العنوان: اختلاف القياس الشرعي عن العقلي : أقسام القياس وانواعه عند الاصوليين  الكاتب: محمود السيد الدغيم.م: 06/08/1995 “ت.هـ: 10/03/1416“جريدة الحياة العدد: 11854” “الصفحة: 22

إن مَنْ يدرس احكام الشريعة الاسلامية يجدها مُستنبطة من نوعين اولهما سمعي، وثانيهما عقلي، ويتشكل النوع الأول من ثلاثة أصول هي: الكتاب “القرآن الكريم” والسنّة النبوية المطهرة، وإجماع العلماء المجتهدين العدول الخالين من الجَرح.أما النوع الثاني من اصول الشريعة فهو القياس »وقد قيل: ان القياس على ضربين: عقلي وشرعي. 1 / فالقياس العقلي: ما استعمل في اصول الديانات. 2/ والقياس الشرعي: ما استعمل في فروع الديانات. ومعنى ذلك: ما ورد به التعبّد من الأحكام«.“قواطع الادلة للسمعاني الورقة: 186/ب” 1 / والقياس العقلي: موضع خلاف بين الفقهاء والمتكلمين من علماء اصول الفقة.وهو موضع خلاف بين المسلمين السنّة والشيعة. أ / رأي الفقهاء وأهل الحديث: هو عدم موافقة المتكلمين، والاقتصار على طلب الحق عن طريق الرواية، والابتداء بمعرفة الله تعالى والايمان به، ثم النظر والتفكر بقدر ما أذن به القرآن الكريم والسنّة النبوية المطهرة. ب / رأي المتكلمين: هو أن معرفة القياس العقلي أهم المعارف، والقياس العقلي هو: » ردُّ غائب الى شاهد ليُستدل بة عليه« واول ما يجب على الانسان هو النظر والتفكر.ثم يقرر قراره.و»القياس العقلي حجّة يجب العمل به، ويحب النظر والاستدلال به بعد ورود الشرع، ولا يجوز التقليد فيه«.“المسودة ص: 327” ج / أما اعتبار القياس احد الاصول فهو موضع خلاف بين المسلمين السنّة، والشيعة.فالمسلون السنّة أجمعوا على ان القياس هو الاصل الرابع، اما الشيعة فقالوا: »اختلف الناس في ذلك، والذي نذهب اليه: انه ليس بحجة«.“مبادئ الوصول الى علم الاصول، للحسن بن يوسف الحلي الشيعي ص: 214”.والحقيقة: اننا نرى ان اختلاف الناس هو مخالفة الشيعة لما اجمع عليه المسلمون السنّة من اتباع المذاهب الاربعة، الاحناف، والمالكية، والشافعية، والحنابلة.والشيعة تفردوا بهذا الرأي المخالف لاجماع اكثرية المسلمين، ومخالفة الاجماع شذوذ لا يحتج به في الشريعة الاسلامية.وممن عارض القياس اتباع داود الظاهري ايضاً.وعدم الاخذ بالقياس يؤدي الى اقفال باب الاجتهاد.والغاء القياس وادعاء الاجتهاد / في غياب القياس / يدل على التناقض الذي لا يقره الشرع، ولا يقبله العقل، ويرجح رأي المسلمين السنّة.وقول الشيعة: »ولم يزل اهل البيت / عليهم السلام / ينكرون العمل بالقياس، ويذمون العامل به.واجماع العترة حجة«.“مبادئ الوصول للحلي ص: 216” فهو كلام ينقصه الدليل الشرعي، لان اعتبار »اجماع العترة حجة« هو كلام مردود حيث لم يجمع المسلمون على اعتبار »اجماع العترة حجة«.كما لا يوجد دليل قطعي على »اجماع العترة« على انكار القياس، وانما هو دليل ظني لم يرجحه جمهور علماء المسلمين.وأرى: ان ما يراه الجمهور هو الموافق لما جاء به الشرع الاسلامي، ومَنْ يخالف اجماع الجمهور فهو من المخالفين لما جاء به الشرع الاسلامي.وجوابنا الاعتماد على »اجماع العترة« هو: ان الدليل على وجود العترة في زماننا هو دليل ضعيف، والنسب ليس حجة في تقرير امور الشريعة، والنصوص الشرعية معدودة، والوقائع غير محدودة، لذلك اصبح القياس اصلاً من اصول الفقه يلجأ اليه المجتهد اذا اعياه وجود نصّ شرعي يُستمد منه الحكم الشرعي.فعند عدم وجود نص يتضمن الحكم الشرعي لواقعةٍ ما، يصبح القياس هو الاصل الوحيد المختص بتفاصيل احكام الحوادث من دون الوقوف عند حدود النصوص المحدودة، والانتهاء الى نقطة محددة، فلولا القياس لاقتصرت احكام الشريعة على امور دون اخرى، والشريعة كاملة صالحة لكل زمان ومكان، ووقوفها عند حدود معينة، واقتصار احكامها على حوادث دون اخرى هو امر مناقض لكمال الشريعة، وبهذا تسقط دعوى من لم يعتبر القياس اصلاً رابعاً من اصول الفقه الاسلامي لان رفض القياس يؤدي الى تعطيل الشريعة ويلغي اعطاء النظير حُكم النظير، وهذا مخالف للفطرة السليمة، وطرق القوانين المستقيمة.ولولا القياس لتعطّل القضاء، واصبح القضاة عاجزين عن اصدار الاحكام في الحوادث الطارئة التي لم تذكر في مواد القانون.ولولاه لتعطل الاجتهاد والافتاء، وتعطيل الاجتهاد والافتاء هو الغاء دور الفقهاء المسلمين في الحياة العامة، وتحنيطهم كالمومياء. 3 / معنى القياس: وهو على مستويين احدهما لغوي وثانيهما اصطلاحي، والثاني اوسع من الاول. أ / المعنى اللغوي: قال اهل اللغة: »قاسهُ بغيرهِ، وعليه، يَقيسُه قَيساً، وقياساً.واقْتاسَهُ: قدَّره على مثاله، فانقاسَ.والمقدارُ: مقياس.وقِيْسُ رُمحٍ / بالكسر / وقاسُه: قَدْرُهُ.وتَقَيَّسَ: تشبّه بهم، او تمسّك منهم بسببٍ كحِلْفٍ، او جِوارٍ، او وَلاءٍ.والقَيسُ: التبخّترُ، والشدّة، والجوعُ “…” وقايستُهُ: جاريتُهُ في القياس، وبين الامرين: قَدّرْتُ.وهو يَقْتَاسُ بأبيه.واويّ، ويائي«.“القاموس المحيط ج2/ص:253” لذلك يمكننا القول: قُسْتُهُ: اقُوسه قوساً، او اقيسهُ قياساً. نستخلص مما ورد في المعاجم ان القياس / في اللغة / هو: 1 / التقدير »Measurement« كقولنا: قِسْتُ الحبلَ بالذراع، وقِستُ مسافة الطريق بالخطوة. 2 / المساواة، كقولنا: زَيْدٌ لا يُقاسُ بعمروٍ، اي: لا يساويه. 3 / التقدير والمساواة معاً، كقولنا: قست النعل بالنعل، اي قدّرته به، فساواه. 4 / الاعتبار، كقولنا: قسنا الشيء.اذا اعتبرناه برأينا. 5 / التشبيه والتمثيل: كقولنا قسنا الشيء بالشيء.اذاً شبَّهناه به. 6 / المماثلة، كقولنا: هذا قياس هذا، اي مثله. 7 / الاصابة، كقولنا: قست الشيء، اذاً اصبته. ان هذه المعاني اللغوية متقاربة جداً، وهي تدل على التقدير والتسوية والاصابة، وعلى المعنى اللغوي بُني المعنى الاصطلاحي بشكل اوسع وشمل المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، فالقياس هو »التقدير حقيقة، والمساواة مجازاً«.“بديع النظام لابن الساعاتي الورقة 182/أ” وهنا ارى ضرورة التنبيه: الى ان القياس غير عام لجميع الامور لان من الاشياء ما هو قابل للقياس على غيره  »Commensurable« ومنها ما هو غير قابل للقياس لانعدام المقياس المشترك بين شيء وشيء آخر »Incommensurable« فالقابل للقياس بشكل عام هو الاشياء المادية، اما الاشياء المعنوية فمنها ما هو قابل للقياس، ومنها ما هو غير قابل، وآلة معرفة ذلك هي الفكر الثاقب والنظر الصحيح. ب / المعنى الاصطلاحي: وهو على نوعين هما: القياس المنطقي »Syllogism« والقياس الفقهي »Analogy« وهما مختلفان، والقياس الفقهي هو الصحيح.  1 / القياس المنطقي: »Syllogism« ويعرف بالقياس الارسطي، وهو »قول مؤلف من اقوال اذا وضعت لَزِمَ عنها بذاتها، لا بالعرض، قولٌ آخر غيرها اضطراراً« “النجاة لابن سينا ص: 47” وينقسم القياس المنطقي الى قسمين هما القياس الاقتراني، اي الحملي »syllogism« وفيه مقدمتان تشتركان في حدٍّ واحد، وتفترقان في حدين، وتنتج عن ذلك ثلاثة حدود هي: الجسم، والمؤلف، والمُحدَث.وللقياس المنطقي اربعة اشكال »Figures« ولكل شكل انواع »Modes«. والقياس الاستثنائي: »Syllogism Exceptif« هو قياس »مؤلف من مقدمتين احداهما شرطية، والاخرى وضعٌُ او رفعٌ لأحد جزءيها« “النجاة لابن سينا ص: 77” وللقياس الاستثنائي نوعان هما: الشرطي المتصل »Hypothetique« والشرطي المنفصل »Disjontif«. والقياس المنطقي قد يكون برهانياً، او اقناعياً، او شعرياً، او مركباً »polysyllogism« وقد يكون القياس كاملاً او غير كامل، فالقياس الكامل »هو القياس الذي يكون لزوم ما يلزم عنه بيّناً عن وضعه، فلا يحتاج الى ان نبيّن ان ذلك لازم عنه« “النجاة ص: 48” والقياسات غير الكاملة هي: القياس الظني او الاحتمالي، وهو القياس الجدلي او الخطابي المبني على الظنيات، وقياس الاحراج، والقياس السابق »Prosyllogism« وقياس الضمير »Enthymeme«. والقياس المنطقي غير مقبول عند جمهور علماء اصول الفقه، وقد اوضحوا عيوب القياس الارسطي، فكتب الامام احمد ابن تيمية “661 / 728هـ/ 1263 / 1328م” كتاباً سماه: »نصيحة اهل الايمان في الرد على منطق اليونان« فنقض فيه قواعد المنطق اليوناني ومن ضمنه القياس، وكتب السيوطي “849 / 911هـ/1445 / 1505م” كتاباً ضمّنه ما كتبه ابن تيمية وغيره وسماه »صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام«. نقد الامام احمد بن تيمية القياس الارسطي نقداً منهجياً واثار حوله العديد من الاشكالات، وركز على امرين هما: الحدّ: وهل يمكن ان يُصوّر المحدود؟ والقياس: هل يفيد العلم بالتصديقات؟ فأثبت: ان ما يفيد معرفة المحدود هو حدّ المتكلمين لا حد المنطقيين، لان حدّ المنطقيين لا يفي بتصوير المحدود.كما اثبت ان قياس الاصوليين هو الذي يفيد التصديق لأنه يقوم على التلازم بين الدليل والمدلول، ام قَصْرُ المناطقة التصديق على القياس، وسلبه عن غيره فهو امر مردود.وبنقد ابن تيمية للقياس الارسطي، يكون قد سبق مَنْ بَعده الى كشف قصور القياس الارسطي، الذي اشار اليه في وقت متأخر كل من: جون استيوارت مل “1806 / 1873م”  »Irving, Readings on Logic, p.101/ A System of Logic "New York 1879" pp12,15.  Mill, Jhon Stuart (1806-73) وبرتراند راسل “1873 / 1970م” Irving, Readings on Logic p 130, »Russell, Bertrand Arthur William«. ودافع ابن تيمية عن القياس الاصولي في كتابه »القياس في الشرع الاسلامي، واثبات انه لم يرد في الاسلام نص يخالف القياس الصحيح« “طبع في القاهرة سنة 1346هـ”. 2 / القياس الاصولي الفقهي: »Analogy« اجمع جمهور علماء المسلمين السنة على اعتبار القياس اصلاً رابعاً من اصول الفقه، لكن حد القياس ليس واحداً عند جميع العلماء، فهو عند اكثر الشافعية، »حمل معلوم على معلوم في اثبات حكم لهما، او نفيه عنهما بأمر جامع بينهما، من اثبات حكم او صفة او نفيهما عنهما«.“كشف الاسرار للبخاري 3/286” ولكن الآمدي عرض حدود القياس عند العلماء، واورد الاعتراضات عليها، وخلص الى القول: »والمختار في حد القياس ان يقال: انه عبارة عن الاستواء بين الفرع والاصل في العلّة المُستنبطة من حُكم الاصل.وهذه العبارة جامعة مانعة وافية بالغرض عريّة عما يعترضها من التشكيكات العارضة لغيرها«.غير ان ابن الساعاتي صاغ حد القياس بصيغة اخرى فقال: »واما القياس: فهو التقدير حقيقة، والمساواة مجازاً.وفي الاصول: مساواة فرعٍ لأصل في علّة حكمه.ومن يصوّب كل مجتهد، يزيد: في نظر المجتهد.وهذا تعريف الصحيح.وان عُمِّم، قيل: تشبيه الفرع، على المذهبين، فإن التشبيه أعمُّ من حصول المساواة في العلة وعَدَمِهِ.وأُورِدَ قياسُ الدلالة والعكس، وأجيبَ لَيْسَا بِمُرادَين من مُطلق القياس، ولهذا لا يُستعملان الا مُضافاً، وهو دليل المجاز«.“بديع النظام الورقة 181/ ب” يتضح لنا من المقارنة بين عبارة الآمدي، وعبارة ابن الساعاتي ان ابن الساعاتي فَرَّق بين التقدير والمساواة، وأثار مسألة الحقيقة والمجاز في حَدِّ القياس، وهذا دليل على ان القياس يُحَدُّ حدّاً اسمياً لا حقيقياً، لأنه مِنَ الأمور الاصطلاحية الاعتبارية التي تكون حقائقها على ما يقره الاصطلاح والاعتبار.وأنا أرى ان ابن الساعاتي مُحقّ، وتعريفه للقياس أًَدَقُّ من ما أورده الآمدي لأنه فرَّق بين التقدير والمساواة، والحقيقة والمجاز. ولاحظت أثناء قراءة النصوص الخاصة بالقياس: ان علماء أصول الفقه قد توسعوا في معنى القياس أكثر من علماء اللغة.ولاحظت من استقراء النصوص: ان القياس بمعناه اللغوي يتعدى بالباء كقولنا: قِستُ الثوب بالذراع.لكن القياس بمعناه الاصطلاحي يتعدى بَعلى كقولنا: قِستُ الفرعَ على الأصل. 4 / موضوع القياس: لكل علم من العلوم موضوع بحثٍ يبحث فيه، وموضوع القياس هو: »طلب أحكام الفروع المسكوت عنها من الأصول المنصوصة بالعلل المستنبطة من معانيها ليلحق كُلّ فرعٍ بأصله« “البحر المحيط ٥/ 15”.وبناء على تحديد موضوع القياس نستطيع القول: ان اجراء القياس يقتضي من القائس معرفة الأصول المنصوصة، وإدراك العلل المستنبطة من معانيها حتى يستطيع الحاق الفرع بأصله، وأما الذين يجهلون معرفة الأصول المنصوصة في الكتاب والسُّنَّةِ والاجماع فلا يحقُّ لهم القياس لأنهم لا يمتلكون وسائله.ومن هنا نرى: ان اجراء القياس محصور بالعلماء الأكفاء المجتهدين العدول.وما وراء ذلك فليس بشيء. ٥ / أنواع القياس: وجدتُ في كتب أصول الفقه خمسة أنواع للقياس هي: قياس العلة، وقياس الشبه، وقياس العكس، وقياس الدلالة، والقياس النافي، وتندرج تحت هذه الأنواع أنواعٌ أخرى. أ / قياس العلة: ويتمُّ بحمل الفرع على الأصل بواسطة العلَّة التي عُلِّقَ عليها الحكم الشرعي، وقياس العلّة هو: قياس المعنى، »وهو بحر الفقه ومجموعه، وفيه تنافُسُ النظار« “البرهان للجويني 2/788” وينقسم قياس العلة الى نوعين هما القياس الجلي، والقياس الخفي. ١ / القياس الجلي: هو ما عُلم بسهولة من غير إجهاد فكر، و»ما عُرِفَت عِلَّتُهُ قطعاً إما بنَصٍّ أو إجماع« “البحر المحيط 5/ 36”.أي: ان الجلي »ما كانت العلَّة فيه منصوصة، أو غير منصوصة، غير ان الفارق بين الأصل والفرع مقطوع بنفي تأثيره«.فإذا كانت العلَّة في الفرع أقوى من العلة في الأصل يكون مُقَدَّما، ويسمى: القياس الأولى، أما اذا كانت العلة في الفرع مساوية للعلة في الأصل فيسمى القياسُ: القياس المساوي، وإن كانت العلة في الفرع أضعف من العلة في الأصل فيسمى القياسُ: القياس الأدنى، ولهذا كان بعض أنواع القياس الجلي أجلى من البعض الآخر. آ / القياس الأولى، أو الأجلى: وهو: »ما عُرِفت علته بنَصِّ صاحب الشرع« “شرح اللمع للشيرازي 2/ 801”.كقوله تعالى: »فلا تَقُلّْ لهما أفٍّ« “سورة الاسراء: 23” فهذه الآية الكريمة واضحة جلية بالدلالة على تحريم التأفيف للوالدين، وبالقياس تدل على تحريم ما هو أشد من التأفيف، كالضرب والشتم، وهذا النوع من القياس هو أقرب أنواع القياس الى النصوص لأن الفرع داخل في النص.وأجلى من المثال السابق قوله تعالى »كي لا يكون دُوَلةً بين الأغنياء منكم« “سورة الحشر: ٧”. ب / القياس المساوي: وهو »ما عُرف معناه من ظاهر النص بغير استدلال« “البحر المحيط 5/38”.وتكون العلة التي يُبنى عليها الحكم في الأصل موجودة في الفرع أيضاً بصورة متساوية الظهور، ولهذا يسمى هذا النوع أيضاً: القياس في معنى الأصل، ومثاله قول النبي صلى الله عليه وسلم: »لا يَبُوْلَنَّ أحَدُكُمْ في الماء الدائم ثم يغتسل منه« “صحيح البخاري وضوء: 68، وصحيح مسلم: 1/162”.فسبب النهي هو: تنجيس الماء، وعليه تُقاس »كل نجاسة غير البول لأن التنجيس بسائر النجاسات كالتنجيس بالبول«.شرح اللمع 2/803.فعِلَّةُ الحكم هي التنجيس بالبول، وعليها تقاس بقية أنواع النجاسات. ج / القياس الأدنى: وهو »ما عرف معناه من ظاهر النص باستدلال ظاهر« “البحر المحيط 5/38” ويكون تحقق العلة في فرعه أضعف وأكثر خفاء من تحققها في أصله.أو يمكن احتمال عدم وجود العلة في الفرع، ومثال القياس للآدني »الحاق النبيذ بالخمر في تحريم الشرب، وايجاب الحدِّ، ونحوه.غير أن هذا النوع الثالث متفق على كونه قياساً، ومختلف في النوعين الأولين«.“الأحكام للآمدي 4/3”. 2/ القياس الخفي: وهو القياس الذي لا يمكن تبينه الا بإعمال الفكر، و»يكون في الفرع مساوياً لمعنى الأصل« “البحر المحيط 5/36” وتكون علة القياس الخفي »مستنبطة من حكم الأصل« “الأحكام للآمدي 4/4”.وينقسم القياس الخفي الى ثلاثة أقسام لأن بعضه أظهر من بعض: أ / »ما خفي معناه، فلم يعرف إلا بالاستدلال، ويكون معناه لائحاً، وتارة يكون الاستدلال متفقاً عليه« “البحر المحيط 5/39”.ومثاله قوله تعالى: »حُرِّمتْ عليكم أمهاتكم« “سورة المائدة: 23”، فيقاس على الأمهات بالتحريم، تحريمُ أمهات الآباء لاشتراكهن في الرحم.وهذا النوع هو الأظهر.وقد عرفت علته بصفة ذكرت مع الحكم. ب / »ان يكون معناه غامضاً للاستدلال المختلف فيه« “البحر المحيط 5/39”.ومثاله: تحريم ربا المطعوم قياساً على تحريم ربا البرِّ.وتعرف علة هذا النوع بسبب يذكر مع الحكم. ج / أن يكون مشابهاً في معناه ونصه ويحتاج الى الاستدلال، ومثاله: قضاء النبي صلى الله عليه وسلم »بأن الخراج بالضمان« فبالاستدلال يعرف: أن الخراج: هو النفقة، والضمان: هو ضمان النفقة، وهذا النوع من القياس »ينعقد الاجماع في حكم أصله، ولا ينعقد في معناه، ولا يقضى بقياس حكمه، ولا يخصُّ به عموم« “البحر المحيط 5/39.وهو أضعف النوعين السابقين.ويمكن معرفة علته بالتأثير والاستنباط”. ب / قياس الشبه: وقد اعتبره الشيرازي من أقسام قياس الدلالة حيث قال: »والقسم الثالث من قياس الدلالة هو قياس الشبه« شرح اللمع 2/812.وقياس الشبه هو »ما أخذ حكم فرعه من شبه أصله.وهو ما تجاذبته الأصول فأخذ من كل أصل شبهاً« “البحر المحيط 5/40”.ويتم حمل الفرع فيه على الأصل بنوع من الشبه بالنسبة للعلة التي يتعلق بها الحكم الشرعي، وهو ثلاثة أنواع. 1/ قياس شبه فيه نوع دلالة تدل على الحكم: كأن »يستدل بثبوت حكم من أحكام الفروع على ثبوت الفرع، ثم رد الى أصل، كاستدلالنا على سجود التلاوة ليس بواجب، بأن سجودها يجوز فعله على الراحلة من غير عذر« “البحر المحيط 5/40”.بينما لا يجوز أداء الواجب، وهذا دليل على أن سجود التلاوة ليس بواجب، وهذه مسألة خلافية. 2/ قياس شبه من طريق الحكم: وهو ما لا دليل فيه أكثر من الشبه، ومثاله: »أن يُستدل بحكم يشاكل حكم الفرع ويجري مجراه على حكم الفرع، ثم يقاس على أصل« “البحر المحيط 5/40”.ومثاله: القول بصحة ظهار الذمي على صحة طلاقه لجريانهما في مجرى واحد، فهما يختصان بالزوجة، ويتعلقان بالقول. 3/ قياس شبه من طريق الصورة: وهو ما لا دليل فيه أكثر من الشبه وهو موضع خلاف بين الشافعية »فمنهم من قال: انه حُجّة “...” والصحيح انه باطل لا يجوز الاحتجاج به، لأنه ثبت بالحكم لا بالعلة، ولا بما يدل على العلة« “شرح اللمع للشيرازي 2/813”.وحجة من قال به ما روي عن عمر بن الخطاب / رضي الله عنه / انه كتب الى أبي موسى الأشعري بالبصرة »الفَهْمَ الفَهْمَ في ما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سُنَّة ثم أعرِفِ الاشباهَ والأمثال وقِسْ عند ذلك أشبهها بالحقِّ وأقَربَها الى الله عز وجل« “تخريج أحاديث اللمع للصديقي ص: 279”. ويُقسم هذا النوع من القياس الى نوعين: أ / قياس التحقيق: ويكون الشبه في أحكامه، وهو ثلاثة أقسام: 1/ حكم الفرع متردد بين أصلين إذا رُدَّ الى أحدهما ينتقض، وإذا رُدَّ الى الآخر لا ينتقض.لذلك يرد الى الأصل الذي لا ينقض حكمه بردِّه اليه.ومثاله: دخول العبد في الإرث، رغم تردده بالتشابه بين الانسان الحرِّ، والممتلكات المادية، فيدخل بالميراث لعبوديته، وحقِّ الملكية بينما هو يُشبِهُ الحرَّ بالانسانية، والحر لا يدخل في الميراث. 2/ »ان يتردد الفرع بين أصلين، فيسلم من النقض ردّه الى كل واحد منهما، وهو بأحد الأصلين أكثر شبهاً، مثل ان يشبه أحدهما من وجه، والآخر من وجهين، أو احدهما من وجهين، والآخر من ثلاثة وجوه، فيرَدُّ الى الأكثر« “البحر المحيط 5/42”.ومثاله: الجناية بطرف من أطراف العبد كَيدِهِ أو رِجلِهِ، حيث يجب في قتله القود والكفارة، لذلك يرد تقدير الجناية في طرفه الى الحر أيضاً لكثرة شبهه بالحرِّ، وقلة شبهه بالبهائم وغيرها من الموروثات لأنه مملوك.لذلك يقاس على الحرِّ. 3/ »ان يتردد حكم الفرع بين أصلين مختلفي الصفتين، ويوجد في الفرع بعض كل واحد مِنَ الصفتين والأقل من الأخرى، فيجب رده الى الأصل الذي فيه أكثر صفاته« “البحر المحيط/ 42”.ومثاله: نبات السَّقَمُونيا، الذي يُستخرجُ منه الدواء، فحكم ثبوتِ الرِّبا فيه متردد بين الإباحة والتحريم لتشابهه بأصلين هما الخشب والطعام، فهو مأكول كالطعام لكنه ليس بغذاء، ولكنه يرد الى الغذاء في التحريم لأن الأكل أغلبُ صفاتِه. ب / قياس التقريب: ويكون الشبه في أوصافه.وهو ثلاثة أقسام: 1/ حكم الفرع متردد بين أصلين مختلفي الصفة، ولكن حكم الفرع يجمع معنى الأصل.فيتم رد الفرع الى أغلب الصفتين.ومثاله: الحكم بعدالة الشخص أو فسقِهِ، وذلك باعتبار أحواله وصفاته فإن رجحت الطاعات قُبلت شهادته، وإن غلبت المعاصي ردت شهادته، لأن الفاسق لا شهادة مقبوله له.فصفة العلة ها هنا مستخرجة من الفرع، أما حكم العلة فمستخرج من الأصل.وهذا النوع موضع خلاف بين العلماء حيث رده الأحناف »لأن القياس ما استخرج علة فرعه من أصله، وهذا قد استخرج علة أصله من فرعه« “البحر المحيط 5/43”. 2/ الفرع متردد بين أصلين مختلفي الصفة »والصفتان معروفتان في الفرع، وصفة الفرع تقارب احدى الصفتين وإن خالفتها« “البحر المحيط 5/44”.ومثاله قوله تعالى: »يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيدَ وأنتم حُرُمٌ ومن قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتعمداً فجزاءٌ مثلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يحكُمُ به ذَوا عدلٍ منكم« “سورة المائدة: 95”.فصفات الصيد والنَّعَمِ ليس متطابقة كلها، وليس مختلفة كلها أيضاً.وهذا النوع من القياس موضع خلاف حيث رده الأحناف، وأقرَّه بعض الشافعية، واعتبره بعض الشافعية »اجتهاداً محضاً ولم يجعله قياساً« “البحر المحيط 5/44”. 3/ الفرع مترددٌ بين أصلين مختلفين، وهو جامع لصفتي الأصلين، ولكن أحد الأصلين من نوع الفرع، والآخر ليس من نوع الفرع.ومثاله: »أن يكون الفرع من الطهارة، وأحد الأصلين من الصلاة، والثاني من الطهارة، فيكون ردُّه الى أصل الطهارة / لِمُجانَسَتِهِ / أولى من ردهِ الى أصل الصلاه« “البحر المحيط 5/44”. ج / قياس العكس: لا بد لنا من إيضاح معنى العكس في البداية بُغية تسهيل تبيين معنى قياس العكس. 1/ المعنى اللغوي: »العكسُ: ردُّك آخر الشيء الى أوله، وشدُّك رأس البعير بِخِطامِهِ الى ذراعه« “مجمل اللغة ص: 624”.ومفاد هذا أن معنى العكس لغوياً هو: ردُّ الشيء الى سننه أي: رده الى طريقه الأول، وهذا يعني ردَّ آخرِه الى أوله، وردّ أوله الى آخره. 2/ المعنى الاصطلاحي: وهو متنوع حيث يختلف معناه عند الفلاسفة عن معناه عند علماء أصول الفقه. أ / معنى العكس عند الفلاسفة: »هو عبارة عن جعل اللازم ملزوماً، والملزوم لازماً، مع بقاء كيفية القضية بحالِها من السلب والايجاب« “الأحكام للآمدي 3/216”.وهذا مرفوض دينياً. ب / معنى العكس عند علماء أصول الفقه: وهو مختلف عن معناه عند الفلاسفة، ويطلق في الأصول باعتبارين: 1/ العكس: هو انتفاء الحكم عند انتفاء العلة. 2/ العكس: هو ثبوت الحكم عند ثبوت العلة. أما قياس العكس فهو: إثبات نقيض حكم معلوم في معلوم آخر لوجود نقيض علته فيه، وفي تسميته قياس خلاف بين العلماء حيث اعتبره بعضهم “قياساً حقيقياً” واعتبره البعض الآخر “قياساً مجازياً” ومثال قياس العكس قوله تعالى: »لو كان فيهما آلهةٌ إلا الله لفسدتا« “سورة الأنبياء: 22”.ففي الآية دليل على الوحدانية. د / قياس الدلالة: »وهو أن يكون الجامعُ وصفاً لازماً من لوازم العلة، أو أثراً من آثارها، أو حُكماً من أحكامها، سُمي بذلك لكون المذكور في الجمع دليل العلة لا نفس العلة« “البحر المحيط 5/49”.فعلَّةُ قياس الدلالة لا تكون مذكورة، وانما يذكر: لازمها، أو أثرها، أو حكمها.ويحصل قياس الدلالة بردِّ »الفرع الى الأصل بغير العلة التي تعلَّقَ الحكمُ بها في الشريعة، وانما يجمع بينهما المعنى الذي يدلُّ على العلة« “شرح اللمع 2/806”.ومثال ما ذكر فيه لازم العلة: تحريم النبيذ قياساً على الخمر، لاشتراكهما بالرائحة ، وهي لازمة للسُّكْرِ.ومثال الذي ذكر فيه أثر العلة، وجوب القصاص على القاتل بآلة ثقيلة قياساً على القاتل بآلة حادة.لأن الأثر الناتج عن الجريمة واحد هو اثم قتل النفس.والاثم هو أثر العلة، أما العلة فهي: القتل العمد العدوان.ومثال الذي ذُكرَ فيه حكم العلة: قطع أيدي الجماعة بالواحد، قياساً على قتل الجماعة بالواحد.ويتميز قياس الدلالة بعدم ذكر العلة، ووجود ما يدل عليها. هـ / القياس النافي: وهو القياس الذي يجب أن لا يردَ عليه عدمُ التأثير »لأن انتفاء الحكم قد يكون لانتفاء علته، أو جزئها.أو لوجود مانع، أو لفوات شرط.فأسباب الانتفاء متعددة، بخلاف سبب الثبوت.وفي الحقيقة فأقيسة النفي ترجع الى قياس الدلالة، ولا تأثير له، على الصحيح فيه« “المسودة لابن تيمية ص: 376”.وذهب الآمدي الى القول: »ان كان الوصف الجامع لم يصرَّح به في القياس، كما في إلحاق الأمةِ بالعبد في تقويم نصيب الشريك على المعتقِ بواسطة نفي الفارق بينهما، فيسمى القياس في معنى الأصل« “الأحكام 4/5”.ويكون هذا القياس بالجمع بين الفرع والأصل بنفي الفارق، ومثاله: قياس صبِّ البول من إناء في الماء الراكد على البول مباشرة بالماء الراكد، فالفارق بين نجاسة البولين منفي لأن البول هو المقصود بالنهي فانتفى الفارق. وقياس النافي موضع خلاف »لأن القياس يُقصَدُ به التسوية، وانما قصد نفي الفارق بين المحلين، وقد جاء في ضمن ذلك الاستواء في العلة، والقياس هو الذي يُبنى على العلة ابتداء، وهذا لم يُبنَ على العلة، وانما جاءت فيه ضمناً« “البحر المحيط 5/50”.وهذا النوع من القياس يكون تارة قطعيّاً، وتارة ظنيّاً إذا ألحقَ بنفي الفارق لأن الالحاق يجيء قطعيّاً وظنيّاً، كما يأتي في الترجيحات. يتضح لنا من تاريخ الفكر: ان قياس المناطقة والفلاسفة ليس واحداً حيثُ ظهر في اليونان القياس الأرسطي، والأقيسة الرواقية، وسيطر القياس الأرسطي حتى نقده علماء المسلمين، وكشفوا عيوبه، وكانوا محقين في نقدهم لما اتسم به المنطق الأرسطى عموماً من قصور، وقد جاء فلاسفة الغرب في العصر الحديث فوافقوا على نقد القياس الأرسطي، وأقروا المناهج التجريبية الحديثة التي تعتبر امتداداً لما بدأه الرواد الأوائل من علماء أصول الفقه الاسلامي. وكما أن القياس الفلسفي مختلف عن بعضه البعض فهو مختلف عن قياس أصول الفقه، والمصطلحات التي يستخدمها الفلاسفة مغايرة للتي يستخدمها علماء أصول الفقه، ومن هنا نشأت مغالطات كثيرة سببها اختلاف المصطلحات، فالقياس الأصولي معناه: التمثيل عند المناطقة، و”النظر” الأصولي يعني: “المنطق”، و”السبر والتقسيم” الأصولي يعني “القضية الشرطية المنفصلة” و”قياس العلة” الأصولي يعني “قياس الكّمَ، أي ذكر ما يُجاب به عن “لِمَ” و”قياس الدلالة” الأصولي يعني “برهان الآن” وخلاف الاصطلاحات دليل على الخلاف.  30605 “الحياة”...........عام “العنوان: اختلاف القياس الشرعي عن العقلي : أقسام القياس وانواعه

إحصاءات

عدد الزيارات
10544597
مواقع التواصل الاجتماعية
FacebookTwitterLinkedinRSS Feed

صور متنوعة