ذكرى مرور عامين على رحيل الدكتور إحسان عباس رمز التواضع والحياء والزُّهد

شُيِّعت جنازته في العاصمة الأردنية عمان حيث رحل في يوم الخميس 31 – 07 – 2003م، وهو في سنَّ الثالثة والثمانين

الدكتور إحسان عباس

ذكرى مرور عامين على رحيل الدكتور إحسان عباس رمز التواضع والحياء والزُّهد

د . محمود السَّيِّد الدّغيم
باحث أكاديمي سوري مقيم في لندن

ملاحظة : نشر هذا البحث في ملحق التراث، الصفحة: 15 في العدد: 15488 من جريدة الحياة، يوم السبت 22 رجب سنة 1426 هـ/ 27 آب/ أغسطس سنة 2005م. على الرابط التالي

رجاءً اضغط هنا / مرور عامين على رحيل الأديب إحسان عباس

 

مرّ عامان على رحيل فقيد الأدب والثقافة العربية الدكتور الفلسطيني إحسان عباس الذي شُيِّعت جنازته في العاصمة الأردنية عمان حيث رحل في يوم الخميس 31 – 07 – 2003م / 02 – 06 – 1424 هـ، وهو في سنَّ الثالثة والثمانين بعد معاناة مع المرض استمرت ستة أشهر، وأدخله المرض في غيبوبة استمرت عدّة أيام قبل وفاته، وقد خلّف وراءه أسرة مكونة من أم إياس ونرمين وإياس وأسامة، فله الرحمة ولهم طول البقاء، أما أسرته العلمية والأكاديمية فتضم الكثير من طلابه وزملائه المنتشرين في العالم.

لم يكن يخطر ببالي ذات يوم أن ألتقي المؤرخ والأديب الموسوعي إحسان عباس، وكنت أعتبر نفسي محظوظاً حينما أظفر بكتاب من الكتب التي ألفها أو حققها أو ترجمها، ولما التحقت بالدراسة الجامعية في بيروت متأخراً سنة 1977م، صارت تراودني فكرة لقاء الأستاذ الدكتور إحسان عباس، ثم أتردد جراء ما استقرّ في تفكيرنا من دعايات سياسية تؤدي إلى الاعتقاد بأن كل من يعمل في الجامعة الأميركية في بيروت أو القاهرة هو متّهم بالعمالة للإمبريالية الأميركية التي كانت تخوض حرباً باردة مع الاتحاد السوفيتي السابق وما يتبعه من أنظمة شيوعية أو اشتراكية، وكان تفكيرنا الساذج ضحية من ضحايا تلك الحرب الإعلامية الإعلانية الباردة.

وأول مرة شاهدت فيها الراحل إحسان عباس كانت في معرض الكتاب في الصالة الزجاجية في بيروت، حيث اصطحبني إلى هناك الصديق فرحان صالح الذي عرّفني على الكثير من رجال الفكر والأدب في بيروت منارة الثقافة العربية، ومرّت السنوات، وبعد الحصول على الشهادة الجامعية، دخلتُ مجال الدراسات العليا في الماجستير، والعمل مُحرراً في مجلة الفكر العربي التي كان مديرها الدكتور رضوان السيد أدامه الله، وضمني مكتب واحد مع الزملاء حسن نصر الله وطلال سهيل، ثم تغير المكتب فضمني مكتب آخر مع طلال حرب وريتا حمدان، وجاء حصار بيروت فتفرق رواد بيروت الثقافة، وحلَّتْ محلهم قوى التخريب والاحتلال.

في تلك السنة بدأ الحاجز الفاصل بيني وبين حملة الدكتوراه أقل مناعةً من ذي قبل. ولعل الأمر الذي قرب الهوّة بيني وبين الأكاديميين العظام هو حضوري الكثير من الجلسات المفيدة في مكتب رئيس تحرير المجلة الدكتور رضوان السيد الذي كان يعجُّ بالدكاترة على مدار أيام الأسبوع، وفي بيروت التقيت الكثير من الدكاترة العظام أمثال علي شلق ، وأحمد أبو حاقة، وتوفيق الحوري، وجميل كبة، وخالد علوان، وعصام حوري، ومحمد حمود، وصبحي الصالح، ومصطفى الجوزو، ومحمد المصري، وعلي بن الأشهر، وسهيل إدريس، ورحاب عكاوي، وعلي زيعور، والقاضي السيد محمد حسن الأمين، ويوسف مروة، وغيرهم ممن يصنعون العلوم والثقافة في بيروت واحة الثقافة في صحراء العرب المعاصرين.

وكان يعمل في مجلة الفكر العربي الكاتب الراحل محيي الدين صبحي العجان (عبد الصاحب) 1935 – 2003 م الذي كان يُحضِّر شهادة الدكتوراه في الأدب من الجامعة الأميركية في بيروت، وكانت رسالته بعنوان (الرؤيا في شعر عبد الوهاب البياتي) بإشراف الدكتور إحسان عباس، وقد ألّف محيي الدين كتاب : إحسان عباس والنقد الأدبي، وذات يوم قال محيي الدين: "الحقيقة أن الدكتور إحسان عباس أغراني بأن أتتلمذ عليه، وأمثل بين يديه لأستفيد من علم بلا نهاية كما أنني لا أريد لأحد أن (يتدكتر) عليَّ، فنحن في زمن (دكاترة) في الجامعة لا يمتلكون علماً" وقد كرر هذه العبارة أكثر من مرة مما أغراني أن أطلب منه أن يعرفني على الدكتور إحسان، فتهرَّب في البداية، وذات يوم فاجأني بقوله: اليوم سأقابل الدكتور، هل لديك وقت؟ فقلت: نعم، فقال: ولكن على شرط أن تتصرف مثل أبناء المدن، وتتخلى عن بداوتك، فوعدته خيراً، وكان اللقاء ودّيا أكثر مما كنت أتوقع.

وسألت الراحل محيي الدين ذات يوم عن الجامع المشترك بينه وبين أستاذه فقال: تأييد الحداثة، ومعارضة الكلاسيكية، وتجمعنا حالة اجتماعية هي زواج المجاملة الكلاسيكي الذي فرضه علينا الأهل، مما دفعنا إلى معارضة الكلاسيكية الأدبية بعدما عجزنا عن معارضة الكلاسيكية الإجتماعية المتمثلة في زواج المجاملة الذي فُرض علينا، فكان نقمة عاطفية، ونعمة دراسية حيث تفرَّغنا للبحث وتزوجنا الكتب دون ضرائر غيورة، وأنا قد تركت الزوجة والبنات في الشام، وفضلت حياة الأرمل مع الكتب في بيروت، أما الأستاذ فقد فكر بالطلاق حينما كان في السودان ثم تراجع رحمةً بالأطفال، وضحى بأشياء كثيرة، ولكنه ربح العائلة المتماسكة.

ومرّت السنون، والتقيت بالراحل محيي الدين في لندن، وسألته عن زواج المجاملة، وأخبار أستاذه إحسان، فقال : الأستاذ بخير وقد (تدكترت) وتحررت من زواج المجاملة فتزوجت مُجدّدا ورزقت طفلتين من أول سنة مما شغلني عن الكتابة، وجعلني أفكر بإعادة النظر في موقفي المعارض للزواج الكلاسيكي والكثير من الكلاسيكيات والحداثيات، فالأمور متداخلة من ناحية السلبيات والإيجابيات على حدٍّ سواء.

ومن الطُّرَف التي كان يرويها الراحل محيي الدين عن أستاذه الراحل إحسان عباس: أنه كان يعاني من مشكلة في اسمه، وسبب المعاناة هو توهُّم الناس أن إحسان اسم امرأة وليس لرجل، وعند حضوره حفل التخرج في جامعة القاهرة ذهب إلى الرجل الصَّيَّاح الذي يقرأ أسماء الخريجين وهمس في أذنه قائلاً "إذا وصلت إلى اسم إحسان عباس فأرجو أن تقول: السَّيد إحسان ولا تقل السَّيدة. فأنا رجل اسمي إحسان" ومرَّ حفلُ التخرج على خير دون الخلط بين السيد والسيدة.

وبمعية الدكتور رضوان السيد كان لي أكثر من لقاء مع الدكتور إحسان عباس، ولعل أهم لقاء كان لنا في منزله القريب من منزل الدكتور رضوان السيد في يوم بائس من أيام حصار بيروت من قبل الصهاينة سنة 1982 م، وفي ذلك اليوم قصدت منزل الدكتور رضوان للإطمئنان عليه ظهيرة قصف الطيران الإسرائيلي لبناية المهجرين في الصنائع بقنبلة فراغية من طائرة صهيونية، ولما وصلت منزل الدكتور رضوان قيل لي هو في منزل الدكتور إحسان عباس، فقصدته فوراً خشية أن يكون قد ألمّ مكروه بالدكتور إحسان عباس، وبعد وصولي إلى المنزل شاهدت سمات الوجوم ترتسم على وجوه القوم، وكانت الدموع تترقرق في عينيّ الدكتور إحسان عباس، والدكتور رضوان السيد يُطيِّب خاطره، ولما وصلت سألني عن أخبار القتل والتدمير في بيروت، فحاولت أن أُخفِّفَ عنه حينما غمزني الدكتور رضوان، فقلت على الفور، لقد استشهد بعض سكان البناية، ويتولى الدفاع المدني والإطفائية إنقاذ البعض، وكان سؤاله هل هنالك ناجين؟؟ وأجبت نعم والحمد لله، ومما لفت انتباهي أن الدكتور إحسان عباس لم يتوقف عن الكتابة والتحقيق تحت ظروف حصار بيروت الأثيم.

ومرت السنوات، والتقيت المستشرق الألماني يوسف فان إس بكلية الدراسات الشرقية والإفريقية بجامعة لندن، حينما قدم محاضرة في مركز الدراسات الإسلامية، وبعد الغداء ذهبنا إلى المقهى، وسألني الأستاذ يوسف قائلاً: ما هي آخر أخبار "قمر الزمان"؟؟ ولم أكن أعرف ما يعنيه بقمر الزمان، فاستفسرت عن المقصود، فقال: هو الأستاذ إحسان عباس، وأردف : إنه أحد رموز النقد الأدبي العربي الحديث، وهو ذو معرفة موسوعية، وأثنى عليه وعلى دراساته وتحقيقاته.

ومما عرفته بالقراءة والمشافهة في الجلسات الأدبية والتراثية: أن الساحة الأدبية في الخرطوم قد شهدت معارك أدبية عديدةً على صفحات جريدة: الصراحة بين مؤيدي شعراء الحداثة أمثال إحسان عباس وعبد العزيز إسحق، ومعارض شعراء الحداثة عميد الأدب العربي في السودان الراحل عبد الله الطيب الذي كان يمثل مدرسة الأصالة العريقة، وكان عبد الله الطيب يعتبر الأدب القديم قمة تُحتذى، أما إحسان عباس فكان يقول: الإبداع الجديد والتراث القديم- هو نتاج تراكمي لأمة من الأمم على مَرِّ الزمن، هو ضروب النشاط الإنساني في مجالات الدين والفن والعلم والعمران والفكر والأدب والأسطورة، والتراث صورة الماضي، بما أن ذلك كذلك فإنه لا يمثل عصراً بذاته ولا مجتمعاً بذاته، كما أنه ليس إيجابيا دائماً ولا سلبيا على الدوام، ومن ثم تتفاوت فيه القِيم وتتعدَّد وتموت وتحيا، بحسب الحاجات الإنسانية في البيئات المختلفة".

ولكن نظرة الراحل إحسان عباس إلى الحداثة لم تكن محصورةً في زاوية ضيقة كبعض شُداة النثر المشعور، بل كان يضع الحداثة ضمن إطار العلوم المتقدمة، والدليل على ذلك قوله: "غير أن إسرائيل التي تتهيأ لبيعنا موادنا الخام مُصَنَّعةً بأيدينا وأموالنا، تتهيأ أيضاً لبيعنا العلم ، الذي تمتلكه باقتدار وتبيعه حتى لأوروبا وأمريكا". وعندما سُئل عن الغزو الثقافي سنة 1993م، أجاب: "تحدثوا عن الغزو العلمي، تبعيتنا لإسرائيل، ستكون في المستقبل نتيجة تبعيتنا لمراكز أبحاثها ، لبرامج المعلوماتية التي تنتجها".

بطاقة تعريف موجزة

ولد إحسان عباس في قرية عين غزال قرب حيفا في فلسطين سنة 1920م، وأنهى مرحلة الدراسة الأولية في قريته وفي حيفا، وحصل على الإعدادية في صفد، وأتم المستوى الثانوي في حيفا وعكا، ثم اختير لإكمال الدراسة في الكلية العربية في القدس 1937-1941م، و لما تخرج منها خُيِّرَ بين بعثتين دراسيتين إحداهما لدراسة الأدب الإنكليزي، والثانية لدراسة الأدب العربي، فاختار الثانية، وتابع تحصيله الدراسي في قسم الأدب العربي بجامعة فؤاد الأول في القاهرة فحصل على الإجازة في الآداب عام 1950م، ثم نال الماجستير من نفس الجامعة سنة 1952م، ثم نال الدكتوراه سنة 1954م، ولم يعد إحسان إلى فلسطين بسبب نكبة 1948 وقيام دولة إسرائيل التي أزالت قريته عن الخريطة، وشرَّدَت عائلته بين الأردن والعراق وسوريا ولبنان وبلدان الشتات الأخرى، ولذلك ظلَّ يردّد عبارته المشهورة: "الشتات ممات".

وقد كتب إحسان الشعر وهو في الخامسة عشرة من عمره، وكتب أكثر قصائده ما بين سنة 1940 وسنة 1948م، ولما بلغ الثمانين من عمره جمع تلك القصائد في ديوان سمّاه "أزهار برية" وقد ظل يقرض الشعر حتى العام 1952 الذي كان آخر عهده بكتابة الشعر.

واشتغل في مجال التعليم منذ صباه، ثم درَّس الأدب العربي بجامعة الخرطوم حتى سنة 1961، وفي ذلك العام نفسه انتقل إلى الجامعة الأمريكية في بيروت، وشغل فيها منصب رئيس دائرة اللغة العربية ولغات الشرق الأدنى ، ومدير مركز الدراسات العربية ودراسات الشرق الأوسط ، ورئيس تحرير مجلة الأبحاث ، وقد شارك الدكتور إحسان عباس في الكثير من النشاط الأكاديمي والتربوي في جامعات ومؤتمرات وندوات عربية وعالمية كثيرة عن الدراسات العربية والإسلامية والتراث والأدب الحديث ، كما كان مستشاراً لعدد من الجامعات في تخطيطها لبرامج الدراسات العليا .


وكان عضواً في جمعية النقد الأدبي في الأردن، و في مجمع اللغة العربية بدمشق ومصر والأردن والمجمع العلمي في العراق، والمجمع العلمي الهندي (عن فلسطين ) ومعهد المخطوطات العربية في الكويت.


لقد نال الراحل إحسان عباس قسطاً وافراً من التكريم في حياته، فقد صدر كتاب: إحسان عباس ناقدًا، محققًا، مؤرخًا، وهو مجموعة من البحوث والمداخلات التي قُدِّمت عنه في ندوة بدعوة من مؤسسة عبد الحميد شومان في العاصمة الأردنية عام 1998م، وشارك فيها ثمانون باحثًا وناقدًا وأديبًا، وبالإضافة إلى ذلك صدر كتاب بعنوان: إحسان عباس: ناقد بلا ضفاف، تأليف الدكتور إبراهيم السعافين، دار الشروق، عمان، كان الدكتور إحسان أحد ثلاث شخصيات في كتاب: السيرة الذاتية في الأدب العربي، تأليف: تهاني عبد الفتاح شاكر، الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت 2002م.

فاز بجائزة الملك فيصل العالمية للأدب العربي (بالاشتراك) عام 1400هـ/1980م، وكان موضوع الجائزة "الدراسات التي تناولت الشعر العربي المعاصر"، وفاز بجازة سلطان العويس للدورة الثانية من الجائزة 1990 – 1991، في مجال النقد الأدبي، وحصل على جائزة الترجمة من جامعة كولومبيا في العام 1983م، وجائزة شومان التقديرية في العام 1993م، وهكذا تمَّ تقدير الراحل إحسان عباس حياًّ، وترك وراءه سيرة أستاذ من أساتذة القرن العشرين النادرين.

مؤلفات وتحقيقات الدكتور إحسان عباس
مؤلفاته:
أبو حيان التوحيدي -دراسة- بيروت 1956.
أخبار وتراجم أندلسية مستخرجة من معجم السفر للسلفي -بيروت 1963.
أرنست همنغواي لكارلوس بيكر -بيروت 1959.
أزهار برية ، ديوان شعر رومنطيقي، قصائد من سنة 1940 إلى سنة 1948م، عمان 2000م.
أمثال العرب للمفضل الضبي -1980.
أنساب الأشراف للبلاذري -القسم الرابع -ج1- بيروت 1979.
اتجاهات الشعر العربي المعاصر -دراسة- الكويت 1978.
الأعمال الشعرية لكمال ناصر -بيروت 1974.
بدر شاكر السياب، دراسة في حياته وشعره- دراسة- بيروت 1969.
ت.س. اليوت لمائين -بيروت 1965م.
تاريخ الأدب الأندلسي- عصر سيادة قرطبة- دراسة- بيروت 1960.
تاريخ الأدب الأندلسي، عصر الطوائف والمرابطين، دار الشروق، بيروت 1997م.
تاريخ الأدب الأندلسي، عصر سيادة قرطبة، دار الثقافـة، ط7، بيروت 1985م.
تاريخ بلاد الشام أنجز منه ثمانية أجزاء حتى مشارف العهد العثماني.
تاريخ النقد الأدبي عند العرب -دراسة- بيروت 1971.
تاريخ النقد الأدبي عند العرب، دار الثقافة، ط5، بيروت، 1986م.
تاريخ ليبيا- دراسة- ليبيا 1967.
التذكرة الحمدونية لابن حمدون -بيروت 1983.
التشبيهات من أشعار أهل الأندلس لابن الكتاني -1966.
التقريب لحد المنطق والمدخل إليه لابن حزم -بيروت 1959.
جوامع السيرة لابن حزم -بالاشتراك مع د. ناصر الدين الأسد- القاهرة 1958.
الحسن البصري- دراسة- القاهرة 1952.
دراسات في الأدب الأندلسي، بالاشتراك مع وداد القاضي وألبير مطلق -ليبيا/ تونس 1976.
دراسات في الأدب العربي لفون غرونباوم بالاشتراك مع كمال اليازجي وأنيس فريحة ومحمد يوسف نجم - بيروت 1959.
دراسات في حضارة الإسلام للسير هاملتون جب -بالاشتراك مع د. محمد يوسف نجم ود. محمد زايد- بيروت 1964.
ديوان ابراهيم طوقان -بيروت 1975.
ديوان ابن حمديس الصقلي -بيروت 1960.
ديوان الأعمى التطيلي -بيروت 1963.
ديوان الرصافي البلنسي -بيروت 1961.
ديوان الصنوبري -بيروت 1970.
ديوان القتال الكلابي- بيروت 1961.
ديوان كثير عزّة -بيروت 1971.
ديوان لبيد بن ربيعة العامري- الكويت 1962.
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة لابن بسام -8مجلدات -بيروت 74-1979.
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، لابن بسام (علي بن بسام)، تحقيق ، بيروت: دار الثقافة، 1417 هـ/ 1997 م.
الذيل والتكملة على كتاب الموصول والصلة لابن عبد الملك المراكشي -بيروت 1964.
الذيل والتكملة -ج5- بيروت 1965.
الذيل والتكملة -ج6- بيروت 1973.
الرد على ابن النفريلة اليهودي ورسائل أخرى لابن حزم -1960.
الروض المعطار في خبر الأقطار لابن عبد المنعم الحميري- بيروت 1975.
رسائل أبي العلاء المعري -بيروت /القاهرة 1982.
رسائل ابن حزم 3/174 تحقيق، نشر المؤسسة العربية للدراسات ط 1987م
رسائل ابن حزم الأندلسي -القاهرة 1955.
رسالة في التعزية للمعري -القاهرة 1950.
سرور النفس بمدارك الحواس الخمـس، أبو العباس أحمد بن يوسف التيفاشي، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى 1981،
شذرات من كتب مفقودة- بيروت 1988.
الشريف الرضي -دراسة- بيروت 1959.
شعر الخوارج -بيروت 1963.
شعر الخوارج، الناشر: دار الشروق سنة النشر :1997
الشعر العربي في المهجر الأمريكي -دراسة بالاشتراك مع محمد يوسف نجم - بيروت 1957.
طبقات الفقهاء لأبي إسحاق الشيرازي- بيروت 1970.
عبد الحميد بن يحيى الكاتب وما تبقى من رسائله ورسائل أبي العلاء.
عبد الوهاب البياتي والشعر العراقي الحديث -دراسة- بيروت 1955.
العرب في صقيلة- دراسة- القاهرة 1959.
عهد أردشير بن بابك -1967.
غربة الراعي، السيرة الذاتية للراحل إحسان عباس، صدرت عن دار الشروق للنشر والتوزيع، عمان 1996، وصدرها المؤلف بقول هرقليطس: "لا تستطيع ان تخطو في النهر نفسه مرتين ".
خريدة القصر للعماد الأصفهاني -قسم مصر بالاشتراك مع أحمد أمين وشوقي ضيف -القاهرة- جزآن 1951-1952.
فصل المقال في شرح كتاب الأمثال للبكري -بالاشتراك مع د. عبد المجيد عابدين -الخرطوم 1958.
فلسفة الحضارة ، أو المقال في الإنسان، لأرنست كاسيرر -بيروت 1961.
فن السيرة -بيروت 1956.
فن الشعر - بيروت 1953.
فن الشعر لأرسطو -القاهرة 1950
فوات الوفيات، لابن شاكر الكتبي، تحقيق -5أجزاء- بيروت 73-1977.
كتاب الخراج، للإمام أبي يوسف الحنفي -بيروت 1985.
الكتيبة الكامنة في أعلام المئة الثانية لابن الخطيب - بيروت 1963.
ليبيا في كتب التاريخ -بالاشتراك مع د.محمد يوسف نجم -بنغازي 1968.
ليبيا في كتب الجغرافيا والرحلات - بالاشتراك مع د. محمد يوسف نجم -بنغازي 1968.
مرآة الزمان لسبط بن الجوزي -بيروت 1985.
معجم الأدباء – ياقوت الحموي تحقيق إحسان عباس – دار الغرب الإسلامي – بيروت – 1993م.
ملامح يونانية في الأدب العربي -دراسة- بيروت 1977.
من التراث العربي -دراسة 1988.
من الذي سرق النار؟ –دراسة- بيروت 1980 "جمع وتحرير وتقديم وداد القاضي".
مويي ديك -لهيرمان ملفيل -بيروت 1956.
موبي ديك، رواية لهرمان ملفل، ترجمة، الطبعة الثانية 1998 م
النقد الأدبي ومدارسه الحديثة، لستانلي هايمن -بالاشتراك مع د. محمد يوسف نجم -بيروت 1958- 1960 (جزآن).
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب -لابن المقري -8أجزاء- بيروت 1968.
الوافي بالوفيات للصفدي -ج7- فيسبادن 1970.
الوسيط في تاريخ فلسطين ، دار الشروق للنشر والتوزيع / الأردن 1999
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان لابن خلكان -8مجلدات- بيروت 1968-1972.
يقظة العرب لجورج أنطونيوس -بالاشتراك مع د.ناصر الدين الأسد- بيروت 1962.

1
لقد مرَّ عامان على رحيل الأديب المحقق إحسان عباس يرحمه الله، وكان الراحل قد قضى شطرا من حياته في إحياء التراث، وخلف مكتبة زاخرة بالفوائد، ومن ذلك تحقيقه لكتاب الروض المعطار، جزاه الله خيراً، وأسكنه فسيح جنانه.

الروض المعطار
كِتاب الروض المعطار في خبر الأقطار، كتاب مشهور، حار الباحثون في صحة نسبته إلى الحميري، ولكن الراحل إحسان عباس اعتنى بالكتاب وحققه، ورجح نسبته إلى الحميري، ونشرته مؤسسة ناصر للثقافة في بيروت، وصدرت الطبعة الأولى سنة 1975، والثانية سنة 1980م. وقد رتب الحميري كتاب الروض المعطار حسب الترتيب الهجائي المشرقي، إلا أنه رتب محتويات كل حرف حسب الترتيب المغربي. ووقع في ترتيبه هذا في الكثير من الأخطاء. واشترط في كتابه أن لا يذكر من الأقطار إلا ما اتصلت به قصة أو حكمة أو خبر طريف.
ومن طرائف ما يتعلق بمخطوطة الكتاب، أنه كانت منه نسخة في حوزة التمجروتي الدرعي سنة 1016هـ مكتوبة بخط مشرقي عتيق صحيح، استعارها منه التنبكتي: صاحب (نيل الابتهاج) وغادر المغرب إلى تنبكت، وظلت النسخة معه خمسة عشر عاماً والتمجروتي يكاتبه مطالباً بردها، وأخيراً أرسل إليه سنة 1031هـ نسخة منقولة عنها.
2
مقدمة إحسان عباس

كتب الراحل إحسان عباس مقدمة لكتاب الروض المعطار، فقال فيها: "ورد ذِكْر الروض المعطار في طبعة فلوجل من كشف الظنون مرتين:
مرة على أن مؤلفه هو أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد الحميري المتوفى سنة 900 هـ، ومرة أخرى على أن المؤلف هو أبو عبد الله محمد بن عبد المنعم الحميري (دون ذكر لسنة الوفاة)، وقد كان هذا محيراً للأستاذ ليفي بروفنسال حين أقدم على نشر القسم المتعلق بالأندلس من الروض، وتعبِّر مقدمته التي كتبها للترجمة الفرنسية
(La Peninsule Iberique au Moyen- Age)
عن هذه الحيرة من ناحيتين:
أولاهما لماذا هذا الاختلاف في اسم المؤلف. والثانية: إذا كان قد توفي سنة 900 هـ كما يقول حاجي خليفة- فهذه قضية تقف في وجهها حقيقتان بارزتان:
1 : كيف يمكن أن تتأخر وفاة مؤلف الروض المعطار إلى هذا التاريخ، ونحن نجد أن القلقشندي صاحب صبح الأعشى المتوفى سنة 821 هـ والذي انتهى من تأليف كتابه سنة 814 هـ يعتمد الروض المعطار واحداً من مصادره الجغرافية؟
2 : هنالك كتاب بعنوان "جنى الأزهار من الروض المعطار" يوحي بأنه ملخص من كتاب الروض، وهو منسوب للمقريزي المتوفى سنة 845 هـ.
وإلى جانب هاتين الحقيقتين تقف حقيقة ثالثة، فقد وجد بروفنسال في ختام إحدى النسخ التي اعتمد عليها من نسخ الروض هذه العبارة: "هذا آخر الجزء الثاني من الروض المعطار في خبر الأقطار للشيخ الفقيه أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي محمد عبد الله بن عبد المنعم بن [عبد المنعم الحمير] ي رحمة الله عليه، وبتمامه [تمَّ] جميع الكتاب في صبح يوم الجمعة السابع عشر من شهر صفر الخير أحد شهور سنة ست وستين وثمان مائة بساحل جدَّة المعمور...".

وقد فهم بروفنسال من هذه العبارة أن المؤلف قد انتهى من تأليف كتابه سنة 866هـ، وهذا يقوي القول بأن يكون تاريخ وفاته سنة 900 هـ صحيحاً. وهذه الحقائق مجتمعة دفعت بروفنسال إلى افتراض مؤلِّفَيْن كل منهما ينتسب إلى حمير، قام أولُهُما بكتابة صورة أولى من "الروض المعطار" وقام الثاني بانتحال عمل الأول، وربما أضاف إليه شيئاً، دون أن يذكر ما للمؤلف الأول من فضل عليه.
وعند مناقشة الحقائق التي واجهت بروفنسال لا تبقى هناك حاجة إلى هذا الفرض الذي وضعه:
1 ـ أما أن صاحب صبح الأعشى ينقل عن الروض المعطار، فتلك حقيقة لا نستطيع إنكارها، وهي وحدها تثبت أن المؤلف لا يمكن أن يكون قد عاش حتى سنة 900، وأنه على هذا لابد من أن يكون من أبناء القرن الثامن
2 ـ وأما أن المقريزي لخص الروض المعطار في كتاب سمّاه "جنى الأزهار من الروض المعطار" فتلك مسألة ما كان لبروفنسال أن يتمسك بها، فقد أثبت فولرز (Vollers) سنة 1889م، ثم بلوشيه (Blochet) سنة 1925 م، أن هذا الكتاب المسمى "جنى الأزهار" إنما هو تلخيص لنزهة المشتاق. وعندما كنت في برلين سنة 1970 م صوَّرت النسخة البرلينية من "جنى الأزهار" لأستعين بها في تحقيق الروض المعطار، ولدى عودتي قمت بدراستها ـ قبل أن أطَّلِعَ على ما كتبه فولرز وبلوشيه ـ ولم يخامرني أدنى شك في أنها تلخيص لنزهة المشتاق، أما لماذا سُمِّيَت "جنى الأزهار من الروض المعطار" فربما كان هذا يتطلب إيجاد "روض معطار" آخر غير الموجود في أيدينا.
3 ـ إن بروفنسال قد سمح لتصحيف الناسخ بأن يسيطر على وهْمِهِ، فالنصُّ الذي قرأه في آخر النسخة المشار إليها، يجب أن يُقرَأ على النحو الآتي "هذا آخر الجزء الثاني من الروض المعطار... وبتمامه [تم] جميع الكتاب في صبح يوم الجمعة السابع عشر من شهر صفر الخير أحد شهور سنة ست وستين وثمان مائة"ـ وهذا التاريخ هو تاريخ النسخة التي نقل عنها الناسخ الثاني، وكان نقله سنة 1049 هـ؛ فنحن إزاء تاريخين لنسختين، ولا يعد الأول منهما تاريخياً للتأليف بأية حال؛ وقد تنبه الأستاذ رتزيتانو إلى ناحية جديرة بالتوقف حين قال: "وحتى إننا لو افترضنا جدلاً أن السنة المذكورة تعتبر تاريخياً لانتهاء المؤلف من وضع الروض المعطار، فليس من المعقول أن يصف نفسه بعبارات التفخيم والمديح على الصورة الواردة في هذا النص (يريد قوله: الشيخ الفقيه العدل...). وحسناً فعل الأستاذ رتزيتانو لو أنه استشهد هنا بما جاء في هذه العبارة من قوله "رحمة الله عليه"، فإنها تشير إلى عمل الناسخ لا إلى عمل المؤلف.

3
نتيجة تاريخية

أين نقف بعد ذلك من هذا كله؟
1 ـ لدينا كتاب اسمه "الروض المعطار في خبر الأقطار" وتتفق النسخ المتباعدة- مكاناً وزماناً- على أن مؤلفه هو "أبو عبد الله محمد بن محمد بن أبي عبد الله محمد بن أبي محمد عبد الله بن عبد المنعم بن عبد النور الحميري"، وعلى هذا الكتاب يعتمد القلقشندي، فلابد أن يكون مؤلف هذا الكتاب ممن عاش قبل مطلع القرن التاسع (في أقل تقدير).
2 ـ إن ذكر حاجي خليفة له مرتين يعني أنه اطلع على نسختين: إحداهما ذكرت اسمه كاملاً، والأخرى ذكرت اسمه موجزاً، ولما كان حاجي خليفة- وهو منسق ببليوغرافي- غير مسؤول عن تحقيق الفرق بين الاسمين، فإثباته ما أثبته أمانة دقيقة منه في عمله.

3 ـ  ذكر حاجي خليفة سنة 900هـ تاريخاً لوفاة المؤلف، وقد حاول "غودفري- ديمومبين" أن يقول إن هذا خطأ شائع في المخطوطات العربية بين "تسعمائة" و"سبعمائة" ووافقه على ذلك الأستاذ رتزيتانو، ولكن الحقيقة أن عام "سبعمائة" لا يصلح لتقرير سنة وفاة المؤلف، "إذن" فإن الراجح أن حاجي خليفة اطلع على نسخة من الروض كتبت سنة 900 هـ، ثم اضطرب عليه الأمر فظنها سنة وفاة المؤلف، وهذا غير عجيب عند حاجي خليفة، فقد قال عند ذكر الإمتاع والمؤانسة إن التوحيدي توفي سنة 380هـ، وقال حين ذكر المقابسات "المتوفى بعد سنة أربعمائة تقريباً"، فأيهما نصدق؟ إذن فإن الأخذ الحرفي بما يقوله حاجي خليفة أمرٌ مُضلِّلٌ، دون ريب.

4
مؤلف الروض المعطار

من هو مؤلف الروض المعطار إذن؟ كل الدلائل ترجح أنه هو الذي وجد بروفنسال نفسه ترجمته في "الإحاطة" (في أخبار غرناطة) ـ ووجدها رتزيناتو في الدرر الكامنة (في أعيان المائة الثامنة) لابن حجر (العسقلاني)، وهو ينقل عن الإحاطة - وهذا ما يقوله لسان الدين ابن الخطيب عنه:
ترجمة المؤلف: "محمد بن عبد المنعم الصنهاجي الحميري، يكنى أبا عبد الله ويعرف بابن عبد المنعم، من أهل سبتة الأستاذ الحافظ.
حاله: من عائد الصلة: كان رحمه الله رجل صدق، طيب اللهجة سليم الصدر تام الرجولة، صالحاً عابداً، كثير القرب والأوراد في آخر حاله، صادق اللسان. قرأ كبيراً وسنه تنيف على سبع وعشرين، فشأى أهل الدَّؤوب والسابقة، وكان من صدور الحفاظ ، لم يستظهر أحدٌ من زمانه من اللغة ما استظهره، فكان يستظهر كتاب التاج للجوهري وغيره، آية تتلى ومثالاً يضرب، قائماً على كتاب سيبويه يسرده بلفظه، اختبره الفاسيون في ذلك غير ما مرة، طبقة في الشطرنج يلعبها محجوباً، مشاركاً في الأصول، آخذاً في العلوم العقلية مع الملازمة للسُّنَّة، يعرب أبداً كلامه ويزنه.
مشيخته: أخذ ببلده عن الأستاذ أبي إسحاق الغافقي، ولازم [الأستاذ] أبا القاسم ابن الشاط وانتفع به وبغيره من العلماء.
دخوله غرناطة: قدم غرناطة مع الوفد [الذين قدموا] من أهل بلده [سبتة] عندما صار إلى إيالة الملوك من بني نصر لما وصلوا بالبيعة.
وفاته: كان من الوفد الذين استأصلهم الموتان، مُنصرفهم عن باب السلطان ملك المغرب، باحواز تيزى، حسبما وقع التنبيه على بعضهم.

5
تعليق على هذه الترجمة
1 ـ تقول هذه الترجمة إن ابن عبد المنعم سبتي. غير أن المقري صاحب نفح الطيب يقول وهو ينقل عنه: "ولنرجع إلى كلام صاحب الروض المعطار فإنه أقعد بتاريخ الأندلس إذ هو منهم، وصاحب البيت أدرى بالذي فيه". فهل هو سبتي أو أندلسي؟.
إن اهتمامه بجغرافية الأندلس وأحداثها، في كتابه، يجعل المرء يظن، ولو كان هو المقري المهاجر البعيد عند الأندلس والمغرب، أن مؤلف الروض المعطار أندلسي، فالخطأ هنا ليس خطأ صاحب الروض، الذي كان سبتياً دخل الأندلس، وإنما هو خطأ الذين ظنوا أنه أندلسي النسبة لإسرافه في الحديث عن الأندلس. وقد أكد نسبته إلى سبتة محمد بن القاسم الأنصاري السبتي حين ذكر أنه مقبور بمقبرة المنارة بسبتة وأنه من أهلها في قوله: "قبر الشيخ اللغوي الحافظ الأنبل المتفنن في المعارف، أوحد زمانه في ذلك، وإمام عصره، أبي عبد الله ابن عبد المنعم الصنهاجي من أهل سبتة".

2 ـ وتمدنا هذه الترجمة بصورة فيها شيء من التفصيل عن مناحي ثقافته، وضروب براعته إذ تصوره متضلعاً في الحديث واللغو والنحو، مضيفاً إلى ذلك كله إطلاعاً على العلوم العقلية، ومهارة خارقة في الشطرنج. ويؤكد ابن القاسم الأنصاري ما قاله ابن الخطيب حول تضلعه في القراءة والحفظ واللغة، وتفرده في هذه الشؤون حتى أصبح "أوحد زمانه في ذلك وإمام عصره". ومما يؤكد ذلك طبيعة الاتجاهات التي سار فيها أساتذته الذين درس عليهم، وقد ذكر منهم ابن الخطيب اثنين وهما:
أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن عيسى الغافقي ت 716هـ، وشيخ النحاة والقراء بسبتة، فقد كان يتقن كتاب سيبويه، ولعل ابن عبد المنعم أخذه عنه، كما صنف كتاباً في قراءة نافع وآخر في شرح الجمل.
أما أستاذه الثاني: فهو أبو القاسم، القاسم بن عبد الله بن الشاط ت 723هـ، فقد كان يقرئ الأصول والفرائض بمدرسة سبتة، وكان حسن المشاركة في العربية، متقدماً في الفقه ريان من الأدب.

وقد طبعت هذه الثقافة شخصية ابن عبد المنعم بطابعها، فقد كان الرجل على جانب غير قليل من التدين، وفي آخر عمره كان كثير "القرب والأوراد"، معروفاً بالصلاح بين معاصريه، سليم الصدر، كما يمكن أن يتصوره من يقرأ كتاب "الروض المعطار"، مهتماً بإعراب كلامه، وفي هذا من المشقة عليه وعلى معاصريه ما فيه.

وفي كتاب الروض ما يشير من بعيد إلى ملامح من شخصيته، فهو من ناحية التقوى لا يدع أحداً من الصحابة دون أن يقرن اسمه بِـ "رضي الله عنه"، ولو مرَّ في الصفحة الواحدة عدة مرات ـ وهذا ليس من صنيع النساخ فيما اعتقد ـ وهو يحب أن يقف عند أمجاد المسلمين الأوائل، ولهذا تجده مغرماً بنقل أخبار الفتوح؛ وقد أحس هو نفسه أنه أسرف في النقل، حين تحدَّث عن معركة الزلاقة، فشفع ذلك بقوله: "قال مؤلف هذا الكتاب [رحمة الله عليه]: قد خالفت بشرح هذه الوقيعة شرط الاختصار لحلاوة الظفر في وقت نزول الهموم ووقوعها في الزمن الخامل، والله سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء وهو المستعان". ولعلها الملاحظة الوحيدة التي سمح لنفسه بتقييدها تعبيراً عن مشاعره الذاتية.

3 ـ وهذه الثقافة وتلك السمات المحببة في شخصيته كسبت له تقدماً في مدينة سبتة، ولهذا نجده يشارك في حياتها السياسية مرتين: الأولى عندما ذهب في الوفد إلى غرناطة ليقرر تبعية سبتة لبني نصر، وقد عرفنا لسان الدين إلى اثنين آخرين كانا في ذلك الوفد، وهما أستاذه أبو القاسم ابن الشاط، ومحمد بن علي بن هانئ اللخمي السبتي ت733هـ، وقد كان انتماء سبتة إلى حكم بني نصر سنة 705هـ، وعودتها إلى المرينيين سنة 709هـ، وعلى هذا تكون الوفادة قد تمت في أوائل تلك المرحلة بين هاتين السنتين.

4 ـ  وتقول هذه الترجمة إن وفاة ابن عبد المنعم كانت إثر عودته من زيارة لسلطان المغرب- باحواز تازه- بسبب انتشار موتان. وقد أراد بروفنسال أن يفهم من لفظة "موتان" أنها تعني وباءً جارفاً، ولكن الصيغة في النسخة الكتانية من الإحاطة وردت على النحو التالي: "الذين استأصلهم الموت"؛ غير إن استئصال الموت لوفدٍ يعني أنهم ربما تعرضوا لوباء جارف، ولما كان الوباء الذي اكتسح المشرق والمغرب قد حدث سنة 749هـ، فهل ذلك مما يجعلنا نقول بوفاة ابن عبد المنعم في حدود ذلك العام؟.
كان ذلك ممكناً لولا أنَّ ابن حجر ذكر في الدرر الكامنة أن وفاة ابن عبد المنعم كانت سنة 727هـ، وليس هناك من سبب يجعلنا نرد هذا التاريخ، وإن لم تحدثنا المصادر عن "موتان" ألم بالمغرب في ذلك العام.


thumb qr1 
 
thumb qr2
 

إحصاءات

عدد الزيارات
15196265
مواقع التواصل الاجتماعية
FacebookTwitterLinkedinRSS Feed

صور متنوعة