واحة ابن رشد 
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد الأندلسي القرطبي، ولد سنة 520 هـ/ 1126م، وقد اشتهر بالطب والفلسفة والرياضيات والفلك، وتوفي سنة 595 هـ/ 1198 ميلادية

 

واحة ابن رشد
د. محمود السيد الدغيم

1
ابن رشد هو أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد الأندلسي القرطبي، ولد سنة 520 هـ/ 1126م، وقد اشتهر بالطب والفلسفة والرياضيات والفلك، وتوفي سنة 595 هـ/ 1198 ميلادية، وكان فيلسوفا، طبيباً، وقاضي قضاة، ونحويا، لغوياً، محدثاً بارعاً يحفظ شعر، وكان متواضعاً، لطيفاً، دافئ اللسان، جم الأدب، قوي الحجة، راسخ العقيدة، يحضر مجالس حلفاء "الموحدين" وعلى جبينه أثار ماء الوضوء.
وهو حفيد ابن رشد المتوفى سنة 520هـ/ 1126م. ويسميه الفرنج averroes. وقد ولد في قرطبة سنة وفاة جده. وكان أبوه قاضيا وكان جده من قبله قاضي القضاة، وهو من أسرة كبيرة مشهورة بالفضل والرياسة.
درس ابن رشد الفقه والأصول ودرس من علوم الأوائل الطب والرياضيات والفلسفة وتولى القضاء سنوات في إشبيلية ثم في قرطبة، وعاش ابن رشد في بيئة كان فيها لكل العلوم, عند أهل الأندلس, حظ واعتناء إلا الفلسفة والتنجيم, ما عدا بعض الخاصة, فكانوا لا يتظاهرون بها خوف العامة, فكانت العامة تطلق اسم زنديق على كل من يشتغل بهما.
وقد نشأ ابن رشد في ظل دولة الموحدين, وملكهم يومئذ أبو يوسف يعقوب المنصور بن عبد المؤمن الذي أمر بإبعاده إلى (أليسانة) قرب غرناطة، ثم نفي إلى بلاد المغرب، وتوفي في مراكش عن 75 عاما، ونقلت جثته إلى قرطبة، وبموته تفرق تلاميذه ومريدوه، وقد خلف  ابن رشد كتبا بالفقه والأصول واللغة والطب والفلسفة والفلك, ولما كان شديد الإعجاب بأرسطو فقد عني بفلسفته وتولى إيضاحها، وشرح آراء أرسطو في الكون وفسر غامضها. وفي الطب كان ابن رشد أعظم أطباء زمانه فقد كان أول من شرح في كتابه (الكليات) وظائف أعضاء الجسم ومنافعها شرحا مفصلا ودقيقا.
وصنف ابن رشد نحو خمسين كتابا في مختلف العلوم منها (التحصيل) في اختلاف مذاهب العلماء, و (الحيوان) و (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال) و (منهاج الأدلة) في الأصول. و (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) في الفقه و (جوامع كتب أرسطاطاليس) في الطبيعيات والإلهيات و (تلخيص كتب أرسطو) و (الكليات) في الطب, و (شرح أرجوزة ابن سينا) في الطب ورسالة في حركة الفلك. و (الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة) وقد رد عليه الإمام تقي الدين ابن تيمية وناقش أقواله فيها، وترجمت أكثر كتبه, وخاصة الفلسفية, إلى اللاتينية والعبرية والإسبانية, وترجمها المستشرقون إلى الألمانية والإنكليزية والفرنسية.
2
أجناس المخاطبات الصناعية
قال ابن رشد في تلخيص السفسطة: إن أجناس المخاطبات الصناعية التي يمكن أن تتعلم بقول أربعة أجناس:
المخاطبة البرهانية.
والمخاطبة الجدلية.
والمخاطبة الخطبية.
والمخاطبة السوفسطائية.
وهذه المخاطبة إذا تشبه بها مستعملها بالحكماء خصت بهذا الاسم، وإذا تشبه بها بالجدليين، سميت مشاغبية.

1: فالمخاطبة البرهانية هي التي تكون من المبادئ الأول الخاصة بكل تعليم، وهي التي تكون بين عالم ومتعلم بشأن أن يقبل ما يلقى إليه المعلم، لا أن يفكر فيما يبطل قول المعلم، مثل ما يفعله السوفسطائيون.
2: والمخاطبة الجدلية هي التي تأتلف من المقدمات المشهورة المحمودة عند الجميع أو الأكثر.
3: والمخاطبة الخطبية هي التي تكون من المقدمات المظنونة التي في بادئ الرأي.
4: والمخاطبة المشاغبية هي المخاطبة التي توهم أنها جدلية من مقدمات محمودة، من غير أن تكون كذلك في الحقيقة.
3
المخاطبة المشاغبية، أي: المغلطة

فلنقل أولا في أغراض هذه المخاطبة، فنقول: إن مقصد هذا الجنس من الكلام هو أحد خمسة مقاصد:
1: إما أن يبكت المخاطب.
2: وإما أن يلزمه شنعة وأمراً هو في المشهور كاذب.
3: وإما أن يشككه.
4: وإما أن يصيره بحيث يأتي بكلام مستحيل المفهوم.
5: وإما أن يصيره إلى أن يأتي بهذر من القول يلزم عنه مستحيل من المفهوم بحسب الظن.
فهذه الأغراض الخمسة هي التي يؤمها السوفسطائيون، وأشهر هذه الأغراض الخمسة إليهم، وأكثرها مقصوداً عندهم هو:
 التبكيت، ثم يتلو ذلك التشنيع على المخاطب، ثم يتلو ذلك التشكيك، ثم يتلو ذلك استغلاق الكلام واستحالته، ثم يتلو ذلك سوقه إلى الهذر والتكلم بالهذيان.
4
التبكيت

والتبكيت والتغليط منه ما يكون من قبل الألفاظ من خارج، ومنه ما يكون من قبل المعاني.
والذي يكون من قبل الألفاظ ستة أصناف:
أحدها: اشتراك اللفظ المفرد،
والثاني: اشتراك التأليف،
والثالث: الذي من قبل الإفراد،
والرابع: الذي من قبل القسمة،
والخامس: اشتراك شكل الألفاظ،
والسادس: من قبل الإعجام.
وهذه القسمة تعرف من القياس والاستقراء.
1: فمثال اشتراك الاسم المفرد قول القائل: المتعلم عالم، لأن المتعلم يعلم، والذي يعلم عالم، فالمتعلم عالم.
ووجه المغالطة في هذا أن لفظة (يعلم) تقال على الزمان المستقبل، وتقال على الحاضر، فهي تصدق على العالم في الحاضر، وعلى المتعلم في المستقبل.
وكذلك قول القائل أيضاً: بعض الشر واجب، والواجب خير، فبعض الشر خير.
والمغالطة في هذا أن اسم ) الواجب (دل في قولنا: ) بعض الشر واجب (على ما يدل عليه اسم ) الضروري ( ودل في قولنا: ) والواجب خير (على ما يدل عليه ) المؤثر والشيء الذي ينبغي .
2: وأما اشتراك التأليف فهو أصناف، وذلك أنه قد يكون من قبل التقديم والتأخير، كمن يقول: الشريف هو العالم، إذا أراد أن العالم هو الشريف، فيوهم بتقديم الشريف وتأخير العالم أن المحمول في هذا القول هو العالم، والشريف هو الموضوع.
3: وقد يكون اشتراك التركيب من قبل تردد الضمير بين معنى أكثر من واحد. مثل قول القائل: ما يعرف الإنسان فهو يعرف، والإنسان الحجر، فالحجر إذن يعرف.
وإنما وقعت هذه المغالطة، لأن لفظ ) يعرف (قد يقع على العارف والمعروف.
ومثل قول القائل: ما قال الإنسان إنه كذلك، فهو كذلك، وقال الإنسان صخرة، فالإنسان صخرة.
والسبب في ذلك أن لفظة ) هو (مرة تعود على الإنسان، ومرة تعود على القول.
4: وقد يكون الاشتراك من قبل الإضافة مثل قولك: أعجبني ضرب زيد. فإنه يحتمل أن يكون زيد مضروباً وضارباً.
5: وقد يكون من قبل الحذف والنقصان، مثال ذلك أن يقول القائل: إن الذي لا يمشى، يستطيع أن يمشى. والذي لا يكتب، يستطيع أن يكتب. فيكون ذلك صادقاً. فإذا حذفت لفظة ) يستطيع (فقال: الذي لا يمشى، يمشى؛ والذي لا يكتب، يكتب، أَوْهَمَ أن الذي ليس بماش ماش، والجاهل بالكتابة كاتب. ويشبه أن يعد هذا في باب الإفراد
5
القول من المغلطات من المعاني

قال ابن رشد: والمواضع المغلطة من المعاني سبعة مواضع:
أحدها: إجراء ما بالعرض مجرى ما بالذات؛
والثاني: أخذ المقيد مطلقاً، بأن يؤخذ ما سبيله أن يصدق مقيداً فقط، على أنه صادق بإطلاق. وأعنى ما كان مقيداً بصفة، أعنى بصفة ما، إما بزمان، أو بمكان، أو غير ذلك من أنواع التقييدات؛
والثالث: الغلط الذي يقع من قلة العلم بشروط التبكيت، وإنتاج مقابل ما اعترف الخصم بوجوده؛
والرابع: موضع اللاحق؛
والخامس: المصادرة على المطلوب؛
والسادس: أخذ ما ليس بسبب على أنه سبب؛
والسابع: أخذ المسائل الكثيرة على أنها مسألة واحدة.

1: فالمغلطات التي تكون مما بالعرض تقع متى اتفق أن يحمل شيء على شيء بالذات، ويتفق لأحد الشيئين أمر بالعرض، فإنه يظن أن ما بالعرض يوجد لأحد ذينك الشيئين بالذات.
ومثال ذلك قول القائل: زيد المشار إليه غير الإنسان، وزيد إنسان، فالإنسان غير الإنسان.
وذلك أن حمل الإنسانية على زيد هو بالذات. وعرض لزيد من جهة ما هو شخص أن كان غير الإنسان الذي هو نوع كلى، فظن لذلك أنه يلز
ومثال ذلك أيضاً قول القائل: زيد غير عمرو، وعمرو إنسان، فزيد غير إنسان.
2: وأما التغليط الذي يعرض من أخذ المقيد مطلقاً، فمثل أن يقول قائل: إن كان ما ليس بموجود فهو متوهم، والمتوهم موجود، فما ليس بموجود فهو موجود.
أو يقول: إن كان ما هو موجود متوهماً ليس بموجود، فما هو موجود، فليس بموجود.
وهذا إنما يصدق إذا قيد، لا إذا أطلق. وذلك أن ما ليس بموجود خارج الذهن، فهو موجود في الوهم لا بإطلاق. وكذلك ما هو موجود في الوهم، فهو غير موجود خارج الوهم لا بإطلاق.
وأعنى أن يكون الشيء يصدق لا بإطلاق، فيلزم منه أن يصدق، وإنما يعرض الغلط في هذا الموضع إذا عرض أن يكون الخلاف بين المطلق والمقيد في المعنى يسيراً وخفياً. وكلما كان الخلاف أخفى، كان الغلط فيه أكثر، والوقوف على وجه الغلط فيها أعسر. وكلما كان أظهر، كان الغلط فيه أقل، والوقوف عليه أسهل. وذلك يختلف بحسب المواد. وفي بعض المواضع يمكن أن يعرض فيه غلط ليس يسهل حله. وفي بعض المواضع يعرض فيه غلط بسهل حله.
ومثال ذلك أن يقول قائل: الزنجي أسود، والزنجي أبيض الأسنان، فالزنجي إذاً أسود أبيض معاً.
فإنه قد يمكن أن يعرض في مثل هذا الغلط، إذ كان الخلاف الذي بين سواد الزنجي وبياض أسنانه خفي. ولذلك يمكن أن يسلم إنسان ما أن الزنجي أسود، ويسلم أنه أبيض من قبل بياض أسنانه، وذلك أنه ليس يخفى جداً. ولذلك قد يسهل على كثير من الناس حله.
وفي بعض المواضع لا يقع في ذلك غلط لظهور الخلاف بينهما، مثل أن يقول قائل:الزنجي إنسان أسود، والإنسان أبيض.فإنه ليس يعرض عن هذا القول أن يظن أن الإنسان الأسود أبيض، إذ كان الأبيض والأسود صنفين من الناس معلومين، والخلاف بينهما ظاهر جداً، ومكشوف للجميع. ولذلك ليس يمكن أحد أن يسلم أن الإنسان الزنجي أسود، والإنسان أبيض. ويمكن أن يسلم أن الزنجي أسود وأبيض من قبل أسنانه.
3: وأما الموضع الذي يعرض الغلط فيه من إغفال أحد شروط التبكيت، فلذلك يقع من عدم المعرفة بشروط القياس المنتج للتبكيت، وعدم معرفة شروط النقيض.
وذلك أن النقيض ليس هو الذي يناقض في اللفظ فقط، بل وفي المعنى، أعنى أن يكون المعنى بعينه في القضية الموجبة هو بعينه المعنى في القضية السالبة التي تقابلها من جميع الجهات. وإنما يكون كذلك، إذا كان المعنى المحمول فيهما واحداً والموضوع واحداً، وتكون سائر الشرائط التي تشترط بعينها في إحدى القضيتين المتقابلتين هي بعينها مشترطة في الثانية: من زمان، ومكان، وجهة، وغير ذلك مما قيل في الكتاب المسمى ) بارى أرميناس (. وإنما كان هذا الموضع مغلطاً، لأن بعض الناس يرى أنهم إذا نقضوا القضية التي يدعيها الخصم أنهم قد بكتوا، من غير أن ينقضوها على الشروط التي حددت فيما سلف، مثل أن يضع واضع أن هذا ضعف لهذا، فبين مبين أنه ليس بضعف.

ويكون قولنا فيه إنه ليس بضعف، يصدق عليه بجهة غير الجهة التي تصدق بها أنه ضعف، فيظن الفاعل لهذا أنه قد بكت، مثل أن يصدق أن الخط ضعف للحظ من جهة الطول، وغير ضعف من جهة العرض، إذا الخط طول لا عرض له.

6
القياس المغالطي

قال ابن رشد في تلخيص السفسطة: والقياس المغالطي منه مرائي ومشاغبي، ومنه سوفسطائي.
1: والمشاغبي: هو القياس الذي يوهم أنه قياس جدلي، من غير أن يكون كذلك بالحقيقة، وهو الذي يتشبه صاحبه بصناعة الجدل، ويطلب به غاية صاحب الجدل، وهى الغلبة.
2: والقياس السوفسطائي: هو الذي يتشبه صاحبه بالمبرهن، فيوهم أنه حكيم، من غير أن يكون كذلك. وهذا القياس أصناف:
منه ما يكون من الأمور الكاذبة الخاصة بجنس جنس، وهو الذي حله لصاحب تلك الصناعة، مثل ما فعل رجل من قدماء المهندسين يقال له بقراط. فإنه لما عمل مربعاً مساوياً للشكل الهلالي، ظن أنه وجد مربعاً مساوياً للدائرة، بأن ظن أن الدائرة تنقسم إلى أشكال هلالية حتى تفنيها.
فهذا الغلط هو خاص بصناعة الهندسة، وحله على المهندس.
ومنه ما يكون من الأمور الكاذبة التي هي أعم من ذلك الجنس، مثل من زعم من المهندسين أنه إذا عمل مربعاً ثم قسم القوس التي تحيط بكل واحد من أضلاع المربع بنصفين، وأخرج منها خطين إلى طرفي الضلع، ثم قسم القوس المحيطة بذينك الخطين بنصفين، وأخرج، وفعل ذلك دائماً، فإنه ينتهي بذلك الفعل إلى أن تنطبق أضلاع الشكل المستقيم الخطوط الذي داخل الدائرة على محيط الدائرة، فيوجد شكل مستقيم الخطوط مساوياً للدائرة. فإن هذا جحد المبادئ التي يستعمل المهندس وهو أن القسمة تمر في الخطوط إلى غير نهاية، وأنه ليس ينطبق خط مستقيم على مستدير.
فهذا القياس هو سوفسطائي من جهة تشبه بالمبرهن، وهو مشاغبي من جهة أن مقدماته الكاذبة عامة. ولذلك كان لصناعة الجدل حل أمثال هذه المقاييس. فعلى هذا يكون القياس المشاغبي هو القياس الكاذب الذي تكون نسبته إلى صناعة الجدل نسبة القياس الذي يضع رسوماً وأشكالا كاذبة إلى صناعة الهندسة. لكن الفرق بينهما أنه ليس لصناعة الجدل موضوع محدود، لا عام على ما عليه الفلسفة الأولى، ولا خاص على ما عليه الصنائع البرهانية الجزئية.
وقد يظن أنه قد يكون نوع من القياس صادق، إلا أنه إذا استعمل فى الصنائع البرهانية على أنه خاص بذلك الجنس، نسب إلى صناعة السفسطة.
وذلك أن البراهين ليس من شرطها أن تكون مقدماتها صادقة فقط، بل وأن تكون مناسبة، وهى الخاصة بذلك الجنس. وذلك مثل ما ربع به بروسن الدائرة. فإنه لما عمل شكلا مستقيم الخطوط أعظم من كل شكل مستقيم الخطوط واقع في الدائرة، وأصغر من كل شكل مستقيم الخطوط محيط بالدائرة، قال إن هذا الشكل هو مساو للدائرة، لأن الدائرة هي أصغر من كل شكل مستقيم الخطوط يحيط بها، وأعظم من كل شكل مستقيم الخطوط تحيط به. وإذا كان شيئان كلاهما أصغر من شيء واحد بعينه، وأكبر من شيء واحد بعينه، فهما متساويان. فإن هذا يوهم أنه برهاني، وليس ببرهاني. فهو مرائي.
فإذن لا يحيط علماً بأنواع القياسات المغلطة إلا من وقف على القياس الجدلي الصحيح والقياس البرهاني الصحيح، وهو الذي مقدماته، مع أنها صادقة، مناسبة. والصناعة البرهانية لما كانت تقتصر على إثبات أحد النقيضين، وهو الصادق، وإبطال النقيض الآخر الذي هو الكاذب. لم يضع مقدماتها من جهة السؤال. لأن المجيب قد يسلم ما ليس هو صادقاً. وأما صناعة الجدل فلما كانت معدة معرضة لأن تثبت كل واحد من النقيضين وتبطله كانت مقدماتها مأخوذة بالسؤال، ولم يكن قصدها تبيين شيء من الأشياء إلا إذا استعملت فى تبيين المبادئ الأول مع من يجحدها، على ما تبين في كتاب الجدل.
7
الامتحان الجدلي

والصناعة الامتحانية الجدلية تستعمل من أجناس المقاييس السوفسطائية الجنس الذي يكون من المقدمات العامة الكاذبة التي ليست بخاصة بجنس من الأجناس، إذ كانت ليس لها موضوع خاص، لأنها جزء من صناعة الجدل. وليس صناعة الامتحان الجدلية، ولا بالجملة صناعة الجدل عند من يتعاطاها، كصناعة الهندسة، وغيرها من الصنائع البرهانية. فإن صناعة الامتحان الجدلية، والجدل نفسه، لما كان ليس لها موضوع خاص، وكانت المقدمات المشهورة مشتركة المعرفة للجميع أمكن أن يشارك العوام ومن لا علم له بصناعة الجدل والامتحان من عنده علم بهذه الصناعة، بخلاف الأمر فى صناعة الهندسة، أعنى أنه ليس يوجد أحد يشارك المهندس في صناعته. لكنهم وإن شاركوا أهل هذه الصناعة، فمشاركتهم هي مشاركة يسيرة. ولما كانت صناعة الامتحان الجدلي تستعمل التبكيت العام المغالطي من جهة أنها ليس لها موضوع محدود، وكانت هذه الصناعة، أعنى السوفسطائية، بهذه الحال، لأنه ليس لها جنس مخصوص، فبين أن معرفة المباكتات المغلطة تشترك فيها صناعة الامتحان الجدلي، وصناعة المشاغبية.
ويتبين من هذا أنه ليس السوفسطائي الذي بين أهل هذه الصناعة هو الذي يبكت ويغلط المغالطة الخاصة بجنس جنس من أجناس العلوم البرهانية كما تقدم. وأيضاً فإن صناعة الجدل قد يجب عليها أن تعرف أصناف المباكتات المغلطة العامة ليتحفظ منها، كما يجب على صاحب صناعة صناعة من الصنائع الخاصة أن يعرف أصناف المغالطات التي في تلك الصناعة. ولهذا كله وجب أن تشترك هاتان الصناعتان، أعنى الجدل والسفسطة. 
8
القول في النقض

 قال: وينبغي للمجيب في جميع المسائل أن يتقدم فيرد القول الكاذب، ويعرف مع رده له من أي جهة عرض له الكذب. فإن هذا هو النقض المستقيم.
ولما كان الكذب يعرض في القيا س إما من جهة مقدماته، يعني أن تكون كلتاهما كاذبتين، أو تكون إحداهما هي الكاذبة، وإما من جهة تأليفه أو شكله أو من كليهما معاً، فالنقيض المستقيم إنما يتأتى للمجيب إذا قسم القول السوفسطائي إلى كل واحد من هذين القسمين، ونظر في أيهما عرض الكذب. فإن كان الكذب في كليهما عرف به. وهذا النوع من القياس السوفسطائي الذي يمكن نقضه بوجهين، فهو أسهل، أعني الفاسد الصورة والمادة. وإن كان في أحدهما عرف به أيضاً. أما إن كان في الشكل، عرف أنه غير منتج. وأما في المقدمات، فبأن يرفع ما وضع السائل. وهذان النوعان من القياس إنما يمكن نقضهما بجهة واحدة. وإذا كان هذا هكذا، فينبغي لمن أراد نقض الأقاويل القياسية أن ينظر أولاً هل ذلك القول قياس حقيقي، أو يظن أنه قياس، وليس بقياس، وذلك بالنظر إلى شكله، وإلى مقدماته. فإن لم يبن ذلك فيهما، أعني هل هي صادقة، أو كاذبة. فإن كانت كاذبة، قسم القياس إلى مادته وصورته، ونظر في الكاذب منهما، إذ قد تبين أن النتيجة الكاذبة تكون ولا بد عن كذب في القياس إما من قبل صورته، وإما من قبل مادته. وفرق كبير بين سهولة تبيين الكذب في مقدمات القياس في وقت السؤال بها وبين تبيينه في النتيجة. وذلك أن تبيينه في النتيجة سهل، لأنه ليس هنالك سؤال يضطرنا إلى الجواب على البديهة. تبيين الشيء مع الفكرة أسهل من تبيينه على البديهة.
9
التبكيتات
قال ابن رشد: وأما التبكيتات التي تعرض من قبل اشتراك الاسم ومن قبل المشاغبة اللفظية، فإن منها ما يعرض الغلط فيه، أو المغالطة، من قبل الاسم المشترك المأخوذ في المقدمات، ومنها ما يعرض من قبل الاسم المشترك المأخوذ في النتيجة، أعني إذا لم يفهم أنه يدل على كثير. مثال ذلك أن من سلم أن الساكت يتكلم، والمتكلم غير ساكت، وظن أنه قد لزمه التبكيت، وهو أن الساكت غير ساكت، فليس سبب تبكيته في هذا هو جهله بالاشتراك الذي في المقدمة القائلة إن الساكت يتكلم، وذلك أنه إنما فهم منها المعنى الصادق فسلمه، وهو أن الساكت له قدرة على الكلام؛ ولا أيضاً سبب تبكيته جهله بالاشتراك الذي في المقدمة الثانية وهو أن المتكلم غير ساكت. فإنه إنما فهم منها المعنى الصادق فسلمه. ولكن سبب تبكيته هو جهله بالاشتراك الذي في النتيجة وهو أن الساكت غير ساكت. فإنه لو شعر بالاشتراك الذي في هذه النتيجة، لقسم، فقال: الساكت قد يصدق عليه أنه غير ساكت من جهة أن له قدرة على أن لا يسكت وأن يتكلم فيما بعد.
وأما من سأل فقال: أليس ما يعلم الإنسان ليس بعلم، وما ليس يعلم فليس له علم بشيء، فالإنسان إذن ليس له علم بما يعلم، فتم على المجيب هذا التبكيت بأن سلم له هذه المقدمات. فإنما عرض له التبكيت من قبل الاشتراك الذي في تأليف المقدمة القائلة: إن ما يعلم الإنسان ليس يعلم. وذلك أن هذه المقدمة إنما يسلمها من لم يشعر بأن المضمر الذي في ) يعلم (مرة يعود على المعلوم، ومرة على العالم. فإذن سبب التبكيت هاهنا إنما هو الاشتراك الذي في المقدمة، لا الاشتراك الذي في النتيجة، بخلاف الموضع الأول.
قال ابن رشد: وهذه المسائل التي يكون التبكيت فيها من قبل الكثرة التي يدل عليها الاسم المشترك أو اللفظ المشاغبي إنما ينعقد التبكيت فيه متى كان القول نفسه يلزم عنه نقيضه.
وليس يعرض هذا في قياس الخلف في كل المسائل. وذلك أن قياس الخلف منه ما يكون الكاذب اللازم عنه نقيض ما وضع فيه، مثل أن يلزم من وضعنا أن الأعمى يبصر أن يكون الأعمى ليس بأعمى. ومنه ما يكون الكاذب فيه نقيضاً لمقدمة معلومة، إلا أنها لم توضع جزء قياس، مثل أن يلزم عن قولنا: إن الأعمى يتخيل الألوان. وذلك كذب. إلا أنه لم يرفع منه الذي وضعنا.
10
نقض المباكتات

قال ابن رشد: والنقض لهذه المباكتات التي تكون من قبل اشتراك الاسم إما في المقدمات كما قلنا، وإما في النتيجة، فيكون بأن يتقدم النجيب عند السؤال فيقسم الاسم المشترك إلى أنحائه، ويعرف الصادق منها من غير الصادق بأن يسمى ذلك، فليزد الشرط الذي به تكون المقدمة صادقة على جهة الاستثناء، مثل إن سأله سائل: أليس للساكت أن يتكلم، فقال: نعم، له أن يتكلم، فإنه يجب عليه أن يتدارك ذلك. فيقول: لكن لا في حين سكوته. وكذلك إن أجاب بأنه ليس يتكلم، تدارك ذلك. فقال: لكن يتكلم في المستقبل. وكذلك إذا سئل: أليس كل من علم شيئاً فليس يجهله. فقال: نعم. فإنه يجب عليه أن يزيد، فيقول: من الجهة التي علمه. فإذا فعل ذلك، لم تتم عليه المغالطة المشهورة التي كان القدماء يستعملونها. فإنهم كانوا يسألون، أ ليس من علم شيئاً من الأشياء فهو لا يجهله أصلا؟ وأنت تعلم أن كل اثنين عدد زوج وكنت لا تعلم هذين الاثنين اللذين خبأت لك، قبل أن أظهرها لك. فأنت إذن تعلم الشيء وتجهله معاً. وإنما قلنا إنه إذا اشترط من جهة ما علمه أنه ليس تلزمه هذه المغالطة، لأنه يقول: علمتها بالعلم الكلي، ولم أعلمها بالعلم الجزئي. فإذن الذي علمت ليس الذي جهلت.


thumb qr1 
 
thumb qr2
 

إحصاءات

عدد الزيارات
15196242
مواقع التواصل الاجتماعية
FacebookTwitterLinkedinRSS Feed

صور متنوعة