مصائب الوزير الخائن ابن العلقمي
وسقوط بغداد سنة 656 هـ/ 1258م

مصائب الوزير الخائن ابن العلقمي
وسقوط بغداد سنة 656 هـ/ 1258م

د. محمود السيد الدغيم
1
ابن العلقمي
يضرب المثل بما فعله الوزير ابن العلقمي الذي تآمر مع التتار ضد الخلافة الإسلامية العباسية رغم كونه وزيراً للخليفة الشهيد المستعصم بالله، وقلما نجدُ إجماعا لدى المؤرخين يشبه اجماعهم على وصفه بصفة الخيانة حينما كان في مركز السلطة والمسؤولية، وكان سقوط بغداد بأيدي التتار جراء خيانته وتآمره سنة 656 هـ/ 1258م، ومنذ ذلك الوقت صارت خيانته مضرب المثل نظراً لما أسفرت عنه من قتل وتدمير في العراق وبلاد الشام بالإضافة إلى سقوط الخلافة الإسلامية العباسية والعراق مما تسبب في نقل مقر الخلافة إلى القاهرة في مصر بعدما عُطِّلت ثلاث سنوات عجاف.

2
ابن العلقمي في الأعلام
قال خير الدين الزركلي في كتاب الأعلام: "ابن العَلٌقَمي (593 - 656 هـ/ 1197 - 1258 م) محمد بن أحمد (أبو محمد بن محمد بن أحمد) بن علي، أبو طالب، مؤيد الدين الأسدي البغدادي، المعروف بابن العلقمي: وزير المستعصم العباسي. وصاحب الجريمة النكراء، في ممالأة "هولاكو" على غزو بغداد، في رواية أكثر المؤرخين. اشتغل في صباه بالأدب. وارتقى اٍلى رتبة الوزارة (سنة 642) فوليها أربعة عشر عاماً. ووثق به "المستعصم" فألقى اٍليه زمام أموره. وكان حازماً خبيراً بسياسة الملك، كاتباً فصيح الاٍنشاء. اشتملت خزانته على عشرة آلاف مجلد، وصنف له الصّغاني "العُباب" وصنف له ابن أبي الحديد "شرح نهج البلاغة "ونفى عنه بعض المؤرخين خبر المخامرة على المستعصم حين أغار هولاكو على بغداد (سنة 656) واتفق أكثرهم على أنه مالأه، وولى له هولاكو الوزارة مدةً قصيرة، ومات ودُفن في مشهد موسى بن جعفر بالكاظمية ببغداد،وخلَفه في الوزارة (عند هولاكو) ابنه عز الدين "محمد بن محمد بن أحمد" وهناك روايات، بأن مؤيد الدين أُهين على أيدي التتار، بعد دخولهم، ومات غماً في قِلّة وذِلَّة".

3
العلقمي في سير أعلام النبلاء

قال الإمام الذهبي في كتاب سير أعلام النبلاء  الذهبي: "ابن العلقمي، الوزير الكبير المدبر الْمُبِيْر، مُؤيّد الدين، محمد بن علي بن أبي طالب، ابن العلقمي البغدادي الرافضي، وزير المستعصم.
وكانت دولته أربع عشرة سنة، فأفشى الرفض، فعارضه السُّنَّةُ، وأُكْبِتَ، فَتَنَمَّرَ، ورأى أن هولاكو على قصد العراق، فكاتَبَهُ وجَسَّرَهُ، وقوَّى عزمه على قصْدِ العراق، ليتخذ عنده يداً، وليتَمَكَّن من أغراضه، وحفرَ للأمة قَلِيْباً، فأُوْقِع فيه قريباً، وذاق الهوان، وبقي يركب كديشاً وحدَه، بعد أن كانت ركبته تُضاهي موكبَ سُلطان، فمات غَبْناً وغمّاً، وفي الآخرة أشدَّ خِزياً، وأشدَّ تنكيلاً.
وكان أبو بكر ابن الخليفة المستعصم، والدويدار الصغير قد شدَّا على أيدي السُّنَّة حتى نُهِبَ الكرْخُ، وتَمَّ على الشيعة بلاءٌ عظيم، فحَنَقَ لذلك ابن العلقمي بالثأرِ بسَيف التتارِ من السُّنَّة، بَلْ ومِنَ الشّيعةِ واليهودِ والنصارى، وقُتِلَ الخليفةُ، ونحو السبعين من أهل العقد والْحَلِّ، وبُذِلَ السّيفُ في بغداد تسعة وثلاثين نهاراً، حتى جرَت سيولُ الدماء، وبقيت البلدة كأمسِ الذاهب، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وعاش ابن العلقمي بعد الكَاْئِنَةِ ثلاثة أشهر، وهَلَكَ. ومات قبلَهُ بأيامٍ أخوهُ الصَّاحبُ علمُ الدين أحمدُ. ومات بعدَه ابنُهُ محمد أحَد البلغاء الْمُنشِئين.وعاش الوزير ابن العلقمي ستاً وستين سنة".

4
العلقمي في فوات الوفيات

قال ابن شاكر الكتبي في كتاب فوات الوفيات: "مؤيد الدين ابن العلقمي:
محمد بن محمد بن علي، أبو طالب، الوزير، مؤيد الدين ابن العلقمي، البغدادي الرافضي، وزير المستعصم؛ ولي الوزارة أربع عشرة سنة، فأظهر الرفض قليلاً، وكان وزيراً كافياً خبيراً بتدبير الملك، ولم يزل ناصحاً لأصحابه وأستاذه حتى وقع بينه وبين الدوادار لأنه كان متغالياً في السُّنة، وعضده ابن الخليفة، فحصل عنده من الضغن ما أوجب سعيه في دمار الإسلام، وخراب بغداد على ما هو مشهور؛ لأنه ضعف جانبه، وقويت شوكة الدوادار بحاشية الخليفة حتى قال في شعره من ذلك:
وزيرٌ رضي من بأسِهِ وانتقامِهِ
بطيِّ رقاعٍ حشوها النظمُ والنثرُ 
كما تسجعُ الورقاءُ وهي حمامةٌ
وليس لها نَهْيٌ يُطاعُ ولا أمْرُ
وأخَذَ يُكاتب التتار إلى أنْ جرَّ هولاكو، وجرَّأه على أخذ بغداد، وقرَّرَ مع هولاكو أموراً انعكست عليه، وندمَ حيث لا ينفعه الندم، وكان كثيراً ما يقول بعد ذلك: وجرى القضاءُ بعكسِ ما أمَّلته. لأنه عُوْمِلَ بأنواع الهوان، من أراذل التتار والمرتَدَّة.
حُكي أنه كان جالساً بالديوان، فدخل عليه بعض التتار مِمَّن ليس له وجاهة راكباً فرسه، فسار إلى أن وقف بفرسه على بساط الوزير، وخاطبه بما أراد، وبالَ الفرسُ على البساط، وأصاب الرشاش ثياب الوزير، وهو صابر لهذا الهوان يُظهر قوَّة النفس، وأنه بلَغ مرادَه. وقال له بعضُ أهل بغداد: يا مولانا أنت فعلت هذا جميعه حميّةً، وحميت الشيعة، وقد قُتِلَ من الأشراف الفاطميين خلق لا تحصى، وارتُكِبَتِ الفواحشُ مع نسائهم، فقال: بعد أنْ قُتِلَ الدوادار ومَن كان على رأيه، لا مُبالاة بذلك. ولم تَطُلْ مدّته حتى مات غَماًّ وغيظاً في أوائل سنة سبع وخمسين وستمائة/ 1259م" ومولده في شهر ربيع الأول سنة إحدى وتسعين وخمس مائة للهجرة.

5
بلاغة ابن العلقمي
قال ابن شاكر الكتبي في كتاب فوات الوفيات: "بعث إليه الخليفةُ المستعصم شدّة أقلام، فكتب إليه ابن العلقمي: قبل الملوك الأرض شكراً للإنعام عليه بأقلام قلمت أظافر الحدثان، وقامت له في حرب الزمان، مقام عوالى المران، وأجنته ثمار الأوطار من أغصانها، وحازت له قصبات المفاخر بيوم رهانها، فيا لله كم عقد زمام في عقدها، وكم بحر سعادة أصبح جارياً من مِدادها ومَدَدِها، وكم من خط استقام بمثقفاتها، وكم صوارم فلَّ مضاربها مطرر مرهفاتها.
لم يبقَ لي أملٌ إلاّ وقد بلغَتْ
نفسي أقاصيه براً بي وإنعاما
لأفتحن بها واللهُ يقْدِرُ لِيْ
مصانعاً أعجزت من قبلُ بهراما 
تعطي الأقاليم مَنْ لَمْ يُبْدِ مَسألةً
له، فلا عجبٌ إنْ تُعطَ أقلاما
وكان قد طالع المستعصم في شخص من أمراء الجبل يعرف بابن شرف شاه، وقال في آخر كلامه "وهو مدبر" فوقع المستعصم له:
ولا تساعدْ أبداً مُدبراً
وكُنْ مع الله على المدبرِ 
فكتب ابن العلقمي أبياتاً في الجواب منها:
يا مالكاً أرجو بِحُبي له
نَيْلَ الْمُنى والفوز في المحشرِ 
أرشدتني لا زلت لي مُرشداً
وهادياً مِن رأيك الأنورِ
أَبَنْتَ لِي بَيْتَ هُدىً قُلتَهُ
عن شرفٍ من بيتِكَ الأطهَرِ
فضلُكَ فضلٌ ما لَهُ مُنكِرٌ
ليس لضوء الشمس من مُنكِرِ
أنْ يُجْمَعَ العالَمُ في واحِدٍ
ليسَ على اللهِ بِمُسْتَنْكَرِ
في البيت الأخير قلَبَ بيتَ أبي نواس فجعل عجزه صدراً وهو مشهور.
اشتغل ابن العلقمي بمدينة الْحِلَّة على عميد الرؤساء أيوب، وعاد إلى بغداد وأقام عند خاله عضد الدين أبي نصر المبارك ابن الضحاك، وكان أستاذ الدار.
ولما قُبض على مؤيد الدين القُمِّي -وكان أستاذ الدار- فُوِّضَت الأستاذ دارية إلى شمس الدين ابن الناقد، ثم عُزل، وفوضت الأستاذ دارية إلى ابن العلقمي، فلما توفي المستنصر بالله، ووُلِّيَ الخليفة المستعصم، وتوفي ابن الناقد، وُزِّرَ ابنُ العلقمي، وكان قد سمع الحديث، واشتغل على أبي البقاء العكبري.
وحُكي أنه لما كان يكاتب التتار تحيَّل إلى أن أخذ رجُلاً، وحلق رأسَه حلقاً بليغاً وكتب ما أراد عليه بالإبر "بالوشم"، ونفض عليه الكحل، وتركه عنده إلى أن طلع شعره، وغطّى الشَّعرُ ما كَتَبَ ابن العلقمي، فجهَّزَهُ، وقال: إذا وصلتَ مُرْهُمْ بِحَلْقِ رَأسِك، ودَعهُم يقرأون ما فِيهِ، وكان آخرُ الكلام "اقطعوا الورقة" فضُربَتْ عُنُقَهُ، وهذا غايةٌ في الْمَكرِ والْخِزي".

6
ابن العلقمي في الوافي

قال خليل بن أيبك الصفدي في كتاب الوافي بالوفيات: "أبو طالب، الوزير المدبر، مؤيد الدين ابن العلقمي البغدادي الرافضي، وزير المستعصم، ولي الوزارة أربع عشرة سنة، فأظهر الرفض قليلاً، وكان وزيراً كافياً خبيراً بتدبير الملك، ولم يزل ناصحاً لأستاذه حتى وقع بينه وبين الدوادار لإنه كان يتغالى في السُّنة، وعضده ابن الخليفة فحصل عنده من الضغن ما أوجب له أنه سعى في دمار الإسلام، وخراب بغداد على ما هو مشهور لأنه ضعف جانبه وقويت شوكة الدوادار بحاشية الخليفة حتى قال في شعره:
وزيرٌ رضى من بأسه وانتقامهِ
بطيّ رقاعٍ حشوُها النظمُ والنثرُ 
كما تسجعُ الورقاء وهي حمامةٌ
وليس لها نَهيٌ يُطاعُ ولا أمرُ
واخذ ابن العلقمي يُكاتب التتار إلى أن جرّ هولاكو وجرّأه على أخذ بغداد، وقرَّر مع هولاكو أموراً انعكست عليه، وندم حيث لا ينفعه الندم، وكان كثيرا ما يقول عند ذلك: وجرى القضاء بعكس ماامّلته".
 

7
العلقمي في المختصر

قال أبو الفداء في كتاب المختصر في أخبار البشر: "في أول سنة 656 هـ/ 1258م، قصد هولاكو ملك التتر بغداد وملكها، في العشرين من المحرم، وقتل الخليفة المستعصم بالله، وسبب ذلك أن وزير الخليفة مؤيد الدين ابن العلقمي، كان رافضياً، وكان أهل الكرخ أيضاً روافض، فَجَرَت فتنةٌ بين السُّنَّة والشيعة ببغداد، على جاري عادتهم، فأمر أبو بكر ابن الخليفة، وركن الدين الدوادار، العسكر، فنهبوا الكرخ وهتكوا النساء، وركبوا منهن الفواحش، فعظم ذلك على الوزير ابن العلقمي، وكاتَبَ التتر، وأطمعهم في ملك بغداد، وكان عسكر بغداد يبلغ مائة ألف فارس، فقطعهم المستعصم ليحمل إلى التتر متحصل إقطاعاتهم، وصار عسكر بغداد دون عشرين ألف فارس، وأرسل ابن العلقمي إلى التتر أخاه، يستدعيهم، فساروا قاصدين بغداد في جحفل عظيم، وخرج عسكر الخليفة لقتالهم، ومقدمه ركن الدين الدوادار، والتقوا على مرحلتين من بغداد، واقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم عسكر الخليفة، ودخل بعضهم بغداد، وسار بعضهم إلى جهة الشام، ونزل هولاكو على بغداد من الجانب الشرقي ونزل باجو، وهو مقدم كبير، في الجانب الغربي، على قرية، قبالة دار الخلافة، وخرج مؤيد الدين الوزير ابن العلقمي إلى هولاكو فتوثق منه لنفسه، وعاد إلى الخليفة المستعصم وقال: إن هولاكو يُبقيك في الخلافة كما فعل بسلطان الروم، ويريد أن يزوج ابنته من ابنك أبي بكر، وحسَّن له الخروج إلى هولاكو، فخرج إليه المستعصم في جمع من أكابر أصحابه، فأُنزل في خيمة، ثم استدعى الوزير الفقهاء والأماثل فاجتمع هناك جميع سادات بغداد والمدرسون، وكان منهم محي الدين يوسف بن عبد الرحمن ابن الجوزي وأولاده (عبد الرحمن وعبد الله وعبد الكريم)، وكذلك بقي يُخرِج إلى التتر طائفة بعد طائفة، فلما تكاملوا، قتلهم التتر عن آخرهم، ثم مدوا الجسر، وعدّى باجو ومَن معه، وبذلوا السيف في بغداد، وهجموا على دار الخلافة، وقتلوا كلَّ مَن كان فيها من الأشراف، ولم يسلم إلا مَن كان صغيراً، فأُخِذ أسيراً، ودام القتل والنهب في بغداد نحو أربعين يوماً، ثم نُودي بالأمان.

8
نهاية الخلافة العباسية ببغداد

قال أبو الفداء في كتاب المختصر في أخبار البشر: "وأما الخليفة فإنهم قتلوه، ولم يقع الاطلاعُ على كيفية قتله، فقيل: خُنِقَ، وقيل: وضع في عِدْلٍ ورفسوه حتى مات، وقيل: غرق في دجلة، والله أعلم بحقيقة ذلك. وكان هذا الخليفة المستعصم، وهو عبد الله أبو أحمد بن المستنصر أبي جعفر، منصور بن محمد الطاهر ابن الإمام الناصر أحمد. وكان ضعيف الرأي، قد غلب عليه أمراء دولته لسوء تدبيره، وتولى الخلافة بعد موت أبيه المستنصر، في سنة أربعين وستمائة هجرية/ 1242م، وكانت مدة خلافته نحو ست عشرة سنة تقريباً، وهو آخر الخلفاء العباسيين، وكان ابتداء دولتهم في سنة اثنتين وثلاثين ومائة للهجرة، وهي السنة التي بويع فيها السفاح بالخلافة، وقتل فيها مروان بن محمد، آخر خلفاء بني أمية، وكانت مدة الخلافة العباسية خمس مائة سنة، وأربعاً وعشرين سنة تقريباً، وعدّة خلفائهم، سبعة وثلاثون خليفة".


thumb qr1 
 
thumb qr2
 

إحصاءات

عدد الزيارات
16746331
مواقع التواصل الاجتماعية
FacebookTwitterLinkedinRSS Feed

صور متنوعة