استضافت قناة المستقلة الفضائية في لندن: د. محمود السيد الدغيم ، لحوار حول تاريخ جعفر الطيار رضي الله عنه، وذلك في الساعة السادسة والنصف بتوقيت لندن ، مساء يوم الأربعاء ، الثاني من كانون الثاني/ يناير 2008م . وألقيت في هذه الحلقة قصيدة غزوة مؤتة. اضغط على الصورة لمشاهدتها بشكل أوسع

***

رابط الحلقة التلفزيونية حول جعفر الطيار رضي الله عنه

اضغط هنا

****

ألقيت في هذه الحلقة قصيدة

غزوة مؤتة

شعر: د. محمود السيد الدغيم

2 كانون الثاني/ يناير 2008م

لاْحَتْ بِمُؤْتَةَ لِلأَبْطَاْلِ أَسْرَاْرُ
فِيْهَا الْخَلاْصُ، وَفِيْهَا النُّوْرُ وَالنَّاْرُ

زَيْدٌ يَصُوْلُ كَلَيْثٍ تَحْتَ رَاْيَتِهِ
مِنْ أَشْرَفِ النَّاْسِ أَصْحَاْبٌ وَأَنْصَاْرُ

وَسَيْفُ خَاْلِدِ مَسْلُوْلٌ كَصَاْعِقَةٍ
وَذُو الْجَنَاْحَيْنِ فِي الْمَيْدَاْنِ طَيَّاْرُ

فِيْهِمْ عَبَاْدِلَةُ الإِسْلاْمِ دَيْدَنُهُمْ
نَصْرٌ قَرِيْبٌ، وَتَسْبِيْحٌ، وَأَذْكَاْرُ

تُعِيْنُهُمْ مِنْ جُنُوْدِ اللهِ طَاْئِفَةٌ
فَلِلْمَلائِكِ إِيْرَاْدٌ وَإِصْدَاْرُ

وَلِلشَّهَاْدَةِ عُشَّاْقٌ يُبَشِّرُهُمْ
بِالنَّصْرِ أَحْمَدُ؛ إِنْ حَلُّوْا وَإِنْ سَاْرُوْا

وَبِالْمَدِيْنَةِ دَاْرُ لَيْسَ يَحْكُمُهَاْ
إِلاَّ الرَّسُوْلُ فَنِعْمَ الْحُكْمُ وَالدَّاْرُ

مَدِيْنَةُ الأَمْنِ لاْ خَوْفٌ يُعَكِّرُهَاْ
يَصُوْنُهَاْ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ أَحْرَاْرُ

القصيدة من البحر البسيط

********

طائر الجنة الغرّيد .. جعفر بن أبي طالب

 
هو ابن عم رسول الله { وأخو علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ورابع الخلفاء الراشدين أخواته: عقيل وأم هانيء، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم وهو من السابقين في الإسلام.

 كان شاباً متقداً وحليماً ومتواضعاً و صاحب نضرة اهابة وكان تقياً كريماً طاهراً عفيف الفضيلة

(1)

 وهو من الخمسة الذين يشبهون رسول الله { وهم أبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب ابن عم الرسول { وأخوه من الرضاعة وقثم بن العباس بن عبدالمطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، والسائب بن عبيد بن عبديزيد بن هاشم جد الإمام الشافعي، والحسن بن علي سبط رسول الله { وهو أشد الخمسة شبها، وجعفر بن أبي طالب

(2).

 وقال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أشبهت خَلقي و خُلقي) رواه البخاري ومسلم، انه أبو المساكين و ذي الجناحين و طائر الجنة الغريد الذي أعزه الله بالإسلام فكان مثالا في الدنيا وعظيما خالدا في الجنة

(3)

، تزوج من أسماء بنت عميس التي أعلنت إسلامها معه في نفس اليوم، لاقى من الاضطهاد و الأذى هو و زوجته ما لاقى المسلمون الأولون وصبر وكانت قريش تقف له على كل مرصد وتحصى عليه أنفاسه، هاجر مع زوجته ونفر من أصحابه إلى ارض الحبشة بعد أن استأذنوا رسول الله {وسمح لهم ولكنه كان حزيناً على مفارقتهم ولم يكن يملك من القوة والحول مايدفع عنهم أذى قريش ليستقر و يمارس عبادته وطاعته على اكمل وجه في جوار الملك العادل الصالح

(4)

الذي كان ذكره يسبقه وسيرته العادلة ينتشر عبيرها في كل مكان تبلغه من أجل هذا اختار الرسول صلى الله عليه وسلم بلاده دار هجرة لأصحابه ومن أجل هذا خافت قريش من ان يزداد نفوذ المسلمين فحملت مبعوثيها هدايا ضخمة للأساقفة وكبار رجال الكنيسة هناك. فأوصى رجال قريش أن لا يقابل مبعوثيهما الملك حتى يعطيا الهدايا للبطارقة أولاً ويقنعاهم بوجهة نظرهما ليكونوا لهما عونا عند النجاشي، وحط الرسولان رحالهما بالحبشة وقابلا بها الزعماء الروحانيين كافة ونثرا بين أيديهم الهدايا ثم أرسلت للنجاشي هداياه ومضيا يوغران صدور القسس والأساقفة ضد المسلمين المهاجرين. ويستجيران بهم لحمل النجاشي على إخراجهم من بلاده وكان المبعوثان عبدالله بن أبي ربيعه وعمرو بن العاص قبل أن يعلنا إسلامهما وحدديوماً يلقيان فيه النجاشي ويواجهان بين يديه خصوم قريش الذين تلاحقهم بكيدهم وأذاها

(5)

. قالت أم سلمة: ولم يكن هناك شيء أكره لعمرو وصاحبه من أن يستدعي النجاشي أحد منا ويسمع كلامه ثم آتيا النجاشي وقدما إليه الهدايا التي استطرفها واعجب بها ثم كلماه فقالا: أيها الملك انه قد آوى إلى مملكتك طائفة من أشرار غلماننا قد جاؤوا بدين لا نفهمه نحن و لا انتم ففارقوا ديننا ولم يدخلوا في دينكم وقد بعثنا إليك أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم وهم اعلم الناس بما أحدثوه من فتنة فنظر النجاشي إلى بطارقته فقال البطارقة صدقا أيها الملك فان قومهم ابصر بهم واعلم بماصنعوا فردهم إليهم ليروا رأيهم فيهم فغضب الملك العادل غضبا شديدا من كلام بطارقته وقال: لا أسلمهم لأحدحتى أدعوهم وأسألهم عما نسب إليهم فإن كانوا كما يقول هذان الرجلان أسلمتهم لهما وان كانوا على غير ذلك حميتهم وأحسنت جوارهم ما جاوروني قالت أم سلمة ثم أرسل النجاشي يدعونا للقائه فاجتمعنا قبل الذهاب إليه وقال بعضنا لبعض إن الملك سيسألكم عن دينكم فاصدعوا بما تؤمنون به وليتكلم عنكم جعفر بن أبي طالب و لا يتكلم أحد غيره

(6)

 قالت أم سلمة ذهبنا وبكل تواضع جلس النجاشي تحف به الأساقفة

 ورجال الحاشية ونشروا كتبهم بين أيديهم ووجدنا عنده عمرو بن العاص وعبدالله بن أبي ربيعة فلما استقر بنا المجلس التفت إلينا النجاشي وقال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم واستغنيتم به عن ديننا فكان جعفر المتحدث اللبق الموافق باسم الإسلام ورسوله ذلك إن الله قد أنعم عليه بذكاء قلب وإشراق عقل وفطنة نفس وفصاحة لسان إنها محاورة أجراها أمام النجاشي لاتقل روعة و لا بهاء ولا مجداً فألقى نظرة محبة على الملك الذي احسن جوارهم وقال: أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف حتى بعث الله رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى عبادة الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة و الأوثان وامرنا بصدق الحديث و أداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم و الدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور واكل مال اليتيم وقذف المحصنات فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاءه من ربه فعبدنا الله وحده ولم نشرك به شيئاً و حرمنا ما حرم الله علينا وأحللنا ما أحل لنا فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان والى ماكنا إليه من الخبائث فلما نهرونا وظلمونا و ضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك ورغبنا في جوارك ورجونا ألا نظلم عندك.. ألقى جعفر بهذه الكلمات المسفرة كضوء الفجر فملأت نفس النجاشي إحساساً وروعة و التفت إلى جعفر وسأله: هل معك مما انزل على رسولكم شيء قال جعفر: نعم، قال النجاشي فاقرؤه على ومضى جعفر يتلو عليه آيات من سورة مريم في أداء عذب وخشوع آسر فبكى النجاشي وبكى أساقفته جميعا ولما كفكف دموعه الهاطلة الغزيرة التفت إلى مبعوثي قريش وقال: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة انطلقا فلا والله لا أسلمهم إليكما قالت أم سلمة: فلما خرجنا من عند النجاشي توعدنا عمرو بن العاص وقال لصاحبه والله لآتين الملك غداً و لأذكرن له من أمرهم ما يملأ صدره غيظا منهم ويشحن فؤداه كرها لهم ولأحملنه على أن يستأصلهم من جذورهم فقال عبدالله بن أبي ربيعة: لا تفعل يا عمر فانهم من ذوي قربانا وان كانوا قد خالفونا فقال له عمر: دع عنك هذا و الله لأخبرنه بما يزلزل أقدامهم و الله لأقولن أنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم عبد فلما كان الغد دخل عمر على النجاشي وقال له: أيها الملك أن هؤلاء الذين آويتهم وحميتهم يقولون في عيسى ابن مريم قولا عظيما فأرسل إليهم وسلهم عما يقولون فيه قالت أم سلمة فلما عرفنا ذلك نزل بنا من الهم و الغم ما لم نتعرض لمثله قط وقال بعضنا لبعض ماذا تقولون في عيسى ابن مريم إذا سألكم عنه الملك فقلنا و الله ما لانقول فيه إلا ما قال الله و لا نخرج في أمره قيد أنملة عما جاءنا به نبينا وليكن بسبب ذلك ما يكون ثم اتفقنا مرة أخرى أن يتولى الكلام جعفر بن أبي طالب فلما دعانا الملك دخلنا عليه وصرنا بين يديه بادرنا بقوله: ماذا تقولون في عيسى ابن مريم فقال جعفر: إنما نقول فيه ما جاء به نبينا{فقال النجاشي وما الذي يقول فيه فأجاب جعفر يقول عنه انه عبد الله ورسوله وروحه وكلمته التي ألقاها إلى مريم العذراء البتول فما أن سمع النجاشي القول حتى ضرب بيده الأرض وقال: والله ما خرج عيسى ابن مريم عما جاء به نبيكم مقدار شعرة فتناخرت البطارقة من حول النجاشي استنكارا لما سمعوا منه فقال: وان نخرتم ثم التفت وقال: اذهبوا فانتم آمنون من سبكم غرم ومن تعرض لكم عوقب والله ما احب أن يكون لي جبل من ذهب وان يصاب أحد منكم بسوء ثم نظر إلى عمرو وصاحبه وقال: ردوا على هذين الرجلين هداياهم فلا حاجة لي قالت أم سلمة: فخرج عمرو وصاحباه مكسوران مقهوران يجران أذيال الخيبة أما نحن فقد أقمنا عند النجاشي بخير دار وأكرم جار ومضى  10 سنوات هو وزوجه آمنين مطمئنين وفي السنة السابعة للهجرة غادر بلاد الحبشة مع نفر من المسلمين متجهين إلى يثرب عندما كان رسول الله عائدا لتوه من خيبر بعد أن فتحها الله ففرح بلقاء جعفر فرحا شديداً حتى قال: ما ادري بأيهما أنا اشد فرحا ابفتح خيبر أم بقدوم جعفر

(7)

 وبذلك يكون جعفر بن أبي طالب قد هاجر الهجرتين الأولى للحبشة والثانية إلى يثرب بعد أن رزق من زوجته أسماء بنت عميس عبدالله وعونا ومحمد

(8)

 وبعد أن عاد إلى المدينة وامتلأت نفسه روعة بما سمع من أنباء اخوانه المؤمنين الذين خاضوا مع رسول الله غزوة بدر واحد وغيرها من المشاهد و المغازي وفاضت عيناه دمعا على الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه وقضوا نحبهم شهداء أبرار وطار فؤاده شوقا إلى الجنة فكانت غزوة مؤتة عندما استعمله الرسول{عندما أرسله مع زيد ابن حارثة وعبدالله بن رواحة لملا قاة ومنازلة الروم في بلاد الشام وكان أوصى{إن قتل زيد أو أصيب فالأمير جعفر يحمل الراية وإن قتل جعفر أو أصيب فالأمير عبدالله بن رواحه ويقال انه أول من عقر من المسلمين دابته عند الحرب حتى لا ينتفع بها الأعداء قال ابن عمر كنت فيهم في تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن أبي طالب في القتلى ووجدنا فيما اقبل من جسده بضعا وتسعين من طعنة ورمية

(9)

 أما كيف دارت المعركة فقد التقى الجمعان في مؤتة على مشارف الشام في الأردن ودارت رحى المعركة وخر زيد بن حارثة صريعا وأخذ الراية جعفر وأوغل في صفوف الروم وهو ينشد
 :
ياحبذ الجنة واقترابها
طيبة وبارد شرابها
كافرة بعيدة أنسابها
علي إذ لا قيتها ضرابها

وظل يصول ويجول حتى أصابته ضربة قطعت يمينه فاخذ الراية بشماله فما لبث أن أصابته أخرى قطعت شماله فاخذ الراية بصدره وعضدية فما لبث أن أصابته ثالثة شطرته شطرتين فاخذ الراية عبدالله بن رواحه فما زال يقاتل حتى لحق بصاحبيه وعن ابن عباس بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وأسماء بنت عميس على مقربة منه إذ قال: يا أسماء هذا جعفر مع جبريل وميكائيل مر فاخبرني انه لقي المشركين يوم كذا وكذا بثلاثة أو أربع فسلم فردي عليه السلام وقال: أنه لقي المشركين فأصابه في مقاديمة ثلاث وسبعون بين طعنة وضربة فاخذ اللواء بيده اليمنى فقطعت واخذ اللواء بيه اليسرى فقطعت قال فعوضني الله من يدي جناحين أطير بهما مع جبريل وميكائيل في الجنة آكل من ثمارها ما شئت وذكر بقية الحديث قال: فلذلك سمي الطيار الغريد في الجنة

(10)

 وهكذا صنع جعفر لنفسه موتة من أعظم موتات البشر

(11)

 وهكذا لقي ربه الكبير المتعال مضخما بفدائيته مدثرا ببطولته وأنبأ العليم الخبير رسوله بمصير جعفر فاستودعه الله وبكى وقام إلى بيت ابن عمه ودعا أطفاله وبنيه فتشممهم وقبلهم وذرفت عيناه وأقبلت عليه أسماء فقالت يارسول الله ما يبكيك؟ أبلغك عن جعفر وصاحبيه شيء وقال: نعم لقد استشهد هذا اليوم فمضى وهو يكفكف عبراته ويقول: اللهم اخلف جعفر في ولده الهم اخلف جعفر في أهله ثم قال لقد رأيت جعفر في الجنة له جناحان مضرجان بالدماء وهو مصبوغ القوادم

(12)

 وقال لأسماء التي أخذت تبكي وتتشنج يا أسماء لا تقولي هجراً ولاتضربي صدراً قالت فخرج الرسول صلى الله عليه وسلم حتى دخل على ابنته فاطمة وهي تقول واعماه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: على مثل جعفر فلتبك الباكية ثم قال: اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد شغلوا عن أنفسهم اليوم أما أسماء فقد رثته وقالت:

ياجعفر الطيار خير مصرف   للخيل يوم تطاعن وشياح
قد كنتُ ذاتَ حميةٍ ما عشت لي
امشي البزاز وكنت أنت جناحي
قد كنت لي جبلا ألوذ بظله
فتركتني امشي باجرد ضاح
وإذا دعت قمرية شجنا لها
يوما على فنن بكيت صباحي
فاليوم اخشع للذليل واتقي منه
وادفع ظالمي بالراح

(روى له النسائي في اليوم و الليلة)
ثم جاءت زوجة جعفر تشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفقر واليتم: فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم العيلة والفقر تخافين و أنا وليهم في الدنيا والآخرة وهكذا امتدت يد الرسول صلى الله عليه وسلم لترعى أبناء الشهيد وتكرم الأسرة اعترافا بفضله وتقديرا لبطولته وشجاعته أما حسان بن ثابت شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه نبأ استشهادهم رثاهم قائلا:

رأيت خيار المؤمنين تواردو
شعوبا وقد خلفت ممن يؤخر
فلا يبعدن الله قتلى تتابعوا
بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر
وزيد وعبدالله حين تتابعوا
جميعا وأسباب المنية تخطر

ويقول فيها:
وكنا نرى جعفر بن محمد
وفاء وأمرا صارما حيث يؤمر
فلا زال في الإسلام من آل هاشم
دعائم عز لا تزول ومفخر

وهكذا كانت سيرة الصحابي جعفر بن أبي طالب عطرة كان شديد العطف والرعاية على الضعفاء وكثير البر لقب بابي المساكين وقال عنه أبي هريرة كان خير الناس لنا معشر المساكين كان يمضي بنا إلى بيته فيطعمنا ما يكون عنده حتى إذا نفذ الطعام اخرج لنا العكة وليس فيها شيء فنشقها ونلعق ما علق بداخلها

وعن عكرمة قال عن أبي هريرة يقول: ما احتذى النعال ولا ركب المطايا ولا وطيء التراب بعد رسول الله افضل من جعفر بن أبي طالب (رواه الترمذي و النسائي بإسناد صحيح).
كان يحب المساكين يجلس إليهم ويحترمهم ويحترمونه انه صاحب السيرة العطرة و الشجاعة الفائقة والبطولة النادرة يكافأ في جنان الخلد يحمل أوسمة المعركة على كل مكان من جسده الذي أنهكته السيوف و الرماح انه طائر الجنة الغريد ذي الجناحين


المراجع:
(1) الإصابة في تمييز الصاحبة لأبي حجر العسقلاني.
(2) صور من حياة الصحابة د.عبدالرحمن رأفت باشا.
(3) رجال حول الرسول خالد محمد خالد.
(4) صور من حياة الصحابة د. عبدالرحمن رأفت باشا.
(5) رجال حول الرسول خالد محمد خالد
(6) صور من حياة الصحابة د. عبدالرحمن رأفت باشا.
(7) صور من حياة الصحابة د. عبدالرحمن رأفت باشا.
(8) تهذيب الكمال.
(9) تهذيب الكمال.
(10) تهذيب الكمال.
(11) رجال حول الرسول خالد محمد خالد.
(12) صور من حياة الصحابة د. عبدالرحمن رأفت باشا.

**********************

****************

جعفر بن أبي طالب
أبي المساكين ، ذي الجناحين

لا أدري بأيهما أنا أسر : بفتح خيبر، أم قدوم جعفر، حديث شريف 


جعفر بن أبي طالب ، أبو عبد الله ، ابن عم رسـول الله -صلى الله عليه وسلم- ، أخو علي بن أبي طالب ، وأكبر منه بعشر سنين ، أسلم قبل دخول النبـي -صلى الله عليه وسلم- دار الأرقم ، آخذا مكانه العالي بين المؤمنين المبكرين بعد واحد وثلاثين انساناً وأسلمـت معه في نفس اليوم زوجته أسماء بنت عميـس ، وحملا نصيبهما من الأذى والاضطهاد في شجاعة وغبطة ، فلما أذن الرسـول -صلى الله عليه وسلم- للمسلمين
بالهجرة الى الحبشـة خرج جعفر وزوجـه حيث لبثا بها سنين عدة، رزقـا خلالها بأولادهما الثلاثة


جعفر في الحبشة
ولما رأت قريش أن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد أمنوا واطمأنوا بأرض الحبشة ، قرروا أن يبعثوا عبدالله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص محملين بالهدايا للنجاشي وبطارقته عله يخرج المسلمين من دياره ، وحط الرسولان رحالهما بالحبشة ، ودفعوا لكل بطريق بهديته وقالوا له ما يريدون من كيد بالمسلمين ، ثم قدما الى النجاشي هداياه وطلبا الأذن برؤياه ، وقالا له :( أيها الملك ، انه قد ضوى الى بلدك منا غلمان سفهاء ، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك ، وجاؤوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت ، وقد بعثنا اليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشيرتهم لتردهم اليهم ، فهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه ) ،  فأرسل النجاشي صاحب الايمان العميق والسيرة العادلة الى المسلمين وسألهم :( ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا به في ديني ولا في دين أحد من الملل ؟) ، 

فكان الذي اختاره المسلمين للكلام جعفر -رضي الله عنه- فقال :( أيها الملك ، كنا قوما أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث الله الينا رسولا منا ، نعرف نسبه وصدقه ، وأمانته وعفافه ، فدعانا الى الله لنوحده ونعبده  ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، فعبدنا الله وحده ، فلم نشرك به شيئا ، وحرمنا ما حرم علينا ، وأحللنا ما أحل لنا ، فعدا علينا قومنا ، فعذبونا وفتنونا عن ديننا ، ليردونا الى عبادة الأوثان ، فخرجنا الى بلادك ، واخترناك على من سواك ، ورغبنا في جوارك ، ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك ) ،  فقال النجاشي :( هل معك مما جاء به الله من شيء ) ، فقال له جعفر :( نعم ) ، وقرأ عليه من صدر سورة مريم ، فبكى النجاشي وبكت أساقفته ، ثم قال النجاشي :( ان هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة ! انطلقا 0 فلا والله لا أسلمهم اليكما ، ولا يكادون ) ، 

وفي اليوم التالي كاد مبعوثي قريش للمسلمين مكيدة أخرى ، اذ قال عمرو للنجاشي :( أيها الملك انهم يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيما ، فأرسل اليهم فسلهم عما يقولون ) ، فأرسل الى المسلمين يسألهم فلما أتوا اليه ، أجاب جعفر -رضي الله عنه- :( نقول فيه الذي جاءنا به نبينا -صلى الله عليه وسلم- فهو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها الى مريم العذراء البتول ) ، فهتف النجاشي مصدقا ومعلنا أن هذا قول الحق ومنح المسلمين الأمان الكامل في بلده ، ورد على الكافرين هداياهم  ، 


العودة من الحبشة
قدم جعفر بن أبي طالب وأصحابه على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم فتح خيبر ، حملهم النجاشي في سفينتين ، فقبل الرسول -صلى الله عليه وسلم- بين عينيه والتزمه وقال :( ما أدري بأيهما أنا أسر بفتح خيبر ، أم بقدوم جعفر !) ، وامتلأت نفس جعفر روعة بما سمع من أنباء اخوانه المسلمين الذين خاضوا مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- غزوة بدر وأحد وغيرهما ، 


أبو المساكين
قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- لجعفر :( أشبهتَ خلقي وخُلُقي ) ، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُسميه ( أبا المساكين ) ، يقول أبو هريرة :( إن كنتُ لألصق بطني بالحصباء من الجوع ، وإن كنت لاستقرىء الرجل الآية وهي معي كي ينقلب بي فيُطعمني ، وكان أخيرُ الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب ، كان ينقلب بنا فيُطعمنا ما كان في بيته حتى إن كان ليُخرج إلينا العكّة التي ليس فيها شيء فنشقها فنلعَقُ ما فيها ) ، 


الشهادة
وفي غزوة مؤتة في جمادي الأول سنة ثمان كان لجعفر -رضي الله عنه- موعدا مع الشهادة ، فقد استشهد زيد بن حارثة -رضي الله عنه- وأخذ جعفر الراية بيمينه وقاتل بها حتى اذا ألحمه القتال رمى بنفسه عن فرسه وعقرها ثم قاتل الروم حتى قتل وهو يقول : ، 
يا حبذا الجنة واقترابها  ،   طيبة وباردا شرابها
والروم روم قد دنا عذابها  ،  كافرة بعيدة أنسابها
عليَّ اذ لاقيتها ضرابها
أن جعفر -رضي الله عنه- أخذ الراية بيمينه فقطعت ، فأخذها بشماله فقطعت ، فاحتضنها بعضديه حتى قتل ، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة ، فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء ، 


الحزن على جعفر
تقول السيدة عائشة :( لمّا أتى وفاة جعفر عرفنا في وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الحزن ) ، فعندما أتاه نعي جعفر دخل الرسول الكريم على امرأته أسماء بنت عُميس وقال لها :( ائتني ببني جعفر ) ، فأتت بهم فشمّهم ودمعت عيناه فقالت :( يا رسول الله بأبي وأمي ما يبكيك ؟ أبلغك عن جعفر وأصحابـه شيء ؟) ، فقال :( نعم أصيبـوا هذا اليوم ) ، فقامت تصيحُ ، ودخلت فاطمـة وهي تبكي وتقول :( وَاعمّاه !!) ، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :( على مثل جعفر فلتبكِ البواكي ) ، ورجع الرسول إلى أهله فقال :( لا تغفلوا آلَ جعفر ، فإنّهم قد شُغِلوا ) ، 

وقد دخل الرسول -صلى الله عليه وسلم- من ذلك همٌّ شديد حتى أتاه جبريل عليه السلام فأخبره أن الله تعالى قد جعل لجعفر جَناحَين مضرّجَيْنِ بالدم ، يطير بهما مع الملائكة ، 


فضله
قال أبو هريرة :( ما احتذى النِّعَال ولا ركب المطَايا بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أفضل من جعفر) ، كما قال عبد الله بن جعفر :( كنت إذا سألت علياً شيئاً فمنعني وقلت له : بحقِّ جعفر ؟! إلا أعطاني ) ، وكان عمر بن الخطاب إذا رأى عبد الله بن جعفر قال :( السلام عليك يا ابن ذي الجناحين ) 

************

***********

جعفر بن أبي طالب

انظروا جلال شبابه ،

انظروا نضرة إهابه ،

انظروا أناته وحلمه ، حدبه ، وبره ، تواضعه وتقاه.

انظروا شجاعته التي لا تعرف الخوف ، وجوده الذي لا يخاف الفقر 

انظروا طهره وعفته ، انظروا صدقه وأمانته

انظروا فيه كل رائعة من روائع الحسن،والفضيلة،والعظمة،ثم لا تعجبوا،فأنتم أمام أشبه الناس بالرسول خَلقاً،وخُلُقاً ، أنتم أمام من كناه الرسول ب:(أبي المساكين)

أنتم تجاه من لقبه الرسول ب:(ذي الجناحين).

أنتم تلقاء (طائر الجنة)الغريد:جعفر بن أبي طالب عظيم من عظماء الرعيل الأول الذين أسهموا أعظم الإسهام في صوغ ضمير الحياة

* * * * *

أقبل على الرسول صلى الله عليه وسلم مسلماً،آخذاً مكانه العالي بين المؤمنين المبكرين ،

وأسلمت معه في نفس اليوم زوجته(أسماء بنت عميس) ،

وحملا نصيبهما من الأذى،ومن الاضطهاد في شجاعة وغبطة ،

فلما اختار الرسول لأصحابه الهجرة إلى الحبشة،خرج جعفر وزوجته حيث لبثا بها سنين عددا،رزقا خلالها بأولادهما الثلاثة-محمد،وعبد الله،وعوف 

* * * * *

وفي الحبشة كان(جعفر بن أبي طالب)المتحدث اللبق،الموفق باسم الإسلام ورسوله ، ذلك أن الله أنعم عليه_فيما أنعم_بذكاء القلب وإشراق العقل،وفطنة النفس،وفصاحة اللسان ،

ولئن كان يوم (مؤتة) الذي سيقاتل فيه فيما بعد حتى يستشهد  أروع أيامه و أمجدهاو أخلدها ،

فإن يوم(المحاورة)التي أجراها أمام النجاشي بالحبشة،لم يقل روعة،ولا بهاء ولامجداً ،

لقد كان يوماً فذاً،ومشهداً عجباً ،

* * * *

وذلك أن قريشاً لم يهدئ من ثورتها،ولم يذهب من غيظها،ولم يطامن من أحقادها،هجرة المسلمين إلى الحبشة،

بل خشيت أن يقوى هناك بأسهم،ويتكاثر جمعهم.وحتى إذا لم تواتهم فرصة التكاثر والقوة فقد عز على كبريائها أن ينجو هؤلاء من نقمتها،ويفلتوا من قبضتها  ويظلوا هناك في مهاجرهم أملاً رحباً تهتز له نفس الرسول،وينشرح له صدر الإسلام  ،

هناك قرر سادتها إرسال مبعوثين إلى النجاشي يحملان هدايا قريش النفيسة،ويحملان رجاءها في أن يخرج من بلاده هؤلاء الذين جاءوا إليها لائذين ومستجيرين 

وكان هذان المبعوثان:عبد الله بن أبي ربيعة و عمرو بن العاص،وكانا لم يسلما 

* * * * *

كان النجاشي الذي كان يجلس أيامئذ على عرش الحبشة،رجلاً يحمل إيماناً مستنيراً ، وكان في قرارة نفسه يعتنق مسيحية واعية صافية،بعيدة من الانحراف،نائية عن التعصب والانغلاق ،

وكان ذكره يسبقه ، وسيرته العادلة،تنشر عبيرها في كل مكان تبلغه ،

من أجل هذا اختار الرسول صلى الله عليه وسلم بلاده دار هجرة لأصحابه 

ومن أجل هذا خافت قريش ألا تبلغ لديه ما تريد فحملت مبعوثيها هدايا ضخمة للأساقفة،وكبار رجال الكنيسة هناك،وأوصى زعماء قريش مبعوثيهم ألا يقابلا النجاشي حتى يعطيا الهدايا للبطارقة أولاً،وحتى يقنعاهم بوجهة نظرهما ليكونوا لهما عوناً عند النجاشي.

وحط الرسولان رحالهما بالحبشة،وقابلا بها الزعماء الروحانيين كافة،ونثرا بين أيديهم الهدايا التي حملاها إليهم  ، ثم أرسلا للنجاشي هداياه.ومضيا يوغران صدور القسس والأساقفة ضد المسلمين المهاجرين لحمل النجاشي على إخراجهم من بلاده.

وحدد يوم يلقيان فيه النجاشي،ويواجهان بين يديه خصوم قريش الذين تلاحقهم بكيدها وأذاها

* * * *

وفي وقار مهيب،وتواضع شديد،جلس النجاشي على كرسيه العالي تحف به الأساقفة ورجال الحاشية وجلس أمامه في البهو الفسيح،المسلمون المهاجرون،تغشاهم سكينة الله،وتظلهم رحمته ، ووقف مبعوثا قريش يكرران الاتهام الذي سبق أن ردداه أمام النجاشي حين أذن لهم بمقابلة خاصة قبل هذا الاجتماع الحاشد الكبير:(أيها الملك ، إنه قد ضوى إلى بلدك غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك،بل جاؤوا بدين ابتدعوه،لا نعرفه نحن ولا أنت وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم،وأعمامهم،وعشائرهم لتردهم إليهم) 

وولى النجاشي وجهه شطر المسلمين،ملقياً عليهم سؤاله:(ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم واستغنيتم به عن ديننا) ، ؟

ونهض(جعفر)قائماً ، ليؤدي المهمة التي كان المسلمون المهاجرون قد اختاروه لها إبان تشاورهم وقبل مجيئهم لهذا الاجتماع ،

نهض جعفر في تؤدة وجلال وألقى نظرات محبة على الملك الذي أحسن جوارهم وقال:{ ياأيها الملك ،

(كنا قوماً أهل جاهلية:نعبد الأصنام، ونأكل الميتة،ونأتي الفواحش،ونقطع الأرحام،ونسيء الجوار،ويأكل القوي منا الضعيف ، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا،نعرف نسبه،وصدقه،وأمانته،وعفافه،فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده،ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان  

((وأمرنا بصدق الحديث،وأداء الأمانة،وصلة الرحم،وحسن الجوار،والكف عن المحارم والدماء  ،

ونهانا عن الفواحش،وقول الزور،وأكل مال اليتيم،وقذف المحصنات ، فصدقناه وآمنا به،واتبعناه على ما جاءه من ربه،فعبدنا الله وحده ولم نشرك به شيئاً،وحرمنا ما حرم علينا،وأحللنا ما أحل لنا،فغدا علينا قومنا،فعذبونا وفتنونا في ديننا.ليردونا إلى عبادة الأوثان،وإلى ما كنا عليه من الخبائث 

((فلما قهرونا،وظلمونا،وضيقوا علينا،وحالوا بيننا وبين ديننا،خرجنا إلى بلادك،ورغبنا في جوارك،ورجونا ألا نظلم عندك} 

* * * * *

ألقى جعفر بهذه الكلمات المسفرة كضوء الفجر،فملأت نفس النجاشي إحساساً وروعة  والتفت إلى(جعفر)وسأله

((هل معك مما أنزل على رسولكم من شيء)) ، ؟؟

قال جعفر:نعم ،

قال النجاشي:فاقرأه عليَّ ،

ومضى جعفر يتلو آيات من سورة مريم،في أداء عذب،وخشوع آسر ،  فبكى النجاشي ، وبكى معه أساقفته جميعاً ،

ولما كفكف دموعه الهاطلة الغزيرة،التفت إلى مبعوثي قريش،وقال:

{إن هذا،والذي جاء به عيسى،ليخرج من مشكاة واحدة 

انطلقا فلا والله،لا أسلمهم إليكما}  ، !

انفض الجمع،وقد نصر الله عباده وآزرهم،بينما رزئ مندوبا قريش بهزيمة منكرة  

لكن{عمرو بن العاص}كان داهية واسع الحيلة،لا يتجرع الهزيمة،ولا يذعن لليأس ،

وهكذا لم يكد يعود مع صاحبه إلى نزلهما،حتى ذهب يفكر ويدبر،وقال لزميله:

((والله لأرجعن للنجاشي غداً،ولآتينهم بما يستأصل خضراءهم))  وأجاب صاحبه:((لا تفعل،فإن لهم أرحاماً،وإن كانوا قد خالفونا)) 

قال عمرو:((والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى عبد،كبقية العباد)) 

هذه إذاً هي المكيدة الجديدة التي دبرها مبعوث قريش للمسلمين كي يلجئهم إلى الزاوية الحادة،ويضعهم بين شقي الرحى،فإن هم قالوا أن عيسى بن مريم:عبد من عباد الله،حركوا ضدهم أضغان الملك والأساقفة  وإن نفوا عنه البشرية،خرجوا من دينهم  ،

* * * *

وفي الغداة أغذا السير إلى مقابلة الملك،وقال له عمرو:

((أيها الملك:إنهم ليقولون في عيسى قولاً عظيماً)) ،

واضطرب الأساقفة 

واهتاجتهم هذه العبارة القصيرة 

ونادوا بدعوة المسلمين لسؤالهم عن موقف دينهم من المسيح  وعلم المسلمون بهذه المؤامرة الجديدة،فجلسوا يتشاورون  ثم اتفقوا على أن يقولوا الحق الذي سمعوه من نبيهم عليه الصلاة والسلام،لا يحيدون عنه قيد شعرة،وليكن ما يكون

وانعقد الاجتماع من جديد،وبدأ النجاشي الحديث سائلاً جعفر:

{ماذا تقولون في عيسى} ، ؟؟

ونهض جعفر مرة أخرى كالمنار المضيء وقال:{نقول فيه ما جاءنا به نبينا صلى الله عليه وسلم:هو عبد الله ورسوله،وكلمته ألقاها إلى مريم،وروح منه} 

فهتف النجاشي مصدقاً ومعلناً أن هذا هو ما قاله المسيح عن نفسه 

لكن صفوف الأساقفة ضجت بما يشبه النكير 

ومضى النجاشي المستنير المؤمن يتابع حديثه قائلاً للمسلمين:

{اذهبوا،فأنتم آمنون بأرضي،ومن سبكم أو أذاكم،فعليه غرم ما يفعل} 

ثم التفت صوب حاشيته،قائلاً وسبابته تشير إلى مبعوثي قريش:

{ردوا عليهما هداياهما،فلا حاجة لي بها 

((فوا الله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي،فآخذ الرشوة فيه}

وخرجا مبعوثي قريش مخذولين،حيث وليا وجهيهما من فوريهما شطر مكة عائدين إليها 

وخرج المسلمون بزعامة جعفر ليستأنفوا حياتهم الآمنة في الحبشة،لابثين فيها كما قالوا:{بخير دار ،  مع خير جار ، }حتى يأذن الله لهم بالعودة إلى ديارهم ورسولهم وإخوانهم 

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتفل مع المسلمين بفتح(خيبر) حين طلع عليهم جعفر قادماً من الحبشة ومعه من كانوا لا يزالون بالحبشة من المهاجرين 

وأفعم قلب الرسول بمقدمه غبطة،وسعادة.وبشراً  وعانقه الرسول عليه الصلاة والسلام وهو يقول:

{لا أدري بأيهما أنا أسر:بفتح خيبر   أم بقدوم جعفر}

وركب رسول الله وصحبه إلى مكة،حيث اعتمروا عمرة القضاء،وعادوا إلى المدينة ونفس جعفر قد امتلأت روعة بما سمع من أنباء إخوتهم المؤمنين الذين خاضوا مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة بدر وأحد ، وغيرهما من المشاهد والمغازي ، وفاضت عيناه بالدمع على الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه،وقضوا نحبهم شهداء أبرار 

وطار فؤاده شوقاً إلى الجنة وأخذ يتحين فرصة الشهادة ويترقب لحظاتها المجيدة

* * * *

وكانت غزوة مؤتة التي أسلفنا الحديث عنها،تتحرك راياتها في الأفق متأهبة للزحف وللمسير 

ورأى جعفر في هذه الغزوة فرصة العمر،فإما أن يحقق فيها نصراً كبيراً لدين الله،وإما أن يظفر باستشهاد عظيم في سبيل الله

وتقدم من رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجوه في أن يكون له في هذه الغزوة مكاناً 

كان جعفر يعلم علم اليقين أنها ليست نزهة،بل ولا حرباً صغيرة  إنما هي حرب لم يخض الإسلام مثلها من قبل  حرب مع جيوش إمبراطورية عريضة،تملك من العتاد والأعداد،والخبرة والأموال ما لا قبل للعرب ولا للمسلمين به،ومع هذا طار قلبه شوقاً إليها،وكان ثالث ثلاثة جعلهم الرسول قواد الجيش وأمراءه  وخرج الجيش  وخرج جعفر معه 

والتقى الجمعان في يوم رهيب 

وبينما كان من حق جعفر أن تأخذه الرهبة عندما بصر بجيش الروم ينتظم مائتي ألف مقاتل،فإنه على العكس،أخذته نشوة عارمة إذ أحس في أنفة المؤمن العزيز،واعتداد البطل المقتدر أنه سيقاتل أكفاء له وأنداد  ،

وما كادت الراية توشك على السقوط من يمين((زيد بن حارثة))،حتى لقاها جعفر بيمينه  ومضى يقاتل بها في إقدام خارق  إقدام رجل لا يبحث عن النصر،بل عن الشهادة.

وتكاثر عليه وحوله مقاتلة الروم،ورأى فرسه تعوق حركته فاقتحم عنها فنزل

وراح يصوب سيفه ويسدده إلى نحو أعدائه كنقمة القدر  ولمح واحداًمن الأعداء يقترب من فرسه ليعلو ظهرها،فعز عليه أن يمتطي صهوتها هذا الرجس،فبسط نحوها سيفه وعقرها  ، وانطلق وسط صفوف الروم المتكالبة عليه يدمدم كالإعصار،وصوته يتعالى بهذا الرجز المتوهج:

يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارداً شرابها

و الروم روم،قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها

علي إذ لاقيت ضرابها

وأدرك مقاتلو الروم قدرة هذا الرجل الذي يقاتل،وكأنه جيش لجب  وأحاطوا به في إصرار عجيب لقتله  وحوصر بهم حصاراً لا منفذ فيه لنجاة ، وضربوا بالسيوف يمينه،وقبل أن تسقط الراية على الأرض تلقاها بشماله ، وضربوها هي الأخرى ،فاحتضن الراية بعضديه ،

في هذه اللحظة تركزت كل مسؤوليته في ألا يدع راية الرسول صلى الله عليه وسلم تلامس التراب وهو حيّ ،

وحين تكومت جثته الطاهرة،كانت سارية الراية مغروسة بين عضدي جثمانه،ونادت خفقاتها(عبد الله بن رواحة)فشق الصفوف كالسهم نحوها،وأخذها في قوة،ومضى بها إلى مصير عظيم

* * *

وهكذا صنع ((جعفر لنفسه ميتة من أعظم موتات البشر))

وهكذا لقي جعفر ربه الكبير المتعال،مضمخاً بفدائيته،مدثراً ببطولته ،

وأنبأ العليم الخبير رسوله بمصير المعركة،وبمصير جعفر فاستودعه الله،وبكى 

وقام إلى بيت ابن عمه،ودعا بأطفاله وبنيه،فتشمَّمهم وقبَّلهم،وذرفت عيناه 

ثم عاد لمجلسه،وأصحابه حافون به،ووقف شاعر الإسلام((حسان بن ثابت)) يرثي جعفراً ورفاقه:

  غداة مضوا بالمؤمنين يقودهم
 إلى الموت ميمون النقيبة أزهر
 
أغر كضوء البدر من آل هاشم
 أبي إذا سيم الظلامة، مجسر
 
فطاعن حتى مال غير موسد
 لمعترك فيه القنا  ، يتكسر
 
فصار مع المستشهدين ثوابه
 جنان وملتف الحدائق،أخضر
 
وكنا نرى في جعفر من محمد
 وفاء وأمراً حازماً حين يأمر
 
فما زال في الإسلام من آل هاشم
 دعائم عز لا يزلن و مفخر
 
 

ونهض بعد((حسان))، ((وكعب بن مالك))فيرسل شعره الجزل:

  وجداً على النفر الذين تتابعوا
 يوماً بمؤتة أسندوا لم ينقلوا
 
صلى الإله عليهم من فتية
 وسقى عظامهم الغمام المسبل
 
صبروا بمؤتة للإله نفوسهم
 حذر الردى ومخافة أن ينكلوا
 
إذ يهتدون بجعفر ولواؤه
 قدام أولهم فنعم الأول
 
حتى تفجرت الصفوف وجعفر
 حيث التقى وعث الصفوف مجدل
 
فتغير القمر المنير لفقده
 والشمس قد كسفت وكادت تأفل
 


وذهب المساكين جميعاً يبكون أباهم ، فقد كان جعفر رضي الله عنه((أبا المساكين)) ،

يقول أبو هريرة:{كان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب}

أجل،كان أجود الناس بماله وهو حيّ ، فلما جاء أجله أبى إلا أن يكون أجود الشهداء وأكثرهم بذلاً لروحه وحياته ،

يقول عبد الله بن عمر:

{كنت مع جعفر في غزوة مؤتة،فالتمسناه،فوجدناه وبه بضع وتسعون ما بين طعنة ورمية}

ومع هذا فهل نال القتلة من روحه ومن مصيره منالاً ، ؟؟

أبداً  وما كانت سيوفهم ورماحهم سوى جسر عبر عليه الشهيد المجيد إلى جوار الله الرحيم الأعلى،حيث نزل في رحابه مكاناً علياً ،

إنه هناك في جنان الخلد، يحمل أوسمة المعركة من كل مكان من جسد أنهكته السيوف والرماح 

وإن شئتم اسمعوا قول الرسول صلى الله عليه وسلم:

لقد رأيته في الجنة ، له جناحان مضرجان بالدماء ، مصبوغ القوادم}  ، !

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

خالد محمد خالد

*********

زيد بن حارثة

هو زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى، وكان طفلا حين سبي ووقع بيد حكيم بن حزام بن خويلد حين اشتراه من سوق عكاظ مع الرقيق، فأهداه الى عمته خديجة، فرآه الرسول -صلى الله عليه وسلم- عندها فاستوهبه منها فوهبته له، فأعتقه وتبناه، وصار يعرف في مكة كلها (زيد بن محمد). وذلك كله قبل الوحي.

قصة التبنى

منذ أن سلب زيدا -رضي الله عنه- ووالده يبحث عنه، حتى التقى يوما نفر من حي (حارثة) بزيد في مكة، فحملهم زيد سلامه وحنانه لأمه و أبيه، وقال لقومه: (أخبروا أبي أني هنا مع أكرم والد)... فلم يكد يعلم والده بمكانه حتى أسرع اليه، يبحث عن (الأمين محمد) ولما لقيه قال له: (يا بن عبد المطلب، يا بن سيد قومه، أنتم أهل حرم، تفكون العاني، وتطعمون الأسير، جئناك في ولدنا، فامنن علينا وأحسن في فدائه).

فأجابهم -صلى الله عليه وسلم-: (ادعوا زيدا، وخيروه، فان اختاركم فهو لكم بغير فداء، وان اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني فداء).

أقبل زيد رضي الله عنه- وخيره الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فقال زيد: (ما أنا بالذي أختار عليك أحدا، أنت الأب و العم)... ونديت عينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بدموع شاكرة وحانية، ثم أمسك بيد زيد، وخرج به الى فناء الكعبة، حيث قريش مجتمعة ونادى: (اشهدوا أن زيدا ابني ... يرثني وأرثه)... وكاد يطير قلب (حارثة) من الفرح، فابنه حرا، وابنا للصادق الأمين، سليل بني هاشم.

اسلام زيد

ما حمل الرسول -صلى الله عليه وسلم- تبعة الرسالة حتى كان زيد ثاني المسلمين، بل قيل أولهم... أحبه الرسول -صلى الله عليه وسلم- حبا عظيما، حتى أسماه الصحابة (زيد الحب)، وقالت السيدة عائشة -رضي الله عنها-: (ما بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زيد بن حارثة في جيش قط الا أمره عليهم، ولو بقي حيا بعد الرسول لاستخلفه)... لقد كان زيد رجلا قصيرا، أسمرا، أفطس الأنف، ولكن قلبه جميع، وروحه حر... فتألق في رحاب هذا الدين العظيم.

زواج زيد

زوج الرسول -صلى الله عليه وسلم- زيدا من ابنة عمته (زينب)، وقبلت زينب الزواج تحت وطأة حيائها من الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولكن الحياة الزوجية أخذت تتعثر، فانفصل زيد عن زينب، وتزوجها الرسول -صلى الله عليه وسلم- واختار لزيد زوجة جديدة هي (أم كلثوم بنت عقبة)، وانتشرت في المدينة تساؤلات كثيرة: كيف يتزوج محمد مطلقة ابنه زيد؟... فأجابهم القرآن ملغيا عادة التبني ومفرقا بين الأدعياء والأبناء.

قال تعالى: {ما كان محمدا أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله، وخاتم النبيين}... وهكذا عاد زيد الى اسمه الأول (زيد بن حارثة).

فضله

قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (دخلت الجنة فاستقبلتني جارية شابة، فقلت: لمن أنت ؟)... قالت: (لزيد بن حارثة)... كما قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (لا تلومونا على حبِّ زيدٍ)... وآخى الرسول -صلى الله عليه وسلم- بين زيد بن حارثة وبين حمزة بن عبد المطلب.

بعث الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعثاً فأمر عليهم أسامة بن زيد، فطعن بعض الناس في إمارته فقال -صلى الله عليه وسلم-:(إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وأيمُ الله إن كان لخليقاً للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إليّ، وإن هذا لمن أحب الناس إليّ بعده).

استشهاد زيد

في جمادي الأول من العام الثامن الهجري خرج جيش الإسلام إلى أرض البلقاء بالشام، ونزل جيش الإسلام بجوار بلدة تسمى (مؤتة) حيث سميت الغزوة باسمها ... ولأدراك الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأهمية هذه الغزوة اختار لها ثلاثة من رهبان الليل وفرسان النهار، فقال عندما ودع الجيش: (عليكم زيد بن حارثة، فان أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب، فان أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة)... أي أصبح زيد الأمير الأول لجيش المسلمين، حمل راية رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، واقتحم رماح الروم ونبالهم وسيوفهم، ففتح باب دار السلام وجنات الخلد بجوار ربه.

قال حسان بن ثابت: 

عين جودي بدمعك المنزور ... واذكري في الرخاء أهل القبور

واذكري مؤتة وما كان فيها ... يوم راحوا في وقعة التغوير

حين راحوا وغادروا ثَمَّ زيدا ... نعم مأوى الضريك و المأسور

خالد بن الوليد

خالد بن الوليد

 

قصة إسلامه

 

والدته

 

غزوة مؤتة

 

هدم العُزّى

 

حروب الردة

 

بلاد الفرس

 

معركة اليرموك وبطولاتها

 

فضله

 

وفاة خالد

 

 

 

 

خالد بن الوليد

خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي القرشي، أبو سليمان، أحد أشراف قريش في الجاهلية وكان إليه القبّة وأعنّة الخيل، أمّا القبة فكانوا يضربونها يجمعون فيها ما يجهزون به الجيش وأما الأعنة فإنه كان يكون المقدّم على خيول قريش في الحرب... كان إسلامه في شهر صفر سنة ثمان من الهجرة، حيث قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (الحمد لله الذي هداك، قد كنت أرى لك عقلا لا يسلمك إلا إلى الخير).

  إلى أعلى

قصة إسلامه

الرسالة

وتعود قصة اسلام خالد الى ما بعد معاهدة الحديبية حيث أسلم أخوه الوليد بن الوليد، ودخل الرسول -صلى الله عليه وسلم- مكة في عمرة القضاء فسأل الوليد عن أخيه خالد، فقال: (أين خالد؟)... فقال الوليد: (يأتي به الله).

فقال النبي: -صلى الله عليه وسلم-: (ما مثله يجهل الاسلام، ولو كان يجعل نكايته مع المسلمين على المشركين كان خيرا له، ولقدمناه على غيره)... فخرج الوليد يبحث عن أخيه فلم يجده، فترك له رسالة قال فيها: (بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد... فأني لم أرى أعجب من ذهاب رأيك عن الاسلام وعقلك عقلك، ومثل الاسلام يجهله أحد؟!... وقد سألني عنك رسول الله، فقال أين خالد - وذكر قول النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه - ثم قال له: فاستدرك يا أخي ما فاتك فيه، فقد فاتتك مواطن صالحة) .

وقد كان خالد -رضي اللـه عنه- يفكر في الاسلام، فلما قرأ رسالة أخيـه سر بها سرورا كبيرا، وأعجبه مقالة النبـي -صلى اللـه عليه وسلم-فيه، فتشجع و أسلـم...

الحلم

ورأى خالد في منامه كأنه في بلادٍ ضيّقة جديبة، فخرج إلى بلد أخضر واسع، فقال في نفسه: (إن هذه لرؤيا)... فلمّا قدم المدينة ذكرها لأبي بكر الصديق فقال له: (هو مخرجُكَ الذي هداك الله للإسلام، والضيقُ الذي كنتَ فيه من الشرك).

الرحلة

يقول خالد عن رحلته من مكة الى المدينة: (وددت لو أجد من أصاحب، فلقيت عثمان بن طلحة فذكرت له الذي أريد فأسرع الإجابة، وخرجنا جميعا فأدلجنا سحرا، فلما كنا بالسهل إذا عمرو بن العاص، فقال: (مرحبا بالقوم)... قلنا: (وبك)... قال: (أين مسيركم؟)... فأخبرناه، وأخبرنا أيضا أنه يريد النبي ليسلم، فاصطحبنا حتى قدمنا المدينة أول يوم من صفر سنة ثمان).

قدوم المدينة

فلما رآهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لأصحابه: (رمتكم مكة بأفلاذ كبدها)... يقول خالد: (ولما اطلعت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سلمت عليه بالنبوة فرد على السلام بوجه طلق، فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وحينها قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (الحمد لله الذي هداك قد كنت أرى لك عقلا لا يسلمك الا الى الخير)... وبايعت الرسـول وقلت: (استغفر لي كل ما أوضعـت فيه من صد عن سبيل اللـه)... فقال: (إن الإسلام يجـب ما كان قبله)... فقلت: (يا رسول الله على ذلك)... فقال: (اللهم اغفر لخالد بن الوليد كل ما أوضع فيه من صد عن سبيلك)... وتقدم عمرو بن العاص وعثمان بن طلحة، فأسلما وبايعا رسول الله)...

  إلى أعلى

والدته

كان خالد بن الوليد ميمونَ النقيبـة، وأمّه عصماء، وهي لبابة بنت الحارث أخـت أم الفضـل بنت الحارث، أم بني العباس بن عبد المطلب، وخالته ميمونة بنت الحارث زوج رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

  إلى أعلى

غزوة مؤتة

كانت غزوة مؤتة أول غزوة شارك فيها خالد، وقد قتل قادتها الثلاثة: زيد بن حارثة، ثم جعفر بن أبي طالب، ثم عبدالله بن رواحة -رضي الله عنهم-، فسارع الى الراية (ثابت بن أقرم) فحملها عاليا وتوجه مسرعا الى خالد قائلا له: (خذ اللواء يا أبا سليمان) فلم يجد خالد أن من حقه أخذها فاعتذر قائلا: (لا، لا آخذ اللواء أنت أحق به، لك سن وقد شهدت بدرا)... فأجابه ثابت: (خذه فأنت أدرى بالقتال مني، ووالله ما أخذته إلا لك). ثم نادى بالمسلمين: (أترضون إمرة خالد؟)... قالوا: (نعم)... فأخذ الراية خالد وأنقذ جيش المسلمين، يقول خالد: (قد انقطع في يدي يومَ مؤتة تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلا صفيحة لي يمانية).

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما أخبر الصحابة بتلك الغزوة: (أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ الراية جعفر فأصيب، ثم أخذ الراية ابن رواحة فأصيب ،... وعيناه -صلى الله عليه وسلم- تذرفان...، حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله، حتى فتح الله عليهم)... فسمي خالد من ذلك اليوم سيف الله.

  إلى أعلى

هدم العُزّى

بعث الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى العُزّى يهدِمُها، فخرج خالد في ثلاثين فارساً من أصحابه حتى انتهى إليها فهدمها، ثم رجع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: (هُدِمَتْ؟)... قال: (نعم يا رسول الله)... فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (هل رأيت شيئاً؟)... فقال: (لا)... فقال: (فإنك لم تهدِمْها، فأرجِعْ إليها فاهدمها)... فرجع خالد وهو متغيّظ، فلما انتهى إليها جرّد سيفه، فخرجت إليه إمرأة سوداء عُريانة، ناشرة الرأس، فجعل السادِنُ يصيح بها، قال خالد: (وأخذني اقشِعْرارٌ في ظهري)... فجعل يصيح: (...

أعُزَّيَّ شـدِّي شدّةً لا تكذّبـي ... أعُزّيَّ فالْقي للقناع وشَمِّـري

أعُزَّي إن لم تقتلي اليومَ خالداً ... فبوئي بذنبٍ عاجلٍ فتنصّري

وأقبل خالد بالسيف إليها وهو يقول: (...

يا عُزَّ كُفرانَكِ لا سُبحانَكِ ... إنّي وجدتُ اللهَ قد أهانَكِ

فضربها بالسيف فجزلها باثنتين، ثم رجع الى رسـول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبره فقال: (نعم ! تلك العُزّى قد أيِسَتْ أن تُعبدَ ببلادكم أبداً)...

ثم قال خالد: (أيْ رسول الله، الحمدُ لله الذي أكرمنا بك، وأنقذنا من الهَلَكة، ولقد كنت أرى أبي يأتي إلى العُزّى نحيرُهُ، مئة من الإبل والغنم، فيذبحها للعُزّى، ويقيم عندها ثلاثاً ثم ينصرف إلينا مسروراً، فنظرتُ إلى ما مات عليه أبي، وذلك الرأي الذي كان يُعاش في فضله، كيف خُدع حتى صار يذبح لحجر لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع؟!)... فقال رسول الله: (إنّ هذا الأمرَ إلى الله، فمَنْ يسَّرَهُ للهّدى تيسر، ومَنْ يُسِّرَ للضلالة كان فيها).

  إلى أعلى

حروب الردة

وشارك في فتح مكة وفي حروب الردة، فقد مضى فأوقع بأهل الردة من بني تميم وغيرهم بالبُطاح، وقتل مالك بن نويرة، ثم أوقع بأهل بُزاخَة - وهي المعركة التي كانت بين خالد وطليحة بن خويلد-، وحرقهم بالنار، وذلك أنه بلغه عنهم مقالة سيئة، شتموا النبي -صلى الله عليه وسلم-، وثبتوا على ردّتهم، ثم مضى الى اليمامة ووضع حداً لمسيلمة الكذاب وأعوانه من بني حنيفة.

  إلى أعلى

بلاد الفرس

وفي فتح بلاد الفرس استهل خالد عمله بارسال كتب إلى جميع ولاة كسرى ونوابه على ألوية العراق ومدائنه: (بسم الله الرحمن الرحيم، من خالد بن الوليد الى مرازبة فارس، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فالحمدلله الذي فض خدمكم، وسلب ملككم، ووهّن كيدكم، من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذلكم المسلم، له ما لنا وعليه ما علينا، إذا جاءكم كتابي فابعثوا إلي بالرّهُن واعتقدوا مني الذمة، وإلا فوالذي لا إله غيره لأبعثن إليكم قوما يحبون الموت كما تحبون الحياة !!).

وعندما جاءته أخبار الفرس بأنهم يعدون جيوشهم لمواجهته لم ينتظر، وإنما سارع ليقابلهم في كل مكان محققا للإسلام النصر تلو الآخر0ولم ينس أن يوصي جنوده قبل الزحف: (لا تتعرضوا للفلاحين بسوء، دعوهم في شغلهم آمنين، إلا أن يخرج بعضهم لقتالكم، فآنئذ قاتلوا المقاتلين).

  إلى أعلى

معركة اليرموك وبطولاتها

إمرة الجيش

أولى أبوبكر الصديق إمرة جيش المسلمين لخالد بن الوليد ليواجهوا جيش الروم الذي بلغ مائتي ألف مقاتل وأربعين ألفا، فوقف خالد بجيش المسلمين خاطباً: (إن هذا يوم من أيام الله، لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي، أخلصوا جهادكم وأريدوا الله بعملكم، وتعالوا نتعاور الإمارة، فيكون أحدنا اليوم أميراً والآخر غداً، والآخر بعد غد، حتى يتأمر كلكم).

تأمين الجيش

وقبل أن يخوض خالد القتال، كان يشغل باله احتمال أن يهرب بعض أفراد جيشه بالذات من هم حديثي عهد بالإسلام، من أجل هذا ولأول مرة دعا نساء المسلمين وسلمهن السيوف، وأمرهن بالوقوف خلف صفوف المسلمين وقال لهن: (من يولي هاربا، فاقتلنه).

خالد و ماهان الروماني

وقبيل بدء القتال طلب قائد الروم أن يبرز إليه خالد، وبرز إليه خالد، في الفراغ الفاصل بين الجيشين، وقال (ماهان) قائد الروم: (قد علمنا أنه لم يخرجكم من بلادكم إلا الجهد والجوع فإن شئتم أعطيت كل واحد منكم عشرة دنانير وكسوة وطعاما، وترجعون إلى بلادكم، وفي العام القادم أبعث إليكم بمثلها !).

وأدرك خالد ما في كلمات الرومي من سوء الأدب ورد قائلا: (إنه لم يخرجنا من بلادنا الجوع كما ذكرت، ولكننا قوم نشرب الدماء، وقد علمنا أنه لا دم أشهى ولا أطيب من دم الروم، فجئنا لذلك !)... وعاد بجواده الى صفوف الجيش ورفع اللواء عاليا مؤذنا بالقتال: (الله أكبر، هبي رياح الجنة).

من البطولات

ودار قتال قوي، وبدا للروم من المسلمين مالم يكونوا يحتسبون، ورسم المسلمون صورا تبهر الألباب من فدائيتهم وثباتهم... فهاهو خالد غلى رأس مائة من جنده ينقضون على أربعين ألف من الروم، يصيح بهم: (والذي نفسي بيده ما بقي من الروم من الصبر والجلد إلا ما رأيتم، وإني لأرجو أن يمنحكم الله أكتافهم)... وبالفعل انتصر المائة على الأربعين ألف.

خالد وجرجه الروماني

وقد انبهر القادة الروم من عبقرية خالد في القتال، مما حمل (جرجه) أحد قادتهم للحديث مع خالد، حيث قال له: (يا خالد اصدقني، ولا تكذبني فإن الحر لا يكذب، هل أنزل الله على نبيكم سيفا من السماء فأعطاك إياه، فلا تسله على أحد إلا هزمته؟)... قال خالد: (لا)... قال الرجل: (فبم سميت سيف الله؟).

قال خالد: (إن الله بعث فينا رسوله، فمنا من صدقه ومنا من كذب، وكنت فيمن كذب حتى أخذ الله قلوبنا إلى الإسلام، وهدانا برسوله فبايعناه، فدعا لي الرسول، وقال لي: (أنت سيف من سيوف الله) فهكذا سميت سيف الله)... قال القائد الروماني: (وإلام تدعون؟).

قال خالد: (إلى توحيد الله وإلى الإسلام)... قال: (هل لمن يدخل في الإسلام اليوم مثل مالكم من المثوبة والأجر؟)... قال خالد: (نعم وأفضل)... قال الرجل: (كيف وقد سبقتموه؟)... قال خالد: (لقد عشنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ورأينا آياته ومعجزاته وحق لمن رأى ما رأينا، وسمع ما سمعنا أن يسلم في يسر، أما أنتم يا من لم تروه ولم تسمعوه ثم آمنتم بالغيب، فإن أجركم أجزل وأكبر إذا صدقتم الله سرائركم ونواياكم).

وصاح القائد الروماني وقد دفع جواده إلى ناحية خالد ووقف بجواره: (علمني الإسلام يا خالد !)... وأسلم وصلى لله ركعتين لم يصل سواهما، وقاتل جرجه الروماني في صفوف المسلمين مستميتا في طلب الشهادة حتى نالها وظفر بها ...

وفاة أبوبكر

في أثناء قيادة خالد -رضي الله عنه- معركة اليرموك التي هزمت فيها الإمبراطورية الرومانية توفي أبوبكر الصديق -رضي الله عنه-، وتولى الخلافة بعده عمر -رضي الله عنه-، وقد ولى عمر قيادة جيش اليرموك لأبي عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة وعزل خالد... وصل الخطاب الى أبى عبيدة فأخفاه حتى انتهت المعركة، ثم أخبر خالدا بالأمر فلم يغضب خالد -رضي الله عنه-، بل تنازل في رضى وسرور، لأنه كان يقاتل لله وحده لا يبغي من وراء جهاده أي أمر من أمور الدنيا ...

قلنسوته

سقطت منه قلنسوته يوم اليرموك، فأضنى نفسه والناس في البحث عنها فلما عوتب في ذلك قال: (إن فيها بعضا من شعر ناصية رسول الله وإني أتفائل بها وأستنصر)... ففي حجة الوداع ولمّا حلق الرسول -صلى الله عليه وسلم- رأسه أعطى خالداً ناصيته، فكانت في مقدم قلنسوته، فكان لا يلقى أحداً إلا هزمه الله تعالى...

  إلى أعلى

فضله

قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (نِعْمَ عبد الله خالد بن الوليد، سيْفٌ من سيوف الله).

قال خالد -رضي الله عنه-:(ما ليلة يهدي إليّ فيها عروسٌ أنا لها محب، أو أبشّرُ فيها بغلامٍ أحبَّ إلي من ليلة شديدة الجليد في سريّةٍ من المهاجرين أصبِّحُ بها العدو).

وأمَّ خالد الناس بالحيرة، فقرأ من سُوَرٍ شتى، ثم التفت إلى الناس حين انصرف فقال: (شغلني عن تعلّم القرآن الجهادُ).

نزل خالد بن الوليد الحيرة على أمير بني المرازبة فقالوا له: (احذَرِ السُّمَّ لا يسقيكهُ الأعاجم)... فقال: (إئتوني به)... فأتِيَ به فأخذه بيده ثم اقتحمه وقال: (بسم الله)... فلم يُضرَّه شيئاً.

وأخبِرَ خالد -رضي اللـه عنه- أنّ في عسكره من يشرب الخمر، فركب فرسـه، فإذا رجل على مَنْسَـجِ فرسِـهِ زِقّ فيه خمر، فقال له خالد: (ما هذا؟)... قال: (خل)... قال: (اللهم اجعله خلاّ)... فلمّا رجع الى أصحابه قال: (قد جئتكم بخمر لم يشرب العربُ مثلها)... ففتحوها فإذا هي خلّ قال: (هذه والله دعوة خالد بن الوليد).

  إلى أعلى

وفاة خالد

استقر خالد في حمص -من بلاد الشام- فلما جاءه الموت، وشعر بدنو أجله، قال: (لقد شهدت مائة معركة أو زهاءها، وما في جسدي شبر الا وفيه ضربة بسيف أو رمية بسهم، أو طعنة برمح، وهأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير، ألا فلا نامت أعين الجبناء)... وكانت وفاته سنة إحدى وعشرين من الهجرة النبوية... مات من قال عنه الصحابة: (الرجل الذي لا ينام، ولا يترك أحدا ينام)... وأوصى بتركته لعمر بن الخطاب والتي كانت مكونة من فرسه وسلاحه... وودعته أمه قائلة: (...

أنت خير من ألف ألف من القوم ... إذا ما كبت وجوه الرجال

أشجاع؟.. فأنت أشجع من ليث ... غضنفر يذود عن أشبال

أجواد؟.. فأنت أجود من سيل ... غامر يسيل بين الجبال

 

عبدالله بن رواحة

عبدالله بن رواحة (؟ - 8 هـ) هو أبو محمد عبدالله بن رواحة بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي.

صحابي كان يكتب في الجاهلية ويقول الشعر، شهد العقبة نقيباً عن أهله،

آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين المقداد،

 شارك في غزوة بدر وكان أول من خرج للمبارزه مع اثنين من الأنصار لكن عتبة بن ربيعة ابى الا ان يبكون النزال مع قريش فخرج حمزه ورفاقه علي و عبيده بن الحارث،وأرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد انتهائها إلى المدينة ليبشر المسلمين بالنصر، وشهد ما بعدها من المشاهد إلى أن استشهد في غزوة مؤتة.

كان كثير التعبد لله فكان إذا لقي الرجل من أصحابه يقول له: تعال نؤمن ساعة.

أثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «رحم الله عبدالله بن رواحة إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة».

وقال أيضا: «نعم الرجل عبدالله بن رواحة».

وروي أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فسمعه يقول: اجلسوا. فجلس مكانه خارج المسجد حتى فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من خطبته، فقال له: زادك الله حرصاً على طواعية الله وطواعية رسوله. وكان أول خارج إلى الغزو وآخر قافل منه.

شعره في النبي محمد

كان أحد الشعراء الثلاثة الذين تصدوا للمشركين ودافعوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الإسلام والمسلمين. ومن شعره في النبي صلى الله عليه وسلم:

أنت النبي ومن يُحرم شفاعته  يوم الحساب فقد أزرى به القـدر

فثبت الله ما آتاك من حسـن  تثبيت موسى ونصراً كالذي نصروا

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «وأنت فثبتك الله يا بن رواحة».

ومن أحسن ما مدح به النبي صلى الله عليه وسلم قول عبدالله بن رواحة:

لولم تكن فيه آيات مبينة  كانت بديهته تنبيك بالخبر

وفي عمرة القضاء قال بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم:

خلو بني الكفار عن سبيله  اليوم نضربكم على تأويله

ضرباً يزيل الهام عن مقيله  ويذهل الخليل عن خليله

فقال له عمر بن الخطاب: «يا بن رواحة أفي حرم الله وبين يدي رسول الله؟». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «خل عنه ياعمر، فوالذي نفسي بيده لكلامه أشد عليهم من وقع النبال».

مؤتة

وفي سنة ثمان للهجرة أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشاً لمواجهة الروم وأمّـر عليه زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبدالله بن رواحة، فإن استشهدوا فليرتض المسلمون رجلاً فليجعلوه عليهم. ولما أرادوا الخروج بكى عبدالله، فقالوا: «ما يبكيك يا بن رواحة؟» فقال: «أما والله مابي حب الدنيا ولا صبابة إليها، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ (وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً) فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود؟» فقال المسلمون: «صحبكم الله وردكم إلينا صالحين ودفع عنكم»،

فأجابهم عبدالله مبيناً تطلعه إلى الشهادة:

لكنني أسأل الرحمـن مغفـرة

وضربة ذات فرع يقذف الزبدا

أو طعنة بيدي حـران مجـهزة

 بحربة تنفذ الأحشاء والكبــدا

حتى يقولوا إذا مروا على جدثي

أرشده الله من غاز وقد رشـدا

ثم ساروا حتى بلغوا بادية الشام فعلموا بأن الروم مئتا ألف بينما جيش المسلمين ثلاثة آلاف. فأرادوا أن يتوقفوا ويرسلوا إلى رسول الله ليعلموه فشجعهم عبدالله بن رواحة على المضي إلى الجهاد. وسمعه زيد بن أرقم ذات ليلة يقول:

إذا أدنيتني وحملت رحلـي

مسيرة أربع بعد الحســاء

فشأنك فانعمي وخلاك ذم

ولا أرجع إلى أهلي ورائـي

وجاء المؤمنـون وغادروني

بأرض الشام مشهور الثّواء

فبكى زيد، فضربه عبدالله بالدرة وقال: «ماعليك يا لكع أن يرزقني الله الشهادة وترجع أنت». ولما دار القتال استشهد زيد وجعفر فحمل الراية عبدالله وهو يقول:

  يا نفـس إلا تُـقـتَـلي تمـوتـي

  هـذا حياض الموت قد صليت

  ومــا تـمـنـيـت فــقــد لــقـيـت

  إن تـفـعــلي فـعلـهـمـا هـديـت

  وإن تـأخــرت فــقـد شـــقـيـت

ثم قال: «يا نفس إلى أي شيء تتوقين؟ إلى فلانة -امرأته- فهي طالق وإلى فلان وفلان -غلمانه- فهم أحرار وإلى بستان له فهو لله ولرسوله».

 ثم قال:

يانفس مالك تكرهين الجنة

 أقسم بالله لتنزلنــه

طائعة أو لتكرهنــــه

 فطالما قد كنت مطمئنة

فاندفع يقاتل ببسالة لا مثيل لها، فطعن فاستقبل الدم بيده فدلك به وجهه وقال: «يا معشر المسلمين ذبوا عن لحم أخيكم»، وظل يقاتل حتى لقي ربه. وأخبر الوحي رسول الله صلى الله عليه وسلم بما حصل في الغزوة فحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة بذلك والمعركة مازالت تدور. ولعبدالله بن رواحة ديوان شعر معظمه في الدفاع عن الإسلام وهجاء المشركين وحض النفس على التقوى و الجهاد وطلب الشهادة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


thumb qr1 
 
thumb qr2
 

إحصاءات

عدد الزيارات
15265241
مواقع التواصل الاجتماعية
FacebookTwitterLinkedinRSS Feed

صور متنوعة