رحيل عميد الأدب العربي في السودان

عبد الله الطيب المجذوب

رحيل عميد الأدب العربي في السودان عبد الله الطيب المجذوب

د. محمود السيد الدغيم

منذ مدّة طويلة كان الأستاذ الدكتور عبد الله الطيب المجذوب يعاني من مرض أصابه بعد جلطة دماغية، وقد عُولج في لندن وتحسنت أحواله، فنُقِل إلى الخرطوم، ثم غادر المستشفى إلى منزله، وتعطل جهاز نطقه، وصار يتفاهم مع زواره كتابةً بناءً على نصائح الأطباء.

وأخيراً فوجئنا بورقة نعوةٍ نَعَتْ فيها السفارة السودانية بلندن الفقيد الراحل عبد الله الطيب المجذوب حيث أن العلاج لم يفسح في الأجل، وجاء في النعوة: "ودّع السودان علماً فذّاً جليلاً من أعلام الثقافة العربية والإسلامية، وشاعراً فصيحاً مُلهَماً، وناقداً ومُفسّراً أصيلاً، هو الأديب المربي أستاذ اللغة العربية، البرفسير عبد الله الطيب المجذوب، الذي وافته المنية بعد صراع طويل مع المرض.. والسفارة السودانية بلندن إذ تنعيه لأهل السودان هنا، وللعارفين بفضله وتلامذته ومعارفه وقارئيه في أمصار الأمة العربية والإسلامية، تسأل الله له كريم العفو وسابغ المغفرة، وواسع الرحمة، وأن يسكنه سبحانه وتعالى مع الصديقين والشهداء، وأن يتعطف المولى عز وجلّ على ذويه وأحبابه بجميل الصبر وحسن العزاء".

خبر مفجع لمن عرف عبد الله الطيب، ومُفجع لمن سمع به، أو انتهل من علومه ومعارف، واستمتع بحديثه وشعره ونثره، وهكذا يكون رحيل الفرسان، ومنهم فارس النِّيل من منبعه إلى مصبِّه، وعميد الأدب في السودان، الذي حانت منيته يوم الخميس 19 – 6 – 2003م/ الموافق لـ 19 ربيع الآخر 1424هـ.

نعم لقد رحل الرجل الفحل، و شيخ الكلام، وأستاذ الأساتذة في اللغة العربية واللغة الإنكليزية، وفقيد السودان والعرب المخلصين للغة الضاد وآدابها، وأفادت الأخبار أنه قبل الرحيل بيومين قد نُقِل إلى غرفة الإنعاش بمستشفى "ساهرون" وفي تلك الغرفة سلَّم الروح في هدوء في الساعة الثامنة والنصف من يوم الخميس .

وعند الساعة الرابعة تماماً نُقل نعشه في ليلة الجمعة إلى مثواه الأخير، وامتدّت أرتال الحزانى من منزله إلى المقبرة، وغصّت بهم الشوارع الرئيسية، والأزقة الفرعية، واختلط أبناءُ وبناتُ قبيلته وطلابه وطالباته وأحباؤه، والكلُّ يعزي الكلَّ، فالخطب جلل والفقيد فقيد الجميع، فقيد الحاضرين والغائبين الذين يعرفون قدره، ويدركون حجم الفراغ الذي تركه في دنيا الأداب العربية والأعجمية.

كان لقاء عبد الله الطيب حُلماً بالنسبة لي، فقد غادرت سوريا إلى تركيا سنة 1983م، ونهلت من علوم مكتباتها العامرة بالمخطوطات شيئاً كثيراً لم يتيسر لي في سوريا ولبنان، ولما جاءت سنة 1987م نفتني الحكومة التركية إلى يوغوسلافيا السابقة، وحينذاك تعرَّفتُ على عدد من أطباء السلاح الطبي السوداني الذين كانوا يتخصصون في الأكاديمية الطبية العسكرية اليوغسلافية في بلغراد، ومازلت أذكر من أسمائهم: المقدَّم الدكتور أحمد عوض مصلح، والمقدم الدكتور محمد العبد الله، والرائد الدكتور الراحل أزهري خضر مدني، وكان الجميع يروون الكثير عن مآثر الأستاذ عبد الله الطيب مفخرة السودان والسودانيين بكل فئاتهم.

قامت علاقة طيبة بيني وبين الأخوة السودانيين في يوغسلافيا فأحببت السودان لأجلهم، وتحدثنا في مواضيع المنافي والهجرة والتهجير، وقد أشاروا عليَّ بالسفر إلى السودان أرض الحرية قياساً على باقي بُلدان قَمعستان، فحصلت على تأشيرة دخول من السفارة السودانية في بلغراد، وقصدت السودان بالطائرة الهولندية مروراً بسالونيك وأثينا في اليونان ذهاباً وإياباً، وكان هدفي من السفر فتح مكتبة لبيع الكتب في السودان.

تراءت لنا الخرطومُ مترامية الأطراف، واستغرقَ وصول الطائرة من طرف المدينة إلى المطار زمناً طويلاً لأنّ الخرطوم تمتدُّ امتداداً أُفقياًّ ينسجمُ مع طبيعة المناخ الإفريقيّ، وأخيراً وصلنا إلى مطار الخرطوم بعد مُنتصف الليل، واستقبلتنا نسمة ريح سودانية حارة لم نكن نتوقعها من قبل، وبعد الإجراءات الأمنية والجمركية، غادرنا المطار، ونزلنا في أحد الفنادق قرب الجامع الكبير في مركز العاصمة الخرطوم، وفي اليوم الثاني عرفت أن الخرطوم مؤلَّفة من ثلاث مُدُن هي: الخرطوم العاصمة في الجنوب الشرقي، والخرطوم بحري في الشمال الشرقي، وأمدرمان غربي نهر النيل، وقد نصب الإنكليز جسراً يصل غربي النيل بشرقه منذ مطلع القرن العشرين.

بدأت التردُّد على مكتبات الخرطوم لاستطلاع الأسعار، وحركة البيع والشراء فلم أجدها مشجِّعة بسبب تتابع انهيار سعر صرف الجنيه السوداني أيام حُكم الميرغني والمهدي، وذات يوم قصدتُ مكتبة الدار السودانية القريبة من الجامع الكبير، فإذا بها أضخم مكتبة شاهدتها من قبل ومن بعد في البلدان العربية، وهي تفوق مكتبات القاهرة وبيروت ودمشق وحلب، فأجنحة العرض والبيع توزعت في أربعة طوابق واسعة المساحة، وكان الشُّرَّاءُ والقراء منتشرون في أروقتها، وقد شكل بعضهم حلقات تتفاوت أعدادها مما يعيق حركة المرور بين رفوف الكتب، وذات يوم قصدت المكتبة فوجدت فيها حلقة لم أرَ مثلها من قبل، فاقتربتُ من الحلقة، وأدركت أن فارسها المجلِّي هو الأستاذ الدكتور عبد الطيب المجذوب رحمه الله، وكان مسترسلاً في الحديث بتواضع العلماء ووقارهم، وخفة ظلٍّ تعطي الحديث حيوية نادرة تُكلِّلُها هيبة العباقرة، ولباقة الشعراء.

لاحظ الدكتور وجودي، وأدرك غربتي من ملامحي، فأشار إلي بيده فتقدمت نحوه، وسلمت عليه، فبادلني سلام معرفة وودّ، ولم نكن قد التقينا من قبل، ولكنني كنت أعرف عنه الكثير، وكنت معجباً بمواقفه المعادية لأتباع نحلة النثر الحديث المشعور، وما يُسمّى بالشعر الحرّ.

وقبْلَ انفضاض الحلقة دعانا أحد العاملين في المكتبة إلى كأس شاي سوداني في مكتب من مكاتب الدار السودانية، وهنالك جرى بيننا تعارف سريع، وأنشد الشيخ بعض أبياته التي تجسِّد التمازج بين الغابة والصحراء، وتصف بيئة سودانية عريقة خاصّة، وأنشدته بعضاً من شعري، فشجَّعني على المتابعة، ولما عرَّفته أنني من منطقة معرة النعمان، فاجأني بقوله: إن موضوع أطروحته في شهادة الدكتوراه هو: "أبو العلاء المعري شاعراً" وراح يقصُّ علي طُرَفاً من شعر المعريين، وما قيل بهم وبالمعرة.

واستطرد بالحديث فذكر مَنْ مَرّ بالمعرة كالبحتري الذي حمل إلى أهل المعرّة توصيةً به من الشاعر أبي تمام الذي أقام بالمعرة سابقاً، وحَظِيَ بإكرام الوفادة المعرية النادرة شأنه بذلك شأن المتنبي الذي مدح منطقة المعرة بشكل عام، وتغزل ببدويات المنطقة الواقعة ما بين معرة النعمان غرباً وخراب الأندرين شرقاً، فشاركته الحديث بما حفظت من تاريخ المعرة الذي كتبه محمد سليم الجندي في ثلاثة مجلدات، وما خبرته من سياحاتي في ريف المعرة وباديتها.

وتناقشنا في موضوع رحلة المعري إلى بغداد، وما لقيه من إهانة من قِبل الشريف المرتضى لأن المعري دافع عن المتنبي في مجلس الشريف، وحدَّثته عن ريف منطقة معرة النعمان والبادية الشرقية، وكثرة ما في المنطقة من الشعراء الذين يقرضون الشعر الفصيح، والشعر العامي البدوي المسمى بالقصيد، والذي يرددونه على أنغام الرّبابة، ولكنهم يلاقون إهمال الناشرين ووسائل الإعلام، فابتسم رحمه الله وقال: أظنّ أحوالهم في هذا كأحوال أبناء السودان، فقلت له: المسألة مشتركة بين السودان والبيضان في هذا الزمان، وبعد تلك الجلسة الممتعة افترقنا، وبودِّي لو يتكرَّر اللقاء لأغترف من دُرر بحر العلوم المتحرك عبد الطيب رحمه الله.

ومرّت الأيام، وعدتُ إلى يوغوسلافيا، ثم سُمِحَ لي بالعودة إلى تركيا التي غادرتها ثانية سنة 1990م إلى لندن، وكان لي لقاء قصير مع الدكتور عبد الله الطيب في جامعة لندن، وعجبت لقوة ذاكرته حيث لم ينسَّ شيئاً مما دار بيننا في ذلك اللقاء اليتيم في الخرطوم، وقد فاجأني بمتابعاته إذ أثنى على قصيدتي التي هجوت بها مهرجان الشعر في القاهرة سنة 1993م، وردّد مطلعها بصوته الجهوري:

وقفت أسألُ نهرَ النيلِ ما الخبرُ؟؟

فقلتُ يا صاحبي للشعر مؤتمرُ!!

ورغم ضيق الوقت تطرّق رحمه الله إلى معركة العقاد مع دُعاة الحداثة في مصر، حيث ظهر العقاد في التلفزيون القومي لجمهورية مصر العربية وقال بصوت واضح وعال لحد أن يسمع الصم ، وينبه الغافل: (الشعر الحر ده مش شعر ،الشعر الحر ده كلام فارغ).

ومعركة عبد الطيب مع دُعاة الحداثة في السودان، وأصحاب مدرسة الشعر الحر وعلى رأسهم الأستاذ الشاعر المرحوم محمد عبد الحي محمود (1944 - 1989م)، وعلي عبد القيوم، ومصطفى سند الذي تراجع عن تأييد الحداثة مؤخراً، وقال: " أنا ضد القصيدة النثرية ولا اعتبرها قصيدة من أساسه ، على العموم من يريد أن يتماهى فليتماهى ولكني ضد هذا الشكل"، وقد كسب الدكتور عبد الله الطيب جولات في نُصرة الشعر العربي الأصيل.

وتذاكرنا أساليب الْمُحدثين في الهجوم على كل شيء، والدفاع عن اللاّشيء، واستعرضنا هجماتهم على المرحوم نزار قباني، ولا سيما بعد وفاته، وخلوّ الساحة من المدافعين في الكثير من الميادين، وبعد ذلك اللقاء افترقنا، وفاتتني سهرة سودانية لندنية أقيمت على شرف الدكتور عبد الله رحمه الله، ولكن الزميل السوداني معاوية ياسين زودني بنسخة مسجلة لما ألقاه الدكتور الراحل في تلك الأمسية من قصائد رائعة، ومرَّت السنون، وأنا أتلقف أخبار الدكتور الطيب من الأخوة السودانيين في لندن، حتى جاء نبأ وفاته وهو في سنِّ الثانية والثمانين، وقد رحل وبقي عنوانه لمن يريد التعزية: الخرطوم - ص.ب: 3388 السودان.

ولد الدكتور عبد الله الطيب في اليوم الثاني من شهر حزيران/ يونيو سنة 1921 في بلدة "التميراب" غرب مدينة الدامر "ولاية نهر النيل" ونشأ حول بريق "الخلوات" وحسب التعبير السوداني: "الخلاوي" القرآنية بنيرانها الْمُتّقدة منذ أجيال، وما حولها من الْقُرَّاء الذين يتلقّون تلاوة القرآن الكريم من أفواه الرجال خلفاً عن سلف، عملاً بالمأثور، وقد ترعرع عبد الله في أحضان بلدة رضعت حُبَّ آبائه وأجداده "المجاذيب" في أحضان نهر النيل الذي تحرسه نداءات المآذن منذ أمد بعيد.

وتنقل عبد الله في تعليمه بين العديد من مُدُن السودان فبعد دراسته في "الخلاوي" درس في مدارس كسلا والدامر وبربر، وكلية غردون التذكارية، والمدارس العليا (جامعة الخرطوم حالياًّ) ومعهد التربية ببخت الرضا.
و تخرج في المدارس العليا بالخرطوم سنة 1942م، و من زملائه في الدراسة بكلية "غردون" الدكاترة محمد الحسن أبوبكر، والطاهر عبد الرحمن، وفتح الرحمن عبد القادر، وإسماعيل نابري، ومحمد محمد حسن وغيرهم.

ويُروى عن الأستاذ الشاعر الهادي آدم الذي كان يدرس في "بربر": أن عبد الله جاء إلى المدرسة متأخراً، وهو لا يحمل قلماً ليكتب به فانتهره "المستر براون" إلا أن الهادي آدم طلب منه أن يمنح عبد الله فرصة دقائق معدودة، وناوله الهادي قلماً فكتب الـموضوع المطلوب بلغة إنكليزية أذهلت "المستر براون" الذي منح لعبد الله الطيب المجذوب العلامة التامة في اللغة الإنجليزية، وأوصى بتعليمه مجاناً مع منحة دراسية لشدّة إعجابه بذكائه وبلاغته بلغة شكسبير فضلاً عن لغة الضاد.

وتخرج رحمه الله من مدرسة الآداب سنة 1942م، وعُيِّنَ مُدرساً في بخت الرضا ولكنه لم يلبث أن استقال، وعمل في المدرسة الأهلية بأُمِّدُرمان منذ سنة 1943م وحتى سنة 1944م، ثم عمل بمدرسة التجارةسنة 1944م، وبالمدرسة الثانوية بأمدرمان سنة 1945م، وبمعهد التربية سنة 1946م.

ثمَّ أُرسل رحمه الله في بعثة إلى جامعة لندن، وحصل على شهادة المعادلة في البكالوريوس في الآداب من كلية الدراسات الشرقية والإفريقية سنة 1948م، ثم حصل على الدكتوراه سنة 1951م، وكان موضوع أطروحته: "أبو العلاء شاعراً" ولم يكتف بالدرجة العلمية من بريطانية بل تزوج بامرأته الإنكليزية الوحيدة السيدة غرازيلدا Grazelda”" ، والتي عرب السودانيون اسمها فقالوا: غرزديلا، وعاش وإياها وفيين لبعضهما أكثر من نصف قرن من الزمن، وهو لم يتركها بلندن حينما عاد إلى السودان، رغم أنهما لم يُرزقا أطفالاً، بل اصطحبها معه، ووقف معها وقفة رجل شجاع نبيل في زمن كان فيه الزواج بالأجنبية مشكلة اجتماعية في بلاد العرب والمسلمين، وعاملها كرجل مضيف مضياف، وظل يرعاها ويحبها، ويعوّض عليها ما فقدته في غُربتها حتى آخر لحظة في حياته.

وبعد التخرُّج عمِلَ الأستاذ الدكتور عبد الله الطيب محاضراً في كلية الدراسات الشرقية والإفريقية في جامعة لندن ثم عاد إلى السودان، فعمل رئيساً لقسم اللغة العربية ومناهج المدارس المتوسطة في معهد بخت الرضا لتدريب المعلمين في السودان، واستمرّ في ذلك العمل مدَّة ثلاث سنوات، ثم صار أستاذاً في قسم اللغة العربية في جامعة الخرطوم سنة 1956م، ثم صار عميدا لكلية الآداب فيها سنة 1961م.

انتقل رحمه الله إلى نيجيريا سنة 1964م، وأشرف على إنشاء كلية "Ado-Bayero" عبد الله "باييرو" في جامعة أحمدو بيلو في مدينة كانو بنيجيريا، وكان أول عميد لها، ثم عاد إلى السودان، وعُيِّنَ مديراً لجامعة الخرطوم سنة 1974- 1975م، ثم عُين مديراً لجامعة جوبا في جنوب السودان سنة 1975 - 1976م، ، وعمل خلال الفترة 1977- 1986م أستاذاً للدراسات العليا في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة سيدي محمد بن عبد الله في مدينة فاس بالمغرب.

وكان عضواً في هيئة تحرير الموسوعة الإفريقية في غانا، وعضواً في مجمع اللغة العربية في القاهرة منذ سنة 1961م، ورئيساً لمجمع اللغة العربية في الخرطوم، ورئيساً لاتحاد الأدباء السودانيين، كما كان أستاذاً زائراً لعدد من الجامعات العربية والإفريقية والبريطانية.

لقد صدرت لعبد الله الطيب عدة دواوين شعرية هي: (أصداء النيل سنة 1957م، واللواء الظافر سنة 1968م، وسقط الزند الجديد سنة 1976م، وهذا الديوان يُذكّرنا بديوان سقط الزند لأبي العلاء المعري الذي أولع به عبد الله الطيب، وأغاني الأصيل سنة 1976م، وأربع دمعات على رحاب السادات سنة 1978م، وصدرت له مسرحيات شعرية هي: زواج السمر سنة 1958م، والغرام المكنون سنة 1958م، وقيام الساعة سنة 1959م.

ومن دراساته الأكاديمية: "المرشد إلى فهم أشعار العرب"، و"من حقيبة الذكريات" و "القصيدة المادحة" و "مع أبي الطيب"، ومن أعماله الإبداعية الأخرى: قصّة "نوار القطن" التي صدرت سنة 1964م، وله عدد من الكتب التي تجمع بين الشعر والنثر مثل: بين النير والنور الذي صدر سنة 1970م، و"التماسَةُ عزاء بين الشعراء" سنة 1970م، و"ذكرى صديقين" سنة 1987م.

وحصل عبد الله الطيب على جائزة الملك فيصل العالمية للآداب مناصفة مع المصري الدكتور/ عز الدين إسماعيل الذي قال مُعلقاً على المناصفة: "حاشا أن أتقاسمها مع أستاذي" وكان ذلك في شهر أيار/ مايو سنة 2000م، وسبب الحصول على الجائزة هو ما أنجزه الأستاذ الدكتور عبد الطيب من دراسات أدبية ثرّة، وما بذل من جهود علمية متميّزة في مجالات البحث المتعدّدة ممّا أهّله لِنَيْلِ جائزة الملك فيصل في مجال (ا لدراسات التي تناولت النقد الأدبي القديم عند العرب في تاريخه أو كتبه أو رجاله أو قضاياه ). وفي حقول الفكر والأدب عموماً، وذلك جراء ما تميَّزت به مؤلفاته من طابع أصيل.

ومن كتبه المميزة كتاب "المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها" المكوّن من أربعة مجلدات، وهو يحلل فيه مختلف جوانب الشعر العربي وخصائصه منذ العصر الجاهلي وما تلاه من عصور، وقد استغرق تأليفه 35 سنة، وصدر الجزء الرابع منه سنة 1990م؛ وتضمّن الكتاب إشارات كثيرة لدّوْرِ النقاد العرب في العصور المتتالية، وأرّخ لتطوّر القصيدة العربية، وتأثيرها في الشعر العالمي في الغرب والشرق، وقد قلّده طه حسين (قبل وفاته سنة 1973م) وسام النبوغ احتفالاً بصدور المجلدات الأولى من هذا الكتاب الموسوعي.

ولعبد الله الطيب العديد من المؤلفات والكتب والبحوث الأخرى التي تتناول قضايا الشعر والنثر والنصوص باللغتين العربية والإنجليزية، ومن كتاباته فصل باللغة الإنجليزية حول الشعر الجاهلي، وقد نشرته جامعة كمبردج البريطانية، وشارك في بحوث الموسوعة البريطانية بمواد: أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، ومصطفى المنفلوطي، وعباس العقاد؛ وألف كتابين آخرين هما "أبطال الجزيرة العربية" و"قصص من رمال الجزيرة العربية".

لقد تعّدت مواهب الأستاذ الراحل عبد الله الطيب، وبالإضافة إلى التعليم والبحوث الأكاديمية نشط في مجالات الإعلام المسموع والمرئي، ومن أعماله المشهورة برنامجه الإذاعي حول تفسير القرآن الكريم وهو باللغة الدارجة في السودان، وكان البرنامج بمصاحبة المرحوم المقرئ الشيخ صديق أحمد حمدون في التلاوة.

ومن برامجه الرائعة برنامج "حول الأدب العربي" الذي كان يقدمه في الإذاعة والتلفزيون السوداني، وبرنامجه التلفزيوني "سِيَر وأخبار" وغير ذلك من المشاركات الكثيرة في الندوات والمقابلات في الإذاعات والتلفزة في معظم محطات وقنوات العالم العربي.

وحصل رحمه الله على الكثير من الجوائز والتقدير العلمي ومن ذلك: تعيينه أستاذاً ممتاز في جامعة الخرطوم اعتباراً من سنة 1977م، ثم تعيينه أستاذا مدى الحياة بجامعة الخرطوم سنة 1979م، ثم منحه درجة دكتوراه فخرية في الآداب من جامعة الخرطوم سنة 1981م، ثم دكتوراه فخرية في الآداب من جامعة كانو في نيجيريا سنة 1988م، ثم دكتوراه فخرية في الآداب من جامعة الجزيرة في السودان سنة 1989م.
ولُقِّب عبد الله الطيب عن جدارة في السودان بـعميد الأدب العربي، ومُنح جائزة الملك فيصل العالمية للآداب في أيار/ مايو سنة 2000م، وبعد أن تسلمها عاد إلى السودان، لكنه لم يمكث فيه سوى أسبوع واحد، ثم سافر إلى بريطانيا للراحة والاستجمام، إلا أن المرض لم يمهله إذ هاجمه في أول حزيران/ يونيو سنة 2000م، ومنذ ذلك التاريخ وهو يتنقل من مستشفى إلى مستشفى، ثم عاد إلى وطنه السودان عندما استقرت حالته الصحية، ولكنه بدأ يتنقل بين منزله والمستشفى حتى وافه الأجل يرحمه الله.

أضواء

زملاء عبد الله الطيب المجذوب من أعضاء مجمع اللغة العربية بالقاهرة

تواردت أفواج على عضوية المجمع ، بلغ الفوج الأول منها عشرين عضواً، صدر بتعيينهم مرسوم ملكى فى عام 1933م، ثم صدر قرار جمهوري مصري سنة 1961م بتعيين بعض الأعضاء العاملين من المصريين والعرب ، وهم: الدكتور عبد الله الطيب، الدكتور إبراهيم أنيس، الأستاذ إسماعيل مظهر، الأستاذ عبد الحميد حسن، الدكتور على بدوى، الدكتور محمد عوض محمد، الأستاذ إبراهيم عبد المجيد اللبان، الأستاذ أمين الخولى، الأستاذ عبد الفتاح الصعيدى، الدكتور مراد كامل، الدكتور محمد مهدى علام، الأستاذ أحمد عقبات، الأستاذ أنيس المقدسى، الأستاذ عبد الله كنون، الدكتور عمر فروخ، الأستاذ الشيخ محمد البشير الإبراهيمى، الأستاذ محمد بهجة الأثرى، الأستاذ الشيخ محمد الفاضل بن عاشور، الدكتور إسحاق الحسينى، الأستاذ على الفقيه حسن، الأستاذ قدرى طوقان.

أضواء

كتاب «الأحاجي السودانية» لعبد الله الطيب

هو كتاب تغلب عليه روح الدّعابة البارعة مع الأُسطورة والخيال، وقد قدّم له مؤلفه بأفصح الكلام المبسط فقال:
"كانت الجدات في زمان مضى يسلين أطفالنا بُعَيْدَ المساء بحكايات ومسائل في الأُنس يقال لها الحُجى، وأصل ذلك من الْحِجى بكسر الحاء وهو العقل والذكاء، وكان الأرَبُ من هذه الحكايات شحْذ الأذهان، وإدخال السرور في نفوس الصغار ريثما يغلب عليهم النعاس، وفي ما يلي حكايات راعينا فيها الطريقة القديمة، وحرصنا على أن نحتفظ بكثير من عباراتها، من أسجاع وما أشبه، والآن حين نبدأ بعون الله نقول، كما كانت تقول الجدات، والأمهات في الزمان القديم: "حجّيتكم ما بَجّيتكم، خيراً جانا وجاكم، أكل عشاكم، وجري وخلاكم. وكانت الجدات يقُلن للإعلان بنهاية كل قصة: «تَمَّت وختمت، وانحترت وانبترت في جحر الصغير فينا».

ومن حكايات كتاب «الأحاجي السودانية»

أُقصوصة «النيتو واللَّعيب» التي تحكي عن فتاة دميمة تُدعي "النيتو" وقد احتال والدها على "محمد الشاطر" كي يزوجه إياها مُوهماً إياه بأنها باهرةُ الجمال مما حدا بالشاكر أنْ يدفع مهراً قدره قنطاراً من الذهب، وبعد أن دفع "محمد الشاطر" المهر نَمَىْ إلى سمعه قُبْحُ ودمامةُ "النيتو" فأرسل خادمه "بشارة" ليتلصص عليها حتى يأتيه بالخبر اليقين في صفاتها، وأفلح "بشارة" في مهمته" حيث شاهدها، وعاد إلى سيده بالخبر اليقين، ودار بينه وبين سيده هذا الاستجواب الحواريّ المضحك الظريف:

محمد الشاطر: كيف وش النيتو؟.

بشارة: كدوسك المصيتو.

محمد الشاطر: كيف عيون النيتو؟.

بشارة: كديسك الزازيتو.

محمد الشاطر: كيف خشم النيتو؟.

بشارة: كنتوش ملاحك التكيتو.

محمد الشاطر: كيف شعر النيتو؟.

بشارة: صوف كديسك البليتو.

محمد الشاطر: كيف إيد النيتو؟.

بشارة: مغيزلك التريتو.

محمد الشاطر: كيف بطن النيتو؟.

بشارة: كرتوبك الوسط الديار رميتو.

محمد الشاطر: كيف ضهر النيتو؟.

بشارة: قوسك الحنيتو.

محمد الشاطر: كيف كفل النيتو؟.

بشارة: طارك الدقيتو.

محمد الشاطر: شن يحلني من النيتو؟.

بشارة: جَمَلك إن شديتو، ومَالك إن خليتو.

محمد الشاطر: ما أفصحك وما أوجزك يا بشارة.

وبالفعل شدَّ "محمد الشاطر" جَمَلَهُ، وترَك ماله ورحل، وبارت "النيتو" ولم يتزوجها.

أضواء

طريق سمرقند للشاعر الراحل عبد الله الطيب

حبذا أنت والجبين الأغرُّ

والوريد الذي عليه يدرُّ

قد ذكرناك يا هناة على البعد

الذي دونه الزعازع قرُّ

ووجدنا العطر الذى عند كفيك

وكنا لك الغرامَ نُسرُّ

ما رأينا سيحان إلا من الجو

وجيحان والحشا مُقشعرُّ

والجناحان يرجفان من الفولاذ

كالريش والشباب يغرُّ

وذكرناك يا هناة بتشقند

وذكراك يا هناة تسرُّ

والسباريت دون بحر خوارزم

إلى الصين سرها مستسرُّ

ورأينا مدى مدينة تشقند

وفيها الدخان والآجرُّ

وأرونا ما كان قد صنع

الزلزال فيها وغيرنا يغترُّ

والقيان اللاتي رقصن طويلا ت

وفى رفرف البرانس غرُّ

وعليهن كالجواري من الصغد

العمامات والقلانس دُرُّ

والضفيرات قد بلغن إلى الأكفال

والسوق والصدور تكرُّ

والخطى الساحرات والأذرع الجزلة

والخز وَشْيُهُ مسبكرُّ

والثغور الحسان منهن في

بحبوحة الرقص حُسْنَ ما تفترُّ

وامرؤ القيس ما رأى مثلما

شاهدت منهنَّ حين شاقته هرُّ

وعظام الخدود منهن برزات

من الحاجبين واللون حرُّ

والتي أشبهتك جيداء فرعاء

رداح هركولة هيدكرُّ

ولها خنجران فى مقلتيها

تُشرعان القتالَ والحسن شرُّ

طالما قد صبرت يا أيُّها الشاعر

والصبر لو شفاك مقرُّ

ورأينا الرمان فاكهة الجنة

والضيف قانعٌ معترُّ

وحضرنا المناقشات التي طالت

ومنها المكرّر المضطرُّ

وسئمنا من الغباوة من قبلُ

ومن بعدُ والنفاق يُضِرُّ

وحثونا التراب في أوجه الأوغاد

لسنا عن القتال نَفِرُّ

وادكرناك يا هناة ادكارات

وللهمِّ عسكرٌ مُكفهرُّ

وأغذَّ القطارُ بين الطرابيل

وقرىً والضيم لست أُقِرُّ

والظلام الذي أطلَّ على القفر

إلى النيل ليله مستمرُّ

والغبار الذي له وحشة الخاطر

تزداد هَبْوُهُ مُستحرُّ

وشخوص الطغام في عربات النوم

حتى بهنَّ ضاق الممرُّ

والقلوص التي تَحِنُّ مع الشاعر

قد بان روضها المخضرُّ

حبذا أنت يا هناةُ

وعيناك رؤومان والمحبة برُّ

ووددناك والودادة من

أُعطية الله والرماد يُــذرُّ

وحفظنا هواك في شعب القلب

التي عن سواه ليست تفرُّ

وذكرناك في سباسب تكرور

وللتوروا ظلال ودرُّ

والفتاة الشقراء ذات حمامات

وتدعو وصوتها ساقُ حرُّ

وذكرناك في خرائب سامرا

وبغداد بردها مزمهرُّ

وذكرناك بعدها بسمرقند

ورُمناك والمزارُ زورُّ

وذكرناك في القطار الذي

أسرع بالقاع والزمان يمرُّ

واليباب البعيد منزلة الساحل

في بِيْدِهِ إلى الغاب ذرُّ

ورأينا القطن الذي في السرايات

وفي الروض ماؤه مستقرُّ

ورأينا النهر الذي صنع

الماضون تيارُه مِكَرٌّ مِفَرُّ

والليالي يُخَبِّأْنَ بَعْدُ الأعاجيبَ

ويا رُبَّما القوي يترُّ

والتلال البعاد أذْكَرْنكَ النيلَ

وبين القلوب عهدٌ ممرُّ

واخضرارٌ كريف مصر

و فلاحون والأرض لونها مغبرُّ

وعلى الكون من طمانينة الفجر

خشوعٌ والشمس كادت تدرُّ

والبيوت التي من الطين أشبهن

بلادي فدمع عينيَ ثرُّ

وشجتك المناظر الأُزبكيات

التي مسَّ أهلهن الضرُّ

ووجوه الشيوخ تحت

العِمامات وهيهاتَ أين المفرُّ؟

وتلقيننا النساء يغنين

بأمر الولاة والفنُّ حرُّ

والمغولي حينما نفخ البوق

لأعماق أمسه يجترُّ

والمنارات في سمرقند أحزنك

والدهر بالحوادث مرُّ

وعفت أربع البروج من المسجد

والرسم منه كاد يخرُّ

وقديماً كانت تنصُّ له العيس

وكانت بناؤها مُشمخرُّ

وعلى الرمل من بُخاتي أهل النهر

ركب إلى الحجاز اسبطرُّوا

يا خليليَّ علِّلاني بكاسٍ

تطردُ الهمَّ فالطواغيتُ سرُّوا

إنَّ ذات الجبين والحاجب الصَّلت

لها بالجمال طرف طمرُّ

ولها في فؤادك الْخُلْدُ

والكوثرُ والسلسبيلُ والعبقرُّ

حبذا أنتِ واسلمي وتباركتِ

وبُوركتِ والهوى لك غرُّ

والقناديل في مُحياك

والفتنة عيناك والرماح تُجَرُّ


thumb qr1 
 
thumb qr2
 

إحصاءات

عدد الزيارات
16454916
مواقع التواصل الاجتماعية
FacebookTwitterLinkedinRSS Feed

صور متنوعة