العنوان: سقوط الملاذات البوسنية » الآمنة « بأيدي الصرب . الموقف الدولي شجع على تنفيذ المجزرة في مدن البوسنة الشرقية * الكاتب: محمود السيد الدغيم. * جريدة الحياة - لندن: تاريخ. ميلادي: 22-07-1995.* تاريخ.هجري: 24-02-1416.* العدد: 11839. * الصفحة: 18.

bosnia1.JPG 

خريطة البوسنة والهرسك = اضغط هنا لتكبيرها

 

خريطة البوسنة والهرسك حسب توزيع قوات الأمم المتحدة

*اضغط هنا لتكبير الخريطة*

bosnia1.JPG

 

العنوان: سقوط الملاذات البوسنية » الآمنة « بأيدي الصرب . الموقف الدولي شجع على تنفيذ المجزرة في مدن البوسنة الشرقية * الكاتب: محمود السيد الدغيم. * جريدة الحياة - لندن: تاريخ. ميلادي: 22-07-1995.* تاريخ.هجري: 24-02-1416.* العدد: 11839. * الصفحة: 18.

ملاحظة: لقد تم تحويل هذا المقال من وثيقة ما كنتوش إلى وثيقة بي سي، فانعكست الأرقام، ومثال ذلك: سنة 1879 تحولت، فصارت ٩٧٨١. ولذلك يرجى الانتباه إلى الأرقام العكوسة.

تنبيه : الآن وبعد مرور خمس عشرة سنة نُشرت معلومات موثقة أفادت بأن عدد الشهداء المسلمين تجاوز العشرة آلاف. وهذا الإعلان لفت انتباهي إلى أهمية فراسة المؤمنين راجياً من الله تعالى أن أكون منهم، فالذي كتبته قبل خمس عشرة سنة، واستهجنه بعض الأغبياء، واستنكره أعداءُ الإسلام، أصبح اليوم حقيقة يعترف بها القاصي والداني، والعدو والصديق، وهذا مدعاةٌ لزيادة الإيمان والثقة بهداية الله لأن ما كتبته حينذاك لم يكن بفضلٍ مني، بل بفضلٍ من الله تعالى الذي ألهمني أن أكتُب ما كتبتُ، وهذا يتطلب مني التذكير بقوله تعالى:

"إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (75) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (76) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ" صدق الله العظيم. انظر: سورة الحجر؛ الآية: 75-77.

وجاء التفسير: قال ابن عباس رضي الله عنهما: لِلْمُتَوَسِّمِينَ: للناظرين. وقال مجاهد: للمتفرسين. وقال قتادة: للمعتبرين. وقال مقاتل: للمتفكرين.

وورد في الحديث النبوي الشريف: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " احْذَرُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ، وَينطقُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ " ولهذا الحديث أكثر من طريق، حيث يروى من حديث ثوبان : أخرجه ابن جرير في تفسيره (14/47) . وحديث أبى سعيد : أخرجه أبو نعيم في الحلية (10/281) . وللحديث أطراف أخرى منها : "اتقوا فراسة المؤمن"، "احذروا فراسة المؤمن" . فحديث أبى سعيد : أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (7/354) ، والترمذي (5/298 ، رقم 3127) ، وقال : حديث غريب . وأبو نعيم في الحلية (10/281) . وأخرجه أيضًا : الطبري (14/46) . وحديث أبى أمامه : أخرجه الطبراني (8/102 رقم 7497) قال الهيثمي: (10/268) : إسناده حسن . والحكيم (3/86) ، وابن عدي (4/206 ، ترجمة: 1015 عبد الله بن صالح) ، والخطيب (5/99) . وأخرجه أيضًا : الطبراني في الأوسط (3/312 ، رقم: 3254) ، والقضاعي (1/387 ، رقم: 663) . وحديث ابن عمر رضي الله عنهما: أخرجه الطبري (14/46) .

ومن غريب الحديث : "اتَّقُوا فِرَاسَة المؤمن" : هي ما يُوقِعُه الله تعالى في قلُوب أوليائه ، فَيْعلَمون أحوال بعض الناس بنوع من الكرامات وإصابة الظَّنّ والتخمين .

هذا ما نطقتْ به الآياتُ القرآنية، والآثار النبوية، وما جاء في شروحها وتفسيرها.

وأنا العبدُ لله: محمود؛ المُحتاج إلى عفوه؛ لا أدعي الولاية، ولكنني آملُ أنْ يجعلني اللهُ تعالى من أصحاب المغفرة والكرامة والهداية؛ الذين ينظرون بنور الله، فَيَرَوْنَ الفِتَنَ وهي مُقبلة، بينما لا يَراها الآخرون إِلاّ وهي مُدبِرة بعد فوات الأوان

إليكم أيها الأحباء مقالاً كتبتُه سنة 1416 للهجرة، ونحن الآن في سنة 1432 للهجرة. الموافقة لسنة 1995 للميلاد، ونحن الآن على أبواب سنة 2011 للميلاد، فهل من مُعتبر، وهل من مُتفكّر؟

* العنوان: سقوط الملاذات البوسنية » الآمنة « بأيدي الصرب . الموقف الدولي شجع على تنفيذ المجزرة في مدن البوسنة الشرقية.

* الكاتب: محمود السيد الدغيم. * جريدة الحياة - لندن: تاريخ. ميلادي: 22-07-1995.* تاريخ.هجري: 24-02-1416.* العدد: 11839. * الصفحة: 18.

بعدما غابت سيرة المسلمين البوسنيين عن الصفحات الأولى، وكادت تختفي من الصفحات الداخلية وأصبحت ترِد سيرتهم عرضاً في نشرات الأخبار المسموعة والمرئية، نفذ الصرب سلسلة من الجرائم في مدن وقرى البوسنة واقتحموا الأماكن التي اعتبرت من الملاذات الآمنة، واعتقلوا عناصر القوات الدولية العاملة تحت علم الأمم المتحدة، وقتلوا العديد من العناصر الفرنسية.

هكذا غابت قضية المسلمين البوسنيين عن العناوين الرئيسية لتصبح عنواناً ثانوياً، وأصبح العنوان الرئيسي قضية القوات الدولية الذين كبلهم الصرب بالأغلال، وجردوهم من أسلحتهم، واستولوا على مستودعات الأسلحة التي وضعت كأمانات لدى القوات الدولية بناء على قرارات صدرت عن الأمم المتحدة.

بعد هذه وتلك احتلت قضية البوسنة مكانة ثانوية وربما أقل أهمية من الصراع السوداني - المصري المفتعل الذي استأثر باهتمام البسطاء من أبناء العرب والمسلمين.

بهذه الطرق الملتوية تم الإعداد لاجتياح »الملاذات الآمنة« في البوسنة - الهرسك. قُصفت بيخاتش واجتاح العديد من مناطقها صرب كرايينا. وتعرضت ساراييفو للقصف ونيران القناصة، وفي بيخاتش ومحيط العاصمة سقطت هيبة القوات الدولية، فتجرأ الصرب على اختراق الحرمات معرضين عن القيم الإنسانية، والفضائل الدينية، ومخترقين للعادات والتقاليد والعرف العام، وعاثوا فساداً، فذكرونا، بالنازية والفاشية والصهيونية.

الصرب يعتدون، والعالم الإسلامي يحلم بإرواء الغليل من سراب الوعود الأميركية، وكأن من أقام وطناً من جماجم الهنود الحُمر سوف يهتم بمأساة مسلمي البوسنة - الهرسك.

وكلما دوى رعدٌ خُلبيٌّ في الحلف الأطلسي، ولمع برقٌ في فرنسا، ينام العالم الإسلامي على الأضغاث والأحلام بقرب وضع حدّ مشرِّف لمأساة البوسنة التي أثبتت أنّ عالمنا المعاصر خالٍ من الإنسانية وهو يحترم عدوان الأقوياء.

سريبرنيتسا، وجيبا، وغوراجدا: ثلاث مُدن إسلامية في المنطقة الشرقية من بلاد البوسنة، ثلاث مدن يفصل بينها وبين منطقة سنجق »يني بازار« البازار الجديد، نهر درينا الذي حدد الحدود بين صربيا والبوسنة. فخرجت منطقة السنجق من دائرة البوسنة في ٩٧٨١ أمام التحالف الروسي - الأوروبي آنذاك وبقيت المدن الثلاث مع البوسنة يحدها نهر درينا من الشرق، ونهر سافا من الشمال على الحدود الكرواتية.

واستطاع الصرب منذ قيام الحرب الأخيرة اجتياز نهر درينا غرباً، وقاومت مدن الملاذات الآمنة طوال هذه الأيام، لكن الأمم المتحدة رحلت المدافعين عن المدن الثلاث واستلمت أسلحتهم، وانسحبت القوات الدولية تاركة قوة هولندية للدفاع.

وفي ظل التآمر والهوان سقطت سريبرنيتسا يوم الثلاثاء في 11/ 7 / 1995م

تشكل سريبرنيتسا وزفورنيك وسراييفو مثلثاً متساوي الخطين، قاعدته من زفورنيك إلى سريبرنيتسا حوالي ٠٣ كلم، والمسافة من زفورنيك إلى العاصمة ٢٤١ كلم، ومثلها من سريبرنيتسا إلى ساراييفو.

وسقوط سريبرنيتسا يعني تغييراً جديداً في خطوط التماس إذ سيصبح خط الجبهة من توزلا إلى زفورنيك ٤٥ كلم، ومن زفورنيك إلى ساراييفو ٢٤١ كلم. ولا تتوقف المطامع الصربية عند هذا الحد بل يجتاح الصرب ملاذاً آخر هو مدينة جيبا، وتقع على مسافة ٠٣ كلم تقريباً جنوب غرب سريبرنيتسا، ويعدون العدة لاجتياح مدينة غوراجدا التي تقع جنوب شرقي ساراييفو مسافة ١٠١ كلم، والى الشمال من فوتشا المحتلة مسافة ٣٣ كلم، والى الشرق من بالي مسافة ١٨ كلم تقريباً.

قام الصرب بعد سقوط سريبرنيتسا بتصفية المسلمين الذكور الذين تجاوزوا الحادية عشرة من أعمارهم، واغتصاب النساء وتشريدهن وطرد من تبقى خارج المدينة المنكوبة.

حتى الآن لا يعرف الرقم الدقيق للضحايا بسبب منع الصرب دخول المراقبين الدوليين أو الصحافيين. وعلى رغم إن وسائل الإعلام تعطي بعض المعلومات والأرقام لكنها متدنية كثيراً أمام الحجم الحقيقي والمتوقع. نقول ذلك استناداً إلى نتائج إحصاء اجري سنة ٠٩٩١

وذكر إن عدد سكان سريبرنيتسا ١١٢٠٧٣ نسمة، وكان فيها ٩١ جامعاً، و٢٣ مكتباً »كُتاب« وتكية واحدة، و٢٢ خاناً، وبرج ساعة واحد، وقلعة واحدة بناها المسلمون العثمانيون. إلى السكان الأصليين نزح الى سريبرنيتسا باعتبارها »ملاذاً آمناً« عدد مماثل من المدن والقرى التي اجتاحها المعتدون الصرب ليصبح سكانها أكثر من خمسين ألف نسمة بعد الهجرة والتهجير، فإذا كان الذكور ٠٠٠٥٢ فهذا يعني أن الصرب قد أسروا أكثر من ٠٠٠٥١ رجل مسلم ممن تجاوزوا الحادية عشرة من أعمارهم، وهؤلاء معرضون للذبح لأنهم مسلمون لا غير. فهل المسلمون هم هنود القرن العشرين الحمر؟

أما جيبا "Zepa" فقد ازداد عدد سكانها بعدما صارت »ملاذاً آمناً« وبلغ أكثر من عشرين ألف ٠٠٠٠٢ نسمة لاذوا بها طمعاً بحماية القبعات الزرق وخاب أملهم. فالمدينة الآن تحت رحمة الصرب، وقريباً ستدمر الآثار الإسلامية فيها. ففي الحرب العالمية الثانية هدم الجامع العتيق »إسكي جامع« ثم أعيد بناؤه، وربما سيهدمه الصرب كما هدمه النازيون الألمان، وربما سيهدمون برج رجب باشا، والجسور العثمانية، وسيحطمون شواهد القبور التي تحمل كتابات عربية وعثمانية تذكر بالماضي القريب.

ان سقوط »ملاذ« غوراجدا »غير الآمن« كارثة تفوق سقوط سريبرنيتسا وجيبا، لأن تعداد سكانها كان في سنة ٠٩٩١ أكثر من ٥٠٥٧٣ نسمة، ونزح إليها أهالي فوتشا التي تقع إلى جنوبها مسافة ٣٣ كلم، وكان عددهم ٣١٥٠٤ نسمة. وقد كان في غوراجدا جامعان، وثلاث ترب إسلامية، وجسر عثماني، ودار ضيافة عثمانية، أما فوتشا فقد كان فيها ٦٣ جامعاً، و٦ مدارس، و٤١ مكتباً »كُتاب« و٨ تكايا، ودار إمارة واحدة، و٩ خانات عثمانية، و٨ حمامات، وتربتان إسلاميتان، وبرج ساعة واحد، و٣ جسور عثمانية، وسبيل ماء واحد. ودمر الصرب تلك الآثار الإسلامية، في وقت تُمول فيه اليونسكو عمليات التنقيب عن آثار اليونان والرومان وعبدة الاوثان في العالم الإسلامي.

إلى سكان المدن التي ذكرناها يجب ان لا ننسى ان سكان القرى والمدن التي اجتاحها الصرب سابقاً لاذوا »بالملاذات غير الآمنة« في المدن الثلاث، وبعضهم رحل شمالاً نحو توزلا التي أصبحت تضم حوالي مليوناً يهددهم الصرب بالتصفية والاغتصاب والتهجير.

وسبق ان صفى وهجر المعتدون الصرب سكان رودو (Rudo) التي تقع إلى الشرق من غوراجدا مسافة ٠٣ كلم تقريباً، وكان عدد سكانها ٢٧٥١١ نسمة، وسكان جاينجه (Cajnice) ٩١٩٨١ نسمة، وتقع جنوب شرق غوراجدا مسافة ١٢ كلم، وفيشي غراد (Visegrad) التي تقع شمال شرق غوراجدا مسافة ٨٣ كلم، وعدد سكانها ٢٠٢١٢ نسمة، وسكان مدينة روغاتيتسا (Rogatica) التي كانت تسمى سابقاً * جلبي بازار: أي سوق جلبي، وكان عدد سكانها ٢١٨١٢ نسمة، وهي غربي فيشي غراد مسافة ٤٢ كلم، والى الشمال من غوراجدا مسافة ٤٣ كلم والى الشرق من صوقلى مسافة ٨٢ كلم، والى الجنوب من جيبا مسافة ٠٣ كلم. وسكان صوقلى التي أنجبت الصدور العظام من آل صوقلي، وتسمى الآن صوقولاتس (Sokolac) وعدد سكانها ٣٣٨٤١ نسمة، تبعد عن ساراييفو شرقاً ٦٤ كلم، وعن جيبا غرباً ٩٢ كلم تقريباً، وعن غوراجدا شمالاً ١٦ كلم، والى جنوب غرب سريبرنيتسا مسافة ٨٥ كلم تقريباً، وجنوب غرب زفورنيك مسافة ١٠١ كلم، وجنوب توزلا ٩٣١ كلم، وسكان خان بييساك (Han Pijesak) وعددهم ٦٤٣٦ نسمة، وتقع خان بييساك إلى شمال شرق صوقلي مسافة ٢٣ كلم، والى الغرب من سريبرنيتسا مسافة ٥٣ كلم، والى شمال غرب جيبا مسافة ٠٣ كلم. إلى هؤلاء يضاف سكان القرى الصغيرة، وعدد كبير من المهجرين من المناطق الجنوبية التي احتلها الصرب سابقاً.

إن حصر أعداد ضحايا مجازر التصفية الدينية في البوسنة - الهرسك يكشف لنا عن أرهب مجازر هذا القرن، فبعملية حسابية غير معقدة يتضح لنا أن عدد سكان المدن التي ذكرناها هو أكثر من نصف مليون: ٨٩٣٤٠٥، يضاف إليهم مائة ٠٠١ ألف من المهاجرين من المناطق الجنوبية، وخمسين ٠٥ ألفاً من سكا ن الأرياف، فيتضح لنا أن مأساة »الملاذات الآمنة« هي مأساة (أكثر من ست مائة ألف)٨٩٣٤٥٦ نسمة. هذا هو الرقم الأقرب إلى الصحة في ما يخص عدد سكان المنطقة الشرقية من البوسنة. إنها كارثة تفوق كارثة القنابل الذرية الأميركية في ناغازاكي وهيروشيما.

لو تصورنا أن نصف سكان المنطقة الشرقية من البوسنة قد هاجروا، فان عدد الباقين هو ٩٩١٧٢٣ نسمة، ولو صدقنا أن نصف الباقين قد قُتل في المعارك لبقي ٠٠٦٣٦١ نسمة، ولو كان نصف هؤلاء من الإناث لكان عدد الذكور هو ٠٠٨١٨، ولو آمنا وصدقنا أن نصفهم لم يتجاوز الحادية عشرة من العمر لاتضح لنا أن عدد الأسرى هو (أربعون ألفاً وتسع مائة) ٠٠٩٠٤ نسمة من رجال وشبان.

هذا هو العدد الأقرب إلى الصحة، وهو مخالف لما تروجه وكالات الأنباء الغربية المتواطئة في غياب الوكالات العربية والإسلامية. إن الغاية من خفض الأرقام هي تضليل الرأي العام وامتصاص النقمة الإنسانية.

سبق وحذرنا مما يحدث الآن منذ أكثر من سنتين إذ نُشر في صفحة قضايا * الحياة: مقال تحت عنوان »سربيرنيتسا الشاهد التاريخي على الجريمة« يوم الخميس (22/4/1991م) ٢٢/٤/٣٩٩١ جاء في مقدمته »لن نعود إلى الماضي البعيد لأن تاريخ المسلمين الإنساني في البلقان واضح، وسرده يحتاج إلى مجلدات، لذا نقتصر على ذكر الحاضر والماضي القريب، وما أسباب ذلك إلا الوقوف على أطلال مدينة سريبرنيتسا المسلمة التي أصبحت حديث الساعة في وسائل الإعلام، وشاهد عيان على همجية الصرب، وتواطؤ النظام الغربي الجديد«.

 وجاء فيه » أما اليوم (22/2/1993م) * ٢٢/٤/٣٩٩١: فتقوم قوات الصرب المعززة بالمرتزقة الروس والرومان واليونان بقصف المدينة وتخريبها، وقطع الطرقات المؤدية إليها، بينما تقوم منظمة الأمم المتحدة بترحيل بعض المرضى والأطفال والعجزة إلى مدينة توزلا في الشمال، ومجلس الأمن يؤجل جلساته، وأميركا ترهن قرارها باستخدام القوة بموافقة حلفائها.

إن كلمة الحق هي: أن القوى دائمة العضوية في مجلس الأمن هي قوى متآمرة على سلامة المسلمين في البوسنة والهرسك وكل بقاع الدنيا. لقد »حصحص الحق« وتجسدت جهود المنظمة الدولية بتصويت مجلس الأمن ليلة السبت ٧١/٤/٣٩٩١ »الذي هاله الهجوم الوحشي على سريبرنيتسا. فصوت على تشديد العقوبات على »يوغوسلافيا« وفي تحدٍّ جديد هدّد الصربي الإرهابي رادوفان كاراجيتش - رداً على ذلك - بمقاطعة أية محادثات سلام جديدة بإشراف الأمم المتحدة، لكنه قال: إن الكلمة الفصل تعود إلى البرلمان البوسني الصربي. وجاء في الإنباء »وعن المعاناة الأخيرة لسكان سريبرنيتسا، السبت ٧١/٤/٣٩٩، أُفيد بعد ظهر أمس أن معظم الأهالي واللاجئين * (ستون) ٠٦ ألف شخص: كانوا في الملاجئ، فيما كانت القوات الصربية تحكم الطوق على البلدة المحاصرة، وعُلم أن القصف الصربي أصاب المنطقة الصناعية، ومركز البريد الذي تتحرك فيه وحدة صغيرة من القوات الدولية * ٤١ فرداً: كما قتل ٠٢ شخصاً وجرح ٠٣ شخصاً آخرون أثناء تقدم الدبابات الصربية«.

وآخر ما توصل إليه »النظام العالمي الجديد« هو مطالبة المسلمين تسليم أسلحتهم في المدينة المحاصرة لقوات الأمم المتحدة بناءً على رغبة الصرب، وبعد ذلك يتم إخلاء سريبرنيتسا من المقاتلين، وما لم يُعلن عنه هو: تسليم المدينة للصرب في وقت لاحق. »الحياة 22/4 1993م « ٢٢/٤/٣٩٩١.

هذا ما نُشر في »الحياة« قبل سنتين وثلاثة أشهر تقريباً. فقد جمعت قوات الأمم المتحدة - وبقرار لئيم - أسلحة المسلمين، وبعد سنتين وربع السنة سلمت قوات الأمم مدينة سريبرنيتسا للصرب.

وفي 29/6 1993م ٩٢/٦/٣٩٩١، نشرت لي»الحياة« مقالاً تحت عنوان »سبعون ألفاً في غوراجدا يعانون من الحصار الصربي. العالم يقدم الوعود والقرارات لإيقاف حمامات الدم في البوسنة والهرسك« وجاء في مقدمته: »في منتصف العام الجاري1993م يمر على حصار غوراجدة خمس عشرة ٥١ شهراً ، وبهذا تحطم المدينة رقماً قياسياً في الصمود. ويكتسب الصمود أهمية خاصة لأنه يستمر في ظروف غير متكافئة في العدة والعدد، وزاد من صعوبات مقاومة المدينة سقوط مدينة تربينيا في الجنوب - منذ بداية الحرب - فتمددت الحرب شمالاً نحو ساراييفو ففصلت عن غوراجدة التي لم يبق لها إلا المنفذ الشمالي المؤدي إلى منطقة توزلا مروراً في منطقة أزوورنيق »زفورنيك« وعندما احتلت القوات الصربية مدينة سريبرنيتسا في 17/4/ 1993م  أحكمت حصار مدينة غوراجدا، وبدأت معاناة ستين 60 ألف مسلم تحت الحصار. وأصدر مجلس الأمن قراراً بتشديد العقوبات على صربيا بمفعول متأخر يبدأ في 26/4/ 1993م، لإعطاء فرصة كافية للقوات الصربية حتى تتمكن من ذبح المسلمين في غوراجدا وسريبرنيتسا.

إزاء هذه المأساة تكتفي الدول الأوروبية بالكلام الفارغ، وتطلق أميركا الوعود المطاطية، ونحن أسقطنا الحرج عن أنفسنا بادعاء العجز وعدم الاستطاعة.

وفي هذا الجو تستمر الكارثة، وتقوم القوات الصربية بتضييق الخناق، وإحكام الحصار يوماً بعد يوم بدعم من روسيا ورومانيا واليونان. وتلعب الدول التي تناصر الصرب دور الوسيط التجاري، والحليف الاستراتيجي، فتقدم الدعم الكامل للصرب، وتستورد لهم السلع اللازمة لهم. وأحياناً تُهرب بعض السلع من الدول الإسلامية إلى صربيا وكرواتيا، وتساهم في تعزيز الحصار ولو بشكل غير مباشر

هكذا تدور المحادثات الصربية ولا تتمخض إلا عن قرارات هزيلة تستخدم في تضليل الرأي العام وتحذيره بغية إعطاء فرص زمنية أطول للصرب والكروات على السواء ليتمكنوا من إبادة المسلمين المدنيين المحاصرين أو تهجيرهم كخطوة أولى على طريق تنقية أوروبا من المسلمين. وهذا هو الوجه العنصري الأوروبي الذي يتستر وراء العديد من أقنعة الشعارات المزيفة.

فالحصار العسكري مقدمة من مقدمات السقوط الاستراتيجي، وإحكام الحصار يختصر الزمن اللازم للقوات المهاجمة والمسافة لأنه يؤدي إلى انعدام الإمداد والمساندة. وهذا ما يحصل في غوراجدا التي ستقع ضحية في نهاية الأمر.

وبعد مجازر البشر، سيبدأ تدمير الآثار الإسلامية لطمس هوية المدينة، وهذا أمر معتاد لمسناه في تدمير جوامع مدينة بانيالوقة. ويذكر أن منظمة اليونسكو أصدرت قراراً بحماية الآثار الإسلامية أسوةً بالآثار الرومانية واليونانية والبيزنطية. ومع ذلك تُدمر الآثار الإسلامية في أوروبا نهاية القرن العشرين.

إن الشيء بالشيء يذكر، لذلك نُذكِّر بما كتبناه في » جريدة الحياة (16-6/1993م)« في ٦١/٦/٣٩٩١ تحت عنوان: »خرائط الكروات عن التوزيع السكاني في يوغوسلافيا سابقاً« إذ جاء فيه: »شنّ الصرب يوم الثلثاء (5/5/ 1993م) ٥/٥/٣٩٩١ هجوماً على مدينة جيبا التي يسكنها أربعون ٠٤ ألف مسلم، وذكرت إذاعة البوسنة: أن جيبا تحترق بعدما فتحت المدفعية الصربية نيرانها من كل الاتجاهات على المدينة عند الفجر تقريباً * ...

وطالبت حكومة البوسنة الأمم المتحدة، والولايات المتحدة باتخاذ خطوات عاجلة لوقف العدوان فوراً، إذ يوجد هنالك ٠٤ ألف مسلم في جيبا بينهم (خمسة وثلاثون ألفاً) ٥٣ من اللاجئين أتوا إليها من القرى المجاورة في شرقي البوسنة، ومن بين المحاصرين (ثمانية آلاف) ٠٠٠٨ طفل، ولا غذاء ولا دواء والجوع والمرض والقصف يغطي المنطقة في وقت استمر فيه اللغط عن المناطق الآمنة«. * »الحياة« 16/6/ 1993م:

منذ أكثر من سنتين كتبنا عن سريبرنيتسا وغوراجدا وجيبا، وغير ذلك من المدن الإسلامية في البوسنة والهرسك وحصل ما توقعناه، فقد نفذّت الأمم المتحدة خططها العدوانية. وخدّرت أبناء العالم الإسلامي، بالقرارات الوهمية التي تشبه الشيكات البنكية دون أرصدة.

30079 * الحياة:...........عام * العنوان: سقوط الملاذات البوسنية » الآمنة « بأيدي الصرب . الموقف الدول


thumb qr1 
 
thumb qr2
 

إحصاءات

عدد الزيارات
14323239
مواقع التواصل الاجتماعية
FacebookTwitterLinkedinRSS Feed

صور متنوعة