ويروي لهما قصته، وما يعانيه من لواعج العشق والغرام:

خليلي مِن عليا هلال بن عامرٍ
بصنعاء عوجاء اليوم وانتظراني
ولا تزهدا في الذخر عندي وأجْمِلا
فإنكما بي اليوم مُبتليانِ
 ألِمّا على عفراء إنكما غداً
بوشك النوى والبين معترفانِ
 أحبُّ ابنة العذري حُباًّ وإنْ نأَتْ
ودانيت فيها غير ما مُتداني
 إذا قلتُ: لا، قالا: بلى، ثم أصبحا
جميعاً على الرأي الذي يريان
تحملت من عفراء ما ليس لي به
ولا للجبال الراسيات يدان
 فيا ربِّ أنت الْمُستعان على الذي
تحمَّلت مِن عفراء مُنذ زمانِ
كأن قطاة علقت بجناحِها
على كبدي من شدَّة الخفقانِ

7

غدر العواذل

حينما غاب عروة في طلب المهر نزلَ في حيّ عفراء رجل ثريٌّ من أثرياء البلقاء الشامية ، فنحر الجزور ووهب وأطعم ، ورأى عفراء، وكان منزله قريباً من منزل أهلها، فأعجبته وخطبها إلى أبيها فرفض طلبه، فعدل الرجلُ الثريّ إلى أمّ عفراء، فوافق عندها قبولاً وجاءت إلى زوجها عقال، ولم تزل تهذر حتى قال لها زوجها: فإن عاد لي الرجل خاطباً أجبته، فوجهت إليه أن عُدْ إليه خاطباً، فأعاد الرجلُ القول في الخطبة، فأجابه أبوها وزوجه بعفراء، فقالت قبل أن يدخل بها:

يا عُرْوَ إنّ الحيَّ قد نقضوا
عهدَ الإله وحاولوا الغدرا
ثم رحلت مع زوجها إلى البلقاء في الشام، وأرشدت أمُّ عفراء والدَها إلى حيلة لتضليل عروة وخِداعه، فعمَد بناءً على طلبها إلى قبرٍ عتيق، فجدَّد وسوّاه، وسأل سكان الحي كتمان أمر زواج عفراء، وطلب منهم أن يقولوا لعروة: إنها ماتت وهذا قبرها .

8

عودة ورحيل

قال الرواة: عاد عروة، وأخبره عمه والقوم بموت عفراء الموهوم، فضلقت عليه الأرض بما رحبت، وتوجَّه إلى ابن عم له بالشام، وفي طريقه شاهد عفراء صدفةً، ووقف مندهشاً، ثم قال:

فما هي إلا أن أراها فُجاءةً
فأبْهت حتّى ما أكاد أُجيبُ
وأصدفُ عن رأيي الذي كنت أرتئي
وأنسى الذي أزمعتُ حين تغيبُ
ويُظهر قلبي عذرَها ويُعينها
عَلَيَّ فما لي في الفؤاد نَصِيبُ
وقد علِمت نفسي مكان شفائها
قريباً، وهل ما لا يُنالُ قريبُ?
وروى الرواةُ روايةً أُخرى فقالوا: عاد عروة بن حزام إلى مضارب قومه، فنعاها أبوها إليه، وذهب به إلى ذلك القبر، فمكث يختلف إليه أياماً وهو مضنىً هالك، حتى جاءته جارية من الحي فأخبرته الخبر، فتركهم، ورحل إلى البلقاء في الشام فقدمها، ونزل ضيفاً على زوج عفراء، ثم قال لجارية لهم: "هل لك في يد تولينيها? قالت: نعم، قال: تدفعين خاتمي هذا إلى مولاتك. فقالت: سَوءة لك، أما تستحي لهذا القول? فقال لها: ويحك! هي والله بنت عمي، فاطرحي هذا الخاتم في صبوحها، فإذا أنكرت عليك فقولي لها: اصطبح ضيفك قبلك، ولعله سقط منه. فرَقّت لحالهِ الأمَة، وفعلت ما أمرها به.

فلما شربت عفراء اللبن رأت الخاتم فعرفته، فشهقت، ثم قالت: اصدقيني عن الخبر، فصدقتها. فلما جاء زوجها قالت له: أتدري من ضيفك هذا? قال: فلان بن فلان، فقالت: كلا والله يا هذا، بل هو عروة بن حزام ابن عمي، وقد كتم نفسه حياءً منك.

9

كشف الأسرار

دعا زوج عفراء عروة، وعاتبه على كتمانه نفسه إياه، وقال له: على الرحب والسعة، نشدتك الله إن رُمت هذا المكان أبداً، وخرج وتركه مع عفراء يتحدثان. وأوصى خادماً له بالاستماع عليهما، وإعادة ما تسمعه منهما عليه، فلما خلوا تشاكيا ما وجدا بعد الفراق، فطالت الشكوى، وهو يبكي أحرَّ بُكاء، وقال عروة والله لا أقيم بعد علمه بمكاني هذا، وإني عالم أني أرحل إلى منيتي. فبكت وبكى، وقال: لي أمور، ولا بدَّ لي من رجوعي إليها، فإن وجدت من نفسي قوّة على ذلك، وإلا رجعت إليكم وزرتكم، حتى يقضي الله من أمري ما يشاء. فزودوه وأكرموه وودّعوه وانصرف حزيناً.

10

الفراق القاتل

رحل عروة من مضارب زوج عفراء، وانتكس بعد صلاحه وتماثله، وأصابه غشيان وخفقان؛ فكان كلما أُغمي عليه أُلقِي على وجهه خِمار لعفراء زوّدته إياه؛ فيفيق، وبينما هو راحلٌ لقيه في الطريق ابن مكحول عراف اليمامة، وجلس عنده؛ وسأله عمّا به؛ وهل هو خبل أو جنون? فقال له عروة: ألك علم بالأوجاع?. قال: نعم؛ فقال عروة:

وما بي من خبل ولا بي جنة
ولكن عمي يا أُخيّ كَذوبُ
 أقول لعراف اليمامة: داوني
فإنك إن داويتني لطبيبُ
 وإني لتغشاني لذكراكِ رعشةٌ
لها بين جلدي والعظام دبيبُ

11

وفاة عروة بن حزام

قال الرواة: تابع عروة المسير في طريقه قاصدا ديار قومه، ولكنه مات قبل أن يصل إلى حيهم بثلاث ليال، ودُفِنَ في وادِي القرى قُرْبَ الْمَدِيْنَةِ الْمُنوَّرةِ؛ وقيل: بل وصل إلى خيمة أمه وعاش فترة ثم وافته المنية، وروي عن النعمان بن بشير الأنصاري رضي الله عنه قال: ولاني عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ صدقات سعد هذيم ، وهم: بلي، وسلامان عذرة، وضبة بن الحارث، ووائل: بنو زيد، فلما قبضت الصدقة قسمتها في أهلها، وانصرفت، فإذا أنا ببيت منفرد عن الحي، فمِلتُ إليه، فإذا أنا بفتى راقد في فناء البيت، وإذا بعجوز وراءه في كسر البيت، فسلمت عليه، فرد علي بصوت ضعيف، فسألته: ما لك? فقال:

كأن قطاة علقت بجناحها
على كبدي من شدة الخفقان
قال النعمان: ثم شهق شهقة خفيفة كانت نفسه فيها، فنظرتُ إلى وجهه فإذا هو قد قضى فقلت: أيتها العجوز، مَن هذا الفتى منك? قالت: ابني، فقلت: إني أراه قد قضى. يا أماه ، من هو? فقالت: ولدي عروة بن حزام، فقال لها: ما بلغ به ما أرى? قالت: الحبُّ، والله ما سمعت له منذ سنة كلمة ولا أنّة إلا اليوم، فإنه أقبل عليّ ثم قال لَمَّا نَزلَ بهِ الْمَوْتُ:

مَنْ كانَ مِنْ أَخَواتِيْ باكياً أبداً
فَاليَوْمَ ؛ إِنِّي أُرَاْنِي اليَوْمَ مَقْبُوْضَاْ
يُسْمِّعْنَنِيْهِ فإنِّيْ غيرُ سَامعِهِ
إذا عَلَوْتُ رِقَابَ القَومِ مَعْرُوْضَاْ
وقال الرواة: بلغ عفراء خبر وفاة عروة، فقالت ترثيه:

ألا أيها الرَّكبُ الْمُخِبُّون وَيَحْكُمْ
بحقٍّ نعَيْتُم عُروةَ بنَ حِزامِ
فلا تهنأ الفتيان بعدك لذة
ولا رجعوا من غيبة بسلامِ
وقلْ للحبالى: لا ترجَّيْنَ غائباً
ولا فرحات بعده بغلامِ
ثم قامت إلى زوجها فقالت: يا هناء، قد مات ابن عمي فيَّ وبسببي، ولابدَّ لي من أن أندبه وأقيم مأتماً عليه. قال: افعلي. فما زالت تندبه وترثيه حتى توفيت.

ويقال في رواية أُخرى: إن عفراء عاشت حزينة على عروة حتى لَحِقَتْ سنةُ 50 هـ / 670 م فَنُقِلَتْ جَنازَتُهَا، ودُفِنَتْ في قبر إلى جانب قبر عُروةَ؛ فَنَبَتَتْ فَوْقَ كُلِّ قَبْرٍ مِنْ قَبْرَيْهِمَاْ شَجَرَةٌ فَلَمَّا صَارَ سَاقَا الشَّجَرَتَيْنِ على ارْتِفاعِ قَامَةٍ؛ التَفَّت الشَّجَرَتَاْنِ وَتَعَانَقَتَاْ في عِناقٍ أَبديّ، فَقالَ الذينَ شَاهَدُوْا الشَّجَرَتَيْنِ: تَآلَفَاْ فِيْ الْحَيَاةِ وَفِيْ الْمَمَاْتِ.

وَبَلَغَ خَبَرُ عُروةَ و عَفراءَ الخليفةَ مُعاويَةَ بنَ أَبي سُفيانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما فَقالَ: "لَوْ عَلِمْتُ بِحَاْلِ هَذَيْنِ الْحُرَّيْنِ الْكَرِيْمَيْنِ لَجَمَعْتُ بَيْنَهُمَاْ".

ومن قصة عروة وعفراء استوحيت قصيدتي

حَيِّ الأَحِبَّةَ ، أَسْعِدِ الأَرْوَاحَا
وَاعْقُدْ لِعَفْرَاْءَ الْوِدَاْدَ وِشَاْحَاْ



[1]  - العرضة: رقصة سعودية فولكلورية مشهورة.

[2]  - السماح: رقصة سورية فولكلورية مشهورة.

[3]  - معجم العين: ألفه الخليل بن أحمد الفراهيدي (718-786م) مؤسس علم العروض وواضع أول معجم عربي. ولد في عمان، وترك موطنة الى البصرة، فنشأ فيها، واجتمع له العلوم والمعارف ما أتاح له ان يكون استاﺫ  البصرة في عصره بلا منازع، وكثر تلاﻣﻴﺫﻩ أمثال: سيبويه، والكسائى، والنضر بن شميل، والأصمعى وغيرهم. وقد اعترفوا جميعا بريادته في اللغة، والنحو، والعروض، وعلم الموسيقى، والرياضيات. وكان الخليل الى علمه الغزير ، متواضعا،  زاهدا، وَرِعاً يحجُّ كل سنتين مره.

ويعتبر معجم العين للخليل أول معجم اعترف به القدماء والمحدثون، وقد بدأ بترتيب الحروف، ثم بتقسيم الأبنيه ، وأخيرا بتقليب اللفظة على أحد أوجهها.

ونظر إلى الحروف على أنها أصوات تخرج من جهاز النطق فرتبها على هذا الأساس تباعاً: ع ح ه – خ غ – ق ك – ج ش ض- ص س ز- ط د ت- ظ ث ذ- ف ب م – و ا ى – الهمزة. وسمى معجمه بأول حرف فيه (العين).

[4]  - معجم المصباح المنير: لأحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي المتوفى 770هـ. الناشر: المطبعة الأميرية بولاق، مصر. الطبعة الأولى 1321هـ.

[5]  - معجم تاج العروس: لمحمّـد بن محمّـد مرتضى الحسيني الزبيدي (ت 1205 هـ)، طبعت من تاج العروس عدة طبعات، الطبعة الأولى ناقصة اقتصرت من الكتاب على خمسة أجزاء في سنة 1287هـ بالمطبعة الوهبية بمصر. ثم صدرت الطبعة الثانية كاملة في عشرة أجزاء سنة 1307 بالمطبعة الخيرية، بخطة الجمالية من القاهرة المعزية. وقد صوَّرَتْها أكثر من دار نشر في مصر ولبنان، ثم صدرت الطبعة الثالثة عن وزارة الإرشاد والأنباء في دولة الكويت وقد باشرت بإصدارها سنة 1965 م، وتتابع إصدار مجلداتها خلال ما يقرب من نصف قرن. وهي طبعة مضبوطة ضبطاً كاملاً . ومبوبة بشكل جديد بحيث قسمت الأبواب والفصول والمواد بشكل واضح يسهل الرجوع إليها دون عناء. وقد سطا على تاج العروس للزبيدي إبراهيم الترزي فادّعى تحقيقه، ونشرته دار إحياء التراث العربي في بيروت. كما سطا على الطبعة الكويتية لصٌّ من لصوص التراث اسمه علي شيري، ونشرت سرقاته دار الفكر في بيروت سنة 1414 هـ. كما سطا علي شيري على لسان العرب لابن منظور، ونشرت فعلته دار إحياء التراث العربي في بيروت سنة 1408هـ/1988م، وسطا على تفسير ابن كثير رغم جهله بعلوم القرآن الكريم ومخالفة نحلته لمذهب ابن كثير رحمه الله.

[6]  - الصفاح: هي الحجارة التي يسقف بها قبر الميت.

[7]  - نشرت هذه المادة في زاوية الواحة التي أكتبُها بملحق التراث في جريدة الحياة، الصفحة : 15 يوم السبت 30 صفر سنة 1426 هـ / 9 نيسان/ أبريل سنة 2005م.

مواضيع ذات علاقة بهذا الموضوع : اضغط هنا



Launch in external player


مواضيع ذات علاقة بالحب

أنواع الحب : اضغط هنا

تراث الحب : اضغط هنا

******

معارضة لهذه القصيدة

اضغط هنا

*****

"عفّة وجمال "إهداء للأخ والشاعر القدير الدكتور محمود السيد الدغيم .

--------------------------------------------------------------------------------

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إهداء للأخ والشاعر القدير الدكتور محمود السيد الدغيم .

رمز العفّة والجمال

  
 أحبتي :
إنَّ غزارة الآلام تقتل المحبوبة، هذا الحب يسري على الأحباب ،
والقصائد مزدحمة بالآلام المتباينة القيمة،
فكيف نختار منها الحبيب العفيف ،
ولقد أسيء إلى مفهوم الحب نفسه في زمن العولمة .؟!
" لا احد منا يخدع الآخر ، ولكن كلّ يكذب على الآخر ."
أحبتي : فقدان الحب العفيف خطر يهدد عافية القلب البشري
ومن خلال متابعتي الطويلة ، لما يكتبه الإخوة في عدد لا بأس به من المنتديات .
فوجدت دمعة واحدة من عفراء ، أغرقت كل ألوان الطيف .
فكان لي استراحة مطولة تحت ظلالٍ عملاقة، لهذه الروح العذرية ، والتي أرادت أن تفتح باب الوريد لهذا الجيل المتيبس على الفضاء ربما يلمح بعضاً من نفحات روحه الضائعة ، ويعيد له بعضاً من بعض الهواء المفقود ، أو لربما يغسل بعضاً مما خربته الرياح الغربية وسمومها العنكبوتية .

من خلال قول استشهد به الشاعر القدير والأستاذ الفاضل الدكتور محمود السيد الدغيم :

" وقد قيلَ لأحدِ العذريين : مابال الرجلِ منكم يموتُ في هوى امرأة ؟
فأجاب : لأنَّ فينا جمالاً وعفّة ".
فكانت الشرارة الأولى لإطلاق طيور الحب العفيف لتبارك لحن السيمفونية للمحبة الخالدة .
فتقديراً لما حملته القصيدة على أكفّ البحار ، واحتراماً ، لما تحلّى من عفّة وعلم وفكر وبحث عن القيم العليا للجمال.
كان لي إهداء هذه القصيدة ، وقد كللتها نفحات روحه السماوية
من خلال قصيدته الرائعة "عروة وعفراء "
  
  

عفّة وجمال


 
حـيّ الأعـزّةَ ، أنْـقِـذْ الأيتـامـاوانظـمْ لِعَفْـراءَ الشّعـاعَ حِـزامَـا
واعْقِدْ على صَـدْرِ السَّـوادِ  فرائـداًمَدَدَاً ، قصيـداً ، زاهـراً ،  عزَّامَـا
عَـزْمُ الأعِـزَّةِ ، للأعِـزَّةِ  شُعْـلَـةٌوالعَهْدُ كانَ ، ومـا يـزالُ  عِصامَـا
فلِذَا أطَعْتُ ، ومَا شَفَعْتُ مِنَ  الـرؤىوأخذتُ مـن نَبْـضِ الأنـامِ  لِثامَـا
حَتّـى أُغَـرّدَ ، والـوِدادُ يمـدُّ لـيفَرَحَاً ، فأصْبِحُ فـي السَّنـا مِنْعَامـا
وتثيـرُ غيـمَ الرّافدَيْـنَ خواتـمـيفأرَى بـهِ الفسْطـاطَ ، والضّرْغامَـا
وأقولُ : يا أحلامُ ! ما حالُ  الصَّـدىوالزَّبْـدُ يَرْحَـلُ دهشـةً ، وَهُمَامَـا
ويلاهُ مِنْ جَـرْحِ الـورودِ  وِخَفْقِهَـاذَرَفَتْ ببعدِك _ في البحـارِ  جِسَامَـا
عَفْراءُ! يا عفراءُ ! عطـرُكِ خافقـيوالطائـرُ المنحـورُ عـادَ  حُسَامَـا
وأنا برمشِكِ يـا حياتـي !! مُشْغَـلٌثَمِـلٌ ، أسيـرُ مُقيـداً ،  ومُـلامَـا
ألـجُ المـلاحِـمَ بـالإلـهِ مُكَـبَّـراًلقـدْ امْتَحنْتُـكِ – للزمـانِ _نِظَامَـا
مالـي ذِراعٌ غيـرُ أضْـلاعِ الـتـيرَفَعَتْ فروعيَ _ بالشّفـاهِ _ وِئَامَـا
أبْكي ، وأضْحَكُ ، والرّضاءُ  بحُسْنِهَاسَمَـرٌ ، يَـوَدُّ بروضهـا الإرغَامَـا
كي يُرْغِمَ الأزميـلُ مـا قَـدْ  دلَّلَـتْعمْـق الأيـادي دالَّـةً ، وَمَقـامَـا
وأموتُ مِيْتَـةَ ناسـكٍ دَلَـفَ النَّـدَىعَيّـاً ، فتيَّـاً ، عاصيـاً ،  إقْحَامَـا
أشْدُو لَهَا ، أعْلُو بِهَـا ،  بسريرتـيبعـدَ الوَسَامَـةِ كـي أنـامَ  لِمَامَـا
يَغفو ظِبَاهَا ، حَيْثُما مـاتَ  الهَـوىأرْنــو إلـيـهِ ، ولا أرومُ نيـامَـا
فَلَكَمْ نهلْتُ ، لكَـيْ أضُـمَّ جُروحَهَـاووشَمْتُ – في قَلبي _لَهَـا  أنْسامَـا
فالعِشْـقُ غُـزلانُ الرَّبـابِ ، وإنَّـهُيَهْدي _ إلـى أزهارِنَـا _ الأعلامَـا
عبر الصهيل إلى الغيـومِ ، تَجَلَّلَـتْإذ جـادَلَ الأطـيـارَ ، والأحْـلامَـا
إنَّ الشظيّـةَ _ للمُتيَّـمِ _  مَـكْـرَمٌفيها بَشَرْتُ _مِنَ الـزّوالِ _  قِيَامَـا
فكَأنَّهَـا ضِلْـعٌ ، وفيـهِ  قصائـديرَصَدَتْ _ لعفـراءَ _الثَّـرَى هَوَّامَـا
حتّى إذا لَحِظَـتْ لَفَظْـتُ  مَرامِـريوَغَزَلْـتُ واحـدةً _ لَهَـا _ هَمَّامَـا
وَحَمَلْتُهَا ، ورقَدْتُ في قلبِ  الصَّـدىوصَمَدْتُ _ في لَجْـمِ  المَدَى_آجامَـا
وَرَصَدْتُ للروحِ الخيولَ ، ولمْ  أكُـنْأسهـو علـى خَيْـلِ المِلاحِ_غَرَامَـا
تَمْشي ، وأُمْسيْ _ في الشروقِ شَقيَّةًوأطلُّ _ في نَعْـشِ السُّهـا  لُقْمَانَـا
أمضي بـهِ فـي ليـلِ كُـلِّ مُخاتـلٍظـنّ الشُّقـاقَ مَحَبَّـةً ،  وكَثـامَـا
شَتَّـانَ بيـنَ مخـادعٍ ، ومُـمـزّقٍغرسَ الجمـال َ تطيُّبـاً ،  وَغَمامَـا
يَعْلو على سيفِ الكلام ِ ، ولا هَـوَىخَجَلاً ، ويُفْحَـمُ غمْـدَهُ  اسْتسلامَـا
أمَّـا أنـا ، فَـرَِوَى القـرارَ مُرَتِّـلاًليـلاً _ لإغـراقِ السّحـابِ  كلامَـا
فالعمْـرُ ميـزانٌ يقيـسُ  جذوعَنَـاومـنَ العِمَـارةِ مـا يكـمُّ كِـرامَـا
ومـنَ القٌرابـةِ مـا يُعَـدُّ تَحَبُّـبـاًومـنَ القُرابـةِ مـا يظـلُّ لـزامـا
إنَّ القُـرابـةَ لـلأعـزَّةِ  غُـــرَّةٌومـنَ الغرابَـةِ أن تكـونَ ظـلامـا
وَمِنَ الغباوةِ أن نفُـرَّ _  مُخَضْرَمَـاًهَيْمـاً يـمـرُّ لينـطِـقَ اللُّهَـامَـا
فالصمتُ في عُنقِ الصـراخِ  مُعَتَّـقٌوَحَمـو المنيـرة لـن ينـامَ مُلامَـا
إنْ عادَ ليلةً ، والخميلـةَ ، والصَّبَـابلـغَ الصّـلاة َ ، وأيْقَـظَ  الرُّكامَـا
ماذا يريـدُ العاشقـونَ مِـنَ العُلَـىوبهِ عَلَوْتُ _على المَضيقِ  _كِظامَـا
فَكَظَمْتُ أحزانَ الـورودِ برَتْـقِ مَـنْحَرَقَتْ _بقلبي _ الطّيفَ  والأحْكَامَـا
ونَهِلْتُ من بَحْـرِ الكَليمـةِ فارتَقَـتْشَمْسي ، وصِغْتُ _مِنَ العِقالِ _مَقَامَا
وَبَصرْتُ أصْـدَقُ دَمعَـةٍ  فَضَفَرْتُهـاعِشقاً ، وسـرْتُ مُهاجِـراً  مِقْدامـا
فخبِـرْتُ أنّـي قَـدْ رَفَلْـتُ بهَولِهَـاقَمَري ، وَعَنْها ما افْترقْـتُ  شيامَـا
أنْهَى ، وأقصَى ، قَدْ غَدَوتُ  بعفْوِهَـاحَبَقـاً مناهـلَ تُحْتَـوَى ،وَضِخَامَـا
وَغَمَمْتُ طيني عَنْ سِوى أهْزوجتـيوَسَلَـكْـتُ دَرْبَ مليكـتـي آلامــا
لمَّا وَصَلْـتُ _ وواصَلَـتْ كلماتُهَـازَهْواً _ حزنتُ ، وما رَمِيْـتُ لُؤامَـا
وَهَجَعْتُ _ في حُضْنِ المَجَرَّةِ _ شاكياًوغَمَـدتُ سَيـفَ حَكيمـةٍ إبْـرامَـا
وَرَحَلْتُ أُلْهي البحرَ لَهـواً ،  علَّنـيأصـلُ العـزاءَ ، ضحيّـةً وسَوامَـا
حتَّـى نُفَـرِّغَ فـي فراديـس العُـلابَـدْراً _لكـلِّ كريـمـةٍ  –تَهَّـامَـا
وتَخِطُّ لي _عَفْراءُ أنفـاسَ  الهَـوَىفأبوحُ _ مِنْ أجْراسِهَـا _  الإلهامَـا
وأزفُّ_ في عيـنِ الكـرامِ _سنابـلاًأَبْكَى _ لَعمرُك _ طَلْحُهَا _  الزَّمَامَـا
وبهِ اسْتَقَيْتُ الشُّهْدَ ، والقَصبَ التـيسُرِجَتْ ، فكانت بالصّنـوجِ ضِرَامَـا
فَحْـمُ المناجـمِ ، بالتوالـي  بـارقٌوَمِـنَ الخوافِـقِ ، لا أريـدُ زِحَامَـا
شَمْسُ الأهلَّةِ _بالتَّمَاهـي _ مُحْـرِقٌفيـهِ اصْطَفَيْـتُ العَـذْلَ، والأزلامَـا
ويُكَحِّـلُ الـوَرْدَ المُخضَّـبَ باللّمَـىفيبـوحُ فـيـهِ مسـيـرُهُ نَجَّـامَـا
ويغـازلُ الليـلُ الحزيـنُ دمـاءَنَـاوالشِّعْـرُ يَـروي صُبْحَنَـا _عَوَّامَـا
والبَحْرُ يعْطِفُ فـي المسـاءِ  كأنَّـهُيَهْـوَى شِـراعَ ورودِنَـا  تُرْنَـامَـا
عَرْشُ المليكـةِ قَـدْ تَرَنَّـمَ  ريشُـهُحزنـاً فعـاد نجيشُـنـا  أقْسَـامَـا
والعُشْبُ هَدْهَـدَ مِـنْ مآقيـهِ المَـلافاقْتاتَ من تُخْـمِ النِّـوَى  ،وغرامَـا
والنَّحْـلُ جلَّـلَ للأهـلَّـةِ  جُـنـدَهُوالزّيزفـونُ علـى الخوافـقِ نامَـا
والعطرُ صَلْصَلَ في المُغامِـرِ شاهـداًوالغيمُ في خـدِّ الـرؤى قـد  قامَـا
فَسَجعْتُ كالمذبوحِ من سَبْعِ  الهَـوَىوَسَقيتُ من بحـرِ الرّشيـدِ  الرَّامَـا
فَرَشَفْتُـهُ، ونظِمْـتُ ملـحَ خضابِـهِرُطْبـاً جزيـلاً للسبـيـل  إمَـامَـا
قَدْ ضمّني _ وسَكَنْتُـهُ _  بقميصِـهِرَفْـداً وعاهـدْتُ السميـعَ  صِيامَـا
وَفقدْتُهُ طفْلاً علـى صَـدْري ، وقَـدْهـزَّ النجـومَ الخافقـاتِ  فِطَـامَـا
فضممْتُـهُ نجْمـاً تَمَـطَّـى كلَّـمـاحَرَقوا _ من النّحلِ الرَّديفِ _  طعامَا
فَبَكَـى بقلبِـي حينَـمَـا  جنَّـدْتُـهُنَحْـلاً تطايـرَ ، فاسْتهَـامَ ،وَهَامَـا
وَأخَافَنـي : أنَّ العـقـاربَ قُـرْبَـهُمدّوا على شـطِّ الضُّحَـى  الألغامَـا
قَتَلوا بمَصْلِ الغَـدْرِ زُغْـفَ سَحَابِنَـاوعلَيهِ مَـدّوا فـي النّجـودِ سُقامَـا
فهتفْـتُ : يـا عَفْراءُ!نَمْلُـكِ  قـادمٌيُصْغي وَيُطْلِـقُ ،عاشقـاً  حُمْحامَـا
 

جلنار البحر
1/1/2008


_ الزَّمَامَا= العشب المرتفع
هوَّاما = الأهوم ،العظيم الهامة ، شداد كالأسد
كثاما = كثم ، دخل فيه وكسره


تحياتي وتقديري

التوقيع


 
إنَّ الذي باتَ يَحْلو غَيْرَ بَحْرِكُمُحبَّاً فذاكَ حَفيٌّ غيرُ  مَبْـرورِ
 

أحلام غانم 

****

عروة وعفراء للأخطل الصغير

مهـدَ الغـرام ومـسـرح الـغـزلانحيث الهـوى ضـرب مـن الايمـان
يتعانـق الروحـان فـيـه صبـابـةويـعـف ان يتعـانـق الـجـسـدان
فـإذا سمعـت بعاشقيـن فقـل  همـاملـكـان متـصـلان منـفـصـلان
مـادار ثََـم سـوى الحديـث كـأنـهراح يـديـر كؤوسـهـا  الملـكـان
سل عروة بن حزام عن غصص الهوىتسمع جـواب فتـى الغـرام  العانـي
تحنانَ ساجعة الحمائـم فـي الضحـىوزفيـر أعـواد الجحـيـم  الثـانـي
ولـه حديـث كالدمـوع اذا جــرتجلبـت نظائرهـا مــن الأجـفـان
علَم الهـوى مـن آل عـذرة  عـروةكـذب الألـى قالـوا لهـا  علـمـان
وُلد الفتـى العـذري عـروة  بعدمـادارت بـوالـده رحــى  الحـدثـان
فـإذا بعـروة فـي مضـارب عمـه"هصر"فكـان هـنـاك  زغـلـولان
عفـراء إبنتـه مـع ابــن شقيـقـهوكلاهمـا فـي العمـر دون ثـمـان
وإذا تضمهـمـا الحـقـول  فإنـهـاظفـرت بمائستيـن مــن ريـحـان
يتراكضـان بهـا فـإن همـا بوغتـافيـهـا فـبــالأوراق يختـبـئـان
ولطالمـا وقفـا علـى الـوادي وقـدصرخـا هنـاك ليلتقـي الصـديـان
لـم يلبسـا ريـش الهـوى  لكنـمـاهـو ريـش احـلام وريـش  أمـان
مزجـا فلـو خطـرت لعفـرا فكـرةبـدرت بهـا مـن عـروة  الشفتـان
وإذا التقـى النظـران تلمـع  أسطـريعيـا بـحـل رمـوزهـا الـولـدان
حتـى اذا كبـرا تولـى شـرح  مـالــم يفهـمـا قلبهـمـا  الخفـقـان
فإذا الـوداد هـوى وصـادف تربـةبكـراً فطـاب مغـارسـاً ومـجـان
ويـح المحـب اذا تملـكـه الـهـوىنمًـت بــه عيـنـان  فاضحـتـان
عبثـاً يحـاول ذو الهـوى كتمـانـهعبث الهـوى يقـوى علـى الكتمـان
فدرى بـه "هصـرٌ" وكـان  يسـوؤهمـن عـروة ابـن شقيقـه  يتـمـان
وأهـمُّ يتمـيْ عـروة فـي  عيـنـهيتْـم الغنـى لـو يسمـع  الأبــوان
فشكـا اليـه مـنـه حــب فتـاتـهشفـتـان تختـلـجـان تـخـتـذلان
فأجـابـه "هصـر"وكـان مخـاتـلاًستنـال مـن تهـوى فكـن بـأمـان
نعمى على كبد الفتـى سقطـت  كمـاسقـط النـدى سحـراً علـى  حـران
فأحـس أن لـه جنـاحـيْ  طـائـروبـدت لـه زهـر النجـوم  ذوانـي
فجرى يرقّص عوده الشعـري  علـىصـدر المـروج ومعصـم الغُـدران
فيصـوغ هينمـة النسيـم قصـائـداًويـرد زمزمـة الغـديـر  أغـانـي
مـاراعــه إلا مـقـالـة عـمــهإنـي أراك عـن الغـنـى متـوانـي
سـر للـشـآم بمتـجـر  فأطـاعـهوعصى الفؤاد فظـل فـي  الأوطـان
بينا الفتى فـي الشـام يكـدح  للغنـىكـانـت حبيبـتـه تــزف لـثـان
فتنـت محاسنهـا أثالـة وهـو  مـن"هصـر"لـه نسـبـان ملـتـزمـان
نسب الدمـاء وفوقـه نسـب  الغنـىنسـبـان محبـوبـان محـتـرمـان
فأنالـه عـفـراء صفـقـة تـاجـرحسِـب البنـات ملابسـاً  وأوانــي
ماعامـل فـي الحقـل حمّـل  يومـهماليـس يحمـل مثـلـه  الهـرمـان
يمشـي لمنزلـه بنـفـس  مغـالـبمـرّ الشـقـا بـحـلاوة الـوجـدان
يمحـو بفكرتـه عبـوسـة  دهــرهبتبـسـم فــي آلــهِ  وحـنــان
يمشي ومـا هـو ان دنـا حتـى رأىفي كوخـه المحبـوب سحـب دخـان
ورأى اشتعـال النـار فـي  أحشائـهوبكـا النـسـا وتهـافـت الشـبـان
فأحـس بالجـلّـى فـاسـرع ليـتـهأودى ولـم تسـرع بــه القـدمـان
فــإذا قرينـتـه الحبيـبـة جـثـةوبجنبـهـا ولـــداه  يحـتـرقـان
ماخطب هذا وهـو أهـول مـا  رأتعيـن ومـا سمعـت بــه أذنــان
بأشـد مـن قـول الـرواة لـعـروةعفـراء امسـت زوجــة  لـفـلان
خلع النحول عليه أفجـع مـا ا رتـأىداء وأ بـلـى مااكتـسـاه عـــان
سقْـم تشـف بـه الضلـوع كانـهـاقطـع الزجـاج بمـائـل الـجـدران
فغـدا بـه مـثـلاً تناقـلـه  الــىأقصـى القبائـل ألـسـن الركـبـان
ماحاضـر الـروحـاء دون منـالـهوخْد السـرى فـي الأمعـز الصـوان
ليحـول دون فتـى الهـوى وفتـاتـهإن الهـوى ضـرب مـن الطـيـران
فمشـى الـى أرض الحبيـب دليـلـهعيـنـان إنسانـاهـمـا غـرقــان
يلقي القصائد في الطريـق  وحشوهـاأنفـاس مكـلـوم الحـشـا ولـهـان
كالنعجـة البيضـاء حيـن مرورهـابيـن الصخـور وشائـك  العـيـدان
تبقي على الأشـواك مـن  أصوافهـاخصـلاً مخضبـة بأحـمـر قــان
ودرى أثالة ان عـروة فـي  الحمـىوبمـا بعـروة مـن هـوى وهـوان
وأثالـة رجــل المحـامـد  بيـتـهبيـت الفخـار وملتقـى  الضيـفـان
فأبـت مروءتـه علـيـه أن يــرىرجـلاً كعـروة مبـعـداً  متـدانـي
فمشـى إليـه عاتبـاً أتكـون  فــيبلـدي ولسـت لخيمتـي  وخـوانـي
إنـي عزمـت عليـك أنـك نــازلعـنـدي وإلا سـاءنـي حرمـانـي
عـذراً فـإنـي راجــع لـحـوادثنزلـت بنـا ماكـن فـي الحسـبـان
لاعـذر لا لاعــذر أنظـرنـي إذنلغـد إذن فـجـر النـهـار الثـانـي
وتفارقـا فــإذا بـعـروة رُجـمـةتهـوي عليهـا انْقـضّ صاعقـتـان
وأشـار نـحـو أثـالـة  بجفـونـهستـرى المـروءة أنـنـا  كـفـؤان
هجـر الديـار لوقتـه تسعـى بــهقـدمـان هـازلـتـان شاكـيـتـان
هجـر الديـار ديـار عفـراء  التـيطبعـت حشاشتـه علـى الأحــزان
حتـى إذا وادي القـرى رحُبـت بـهرحبـت بشلـو لُـف فـي  أكـفـان
جثمانـه فـي القبـر لكـن روحــهأبـداً مرفـرفـة عـلـى  الـوديـان
رنّ النعـي بـأذن عـفـراء  فـهـلشاهدت غصنـاً مـن رطيـب البـان
لعبت به هـوج العواصـف  فالتـوىمتقصـفـاً وأصـيـب  بالرجـفـان
هـي مثلـه حاشـا الدمـوع وأنــةًمن صـدر محتضـر بـه  جرحـان
فأتـت أثالـة والـدمـوع  سـوابـحفتلـثـم الـفـضـي بالمـرجـانـي
قالـت لتعلـم أن عـروة كـان  لـيإلفـاً ونـحـن وعــروة  حـدثـان
وعلمـت أن هـواه لا عـن  ريـبـةيُخزى بها رجلـي ويخفـض  شانـي
هـلا أذنـت لـي بـأن أزور ترابـهأفمـا أبـي وأبـو الفتـى  أخــوان
مـن ذا يمـانـع ان تفـيـه  حـقـهسيري فما هـي غيـر بعـض ثـوان
حتـى رأيـت بقبـر عـروة بـانـةمحـنـيـة والهـفـتـا لـلـبــان
ضموا الفتاة الـى الفتـى فـي حفـرةمـن فوقـهـا غصـنـان ملتـفـان
روحـان ضمهمـا الهـوى فتعانـقـاوتعـاهـدا فتـعـانـق  الكـفـنـان
أنـا وفـد أبنـاء الصبابـة سـاجـدمـن تـرب عـذرة فـي أذل مكـان
أستنزل الوحـي الـذي ظفـرت  بـهشعراء عـذرة فـي الزمـان  الفانـي
فتسـوغ فـي أذنـيْ جميـل  رنتـيوتطيـب نـفـس كثـيّـر ببيـانـي

****


thumb qr1 
 
thumb qr2
 

إحصاءات

عدد الزيارات
15335314
مواقع التواصل الاجتماعية
FacebookTwitterLinkedinRSS Feed

صور متنوعة