الخطاب الإسلامي بين الماضي والحاضر

الخطاب الإسلامي بين الماضي والحاضر

الدكتور محمود السيد الدغيم

زميل باحث في مركز الدراسات الإسلامية

كليّة الدراسات الشرقية والإفريقية

جامعة لندن

يتألَّفُ البحثُ من النقاط التي أدّت إلى وضوح الخطاب الإسلامي في الماضي وغُموضه وتناقُضه في العصر الراهن على الصعيدين الإسلمي ؛ وغير الإسلامي.

1- إيضاحَ مضمون الخطابِ الإسلامي الْمُجسِّد للشريعة الإسلامية التي تُحقِّقُ إعمارَ الأرضِ ، وإسعادَ البشريّةِ بمُراعاةِ مقاصدِ الشريعةِ وهي :ضَروريٌ في أصلِهِ، وهو أعلاها، كالمقاصدِ الخمسةِ التي رُوعيتْ في كُلِّ مِلَّةٍ: حِفْظُ الدِّيْنِ، والنَّفْسِ، والْعَقْلِ، والنَّسْلِ، والْمَالِ.ومُكَمِّلُ الضَّرُوْرِيِّ: كَتحريمِ قليلِ الْخَمْرِ، والْحَدِّ عليهِ.وغيرُ ضَروريٍّ: وهو ما تدعو إليه الحاجَةُ في أصْلِهِ، كالبيعِ والإجَارَةِ ، وهي الرُّتْبَةُ الثَّانيةُ، وهي مُعارَضَةٌ لِلتَّكمِيْلِ ولِهذا جازَ اخْتِلافُ الْمِلَلِ فِيْها.ومُكَمِّلٌ لهُ كَرِعايَةِ الْكَفَاءَةِ ومَهْرِ الْمِثْلِ في الصَّغيرَةِ.وما لا تَدعُو إليهِ الحاجةُ لَكِنَّهُ منْ قَبيلِ التَّحسيِن، كَسَلْبِ الْعَبْدِ أَهليةَ الشَّهادَةِ لانْحِطاطِ رُتْبَتِهِ جرّاءَ العبودية وسلبِ الحريّة .

2- وضوح لغة الخطاب الإسلامي في الماضي ؛ وخلُوّه من الإزدواجية والتناقُض والتعارُض مع الأدلّة الشرعية .

3- تطور طُرُقِ أداء الخطاب الإسلامي الداخلي بين المسلمين ؛ والخطاب الخارجي بين المسلمين وبين غير المسلمين ، حسب قواعد الجدل والمناظرة في المسائل الخلافية ؛ بما يضمن نشرَ الدعوة والتبليغ مع مراعاة ظرفيّ ازمان والمكان ؛ في السرِّ والعلن .

4- طوابط آليات استنباط الحلال والحرام

 

إنّ الخطابَ الإسلاميَّ قدِ امتازَ بالوضوحِ في الماضي ، وشابَهُ الغموضُ في زمنِنا الْمُعاصرِ ، ومردُّ ذلكَ حسبما أراهُ هو وجودُ مرجعيّةٍ إسلاميّةٍ بدأت بالنُّبُوّةِ ، ثُمَّ مثّلتها الخلافة الإسلاميّةُ التي شكّلتْ مركزاً أساسياًّ استقطبَ عُلماءَ الْمُسلمين الذين أنجزوا هذا التُّراثَ الإسلاميَّ الإنسانيَّ الذي أدّى دوراً حضارياًّ عالمياًّ يعترفُ به الْمُنصفون ، ويُنكرُهُ أعداءُ الإسلامِ وحُسّادُ الْمُسلمين ،والناظرُ الْمُنصفُ في هذا التُّراثِ الإسلاميِّ يجدُ فيه فكراً يقودُ الإنسانيّةَ نحوَ التعمير ، ويُجَنِّبُها التدمير ، وذلك بتقديم حلولٍ لما يعترضُ طُرُقَ تقدُّمِ البشريّةِ وتَطَوُّرِها على أساس العدلِ والْمُساواةِ والشُّورى ؛ وهذا ما أعطى النظامَ الإسلاميَّ - عبرَ التاريخ - شكلاً مكوّناً من قاعدةٍ شعبيّةٍ راضيَةٍ بالأحكامِ الراميةِ إلى تحقيقِ مقاصد الشريعة ، وقيادةٍ يدفَعُها الإيمانُ إلى حفظِ مقاصدِ الشريعةِ التي تُحقّقُ الْحُقوقَ والواجباتِ للراعي والرّعيّةِ ، وبذلك يحولُ القانونُ الشّرعيُّ الإسلاميّ دون تكريس حُكمِ وتسلُّطِ الفردِ الْمُستبِدِّ لأنَّ الشريعةَ مُنزّهةٌ عنِ الظُّلم ؛ والقانونُ الشرعيُّ الإسلاميّ غيرُ خاضعٍ للنّزواتِ والأهواء .

لقد لازمتِ المرجعيّةُ الشرعيّةُ الإسلاميّةُ رأسَ السُّلطةِ الإسلاميّةِ إبتداءً بالنُّبُوّةِ ؛ ثُمّ لازمتِ الخلافةَ الإسلاميةَ ، ومثّلَ مايصدُرُ عن دارِ الخلافةِ الإسلاميّةِ الخطابَ الإسلاميَّ مُنذُ أيامِ الخليفةِ الأولِ أبي بكرٍ رضي اللهُ عنه حتى نهايةِ الخلافةِ العثمانيةِ التي أضعفتها قُوى عُدوانِ الحربِ العالميّةِ الأولى ، وما أفرزتهُ من أوضاعٍ إقليميّةٍ ودَوْليَّةٍ سهّلتْ على مصطفى كمال أتاتورك إلغاءَها ، وإحلالَ النظامِ الجُمهوريَ العلمانيَّ محلّها ؛ مِمّا أدى إلى إلحاقِ الأذى بالمسلمين بشكلٍ عام ؛ وحَوّلَ تركيا من مركزٍ عالميٍّ إلى دولةٍ تَتهاوى صاغرةً على أعتاب الإتحادِ الأوروبيِّ ، والإتّحادُ يرفضُ عُضويَّتَها ، ويقرنُها بشروطٍ تعجيزيةٍ مُذِلَةٍ لايقبلُها السوادُ الأعظمُ من الشعب التركيّ المسلم .

إنّ مَن يقرأُ تاريخَ التشريعِ الإسلاميّ يجدُ تفاعُلاً بنّاءً مع الأحداثِ الطارئةِ يجترحُ لها الحُلولَ الشرعيةَ من خلالِ الإجتهادِ الأُصوليّ الذي تجلى في صحيفةِ المدينةِ الْمُنوّرة التي أدى إليها اجتهاد رسولِ اللهِ محمّدٍ صلى الله عليه وسلّم لضبط العلاقات العامّة بين المُسلمين وغيرِ المسلمين في مجتمع مُتعدّدِ الأديان ، وبعدَ ذلك جاءتْ عُهودُ الخلافة الراشدةِ ثمّ الخلافةِ الأُمويّةِ فالعباسيةِ ثُمّ العُثمانيّةِ التي اختُتِمَ عهدُها بإصدارِ مجلةِ الأحكام العدليّة التي وضعتها جماعةُ علماء الخلافة العُثمانية برئاسةِ أحمد جودت باشا ، ثمّ شرحها نابغةُ الفقهاء والقُضاة الشيخ علي حيدر في كتاب دُررِ الحكامِ شرحِ مجلّة الأحكام . ومَنْ يستعرض الخطابَ الإسلاميَ في عُهود الخلافة يلاحظُ تَمكُّنَ العلماءِ المسلمين من فَهمِ ماتتضمَّنُهُ النُّصوصُ الشرعيةُ من أحكامٍ يصْعُبُ استنباطُها على من جَهِلَ أسرارَ اللغةِ العربيةِ التي أُنزلَ بها كلامُ اللهِ ، ولعلّ ماتمتّع به القدماء مَنْ معرفةٍ لُغويّةٍ قد مكَّنَهم من تقديم خطاب واضح عجزَ عن تقديمِ مثيلٍ له الجاهلون في العصر الحديث ، فدعَوا إلى الخلط بين المقدس وغير المقدس وما اصطلحوا عليه بالحداثة وما بعد الحداثة .

إنّني أرى أنّ سببَ تشتُّتِ الخطابِ الإسلاميّ المُعاصر يكمُنُ في عجزِ الْمُعاصرين عن استيعابِ الحكمةِ التي تتضمّنُها النُّصوصُ الإسلاميّةُ المُقدّسةُ ، وعدمُ الإستيعابِ يُفوّتُ فُرَصَ الإستفادةِ منَ التُّراثِ بُغيةَ توظيفِه لإيجادِ حلولٍ إسلاميّةِ للمشاكلِ المُعاصرةِ ، ولعلَّ انعدامَ اللُّغةِ الوسيطةِ بين لُغةِ الأمسِ العاليةِ المُستوى ، ولُغةِ العربِ المُعاصرةِ المُحاصَرَةِ منَ الأعداءِ الخارجيين ، ومنَ العُملاءِ الداخليين ، هو السببُ في ضياعِ اللغةِ الوسيطةِ التي تُمكّنُنا منَ الإستفادةِ من الفكر الإسلامي، وتحرمُنا من توليد مصطلحاتٍ شرعيّةٍ لاتُعارضُ أصولَ الفقه الإسلامي ، وولادةُ المصطلحِ الشرعيّ سوف تُنقذُ المسلمين منَ المُصطلحات الدخيلةِ الْمُترجمةِ التي يلتقطُها التغريبيون ويُقدّمونها كشرٍّ لابُدَّ منه في ظلّ القطيعة التي تفصلُ بين ماضينا المُشرقِ وحاضرِنا المُتطفِّلِ على ما يُنتجُهُ غيرُ المسلمين ممّا أدى إلى تخريب جسور التواصُلِ الفكريّ بين التراث الإسلاميّ الشرعيّ وبين الواقعِ الغريبِ الذي يرزحُ تحت سيطرته أبناءُ المسلمين .

ولذا فإنني أرى أنّ طريقَ الخلاص هو وصلُ حاضرنا بماضينا ، وتقديمُ خطابٍ شرعيٍّ إسلاميّ واضحٍ يفهمُه السوادُ الأعظمُ من المسلمين ، وتُعزِّزُهُ لغةٌ أصيلةٌ واضحةٌ خاليةٌ من الْمُعمّياتِ ، وساميةٌ على السُّوقيّة . فإذا ما تمَّ تقديمُ خطابٍ إسلاميّ أصيلٍ وشعبيّ معاً فإننا سَنَقِفُ على بدايةِ طريقٍ تُؤدي إلى تحويلِ الفكر الإسلاميّ من حيّز القوالبِ النظريةِ إلى حيّزِ التطبيقِ المُعاش من قِبَلِ الناسِ الذين أُنزلتِ الشريعةُ لتحقيقِ سعادتِهم في الدّنيا والآخرة بعيداً عن منطقِ الوصايةِ الذي تُمارسُهُ النُّخبُ بكافّةِ أنواعِها لأنّ إسعادَ الأُمّةِ هو موضوعُ الحُكمِ والسلطةِ في الإسلام ، والمُنطَلقُ إلى تحقيقِ ذلكَ هو العدلُ والمساواةُ والرحمةُ للناسِ؛ وبالناسِ كافّة دون مُحاباة أو استغلال ، وبما أنّ إسعادَ الأمّة هو الهدفُ ، فلا مجال لقبولِ استغلالِ الأمّةِ من قِبلِ النُّخبِ التي تُمارس الوصايةَ بطُرُقٍ فوقيّةٍ تُؤدي إلى أقبح أنواع الإستغلال والإستعباد الذي يؤدي إلى مُصادرةِ الحريةِ التي اشترطَها الإسلامُ لاستكمالِ الأهلية للنُّهوضِ بالتكاليفِ الشرعيةِ التي تُؤدي إلى سعادة البشريةِ .

إنّ الخطاب الإسلاميَّ قد بدأَ سماوياًّ بقوله تعالى : { إقرأ } فكان خطاباً مُقدَّساً مقروناً بتعظيمِ قدْر العلم القائم على قراءة صفحات الكونِ ومافيه من عجائبِ المخلوقات التي أبدعها الخالق في السماء والأرض لاستخلاصِ العبرةِ والوصول إلى الإيمان الكامل بخالقٍ واحدٍ مطلقِ الكمالِ ، تدُلُّ على عظيمِ قُدرتهِ مخلوقاتُهُ الآيلةُ إلى الزوالِ ولو بعدَ حين ، وهكذا كان أساسُ الخطاب الإسلامي قائماً على العابدِ والمعبود الواحد ، على الخالق الواحد والمخلوقات المتعدِّدةِ ، وتضمّن الخطابُ الإسلاميُّ حدوداً فاصلةً واضحةً بين المُقدَّسِ وغيرِ المقدّس ، وأعطى للعقل البشريّ حريّةَ التفكير لإبداعِ ما فيه تحقيقُ منفعةٍ ودفعُ ضررٍ ، أباحَ مافيه جَلْبُ مصلحةٍ ودفْعُ مفسدةٍ .

لقد اتّسعتْ قاعدةُ الخطاب الإسلامي ، أما ذروةُ الخطاب فبقيتْ واحدةً تُجسِّدُها كلمةُ التوحيد (أشهدُ أنّ لاإله إلاّ الله وأشهدُ أنّ محمّداً رسولُ الله) فالشهادةُ ذُروةُ كُلِّ شيء في الإسلام ، وهي المدخلُ وهي المخرجُ ، فمَنْ نطقَ بها مُخلصاً دخلَ في دين الله ، ومن أنكرها خرج من دين الله ، والدخولُ إلى الإسلام من باب الشهادة يتطلّب من الذي يدخُلُ أنْ يتقيّدَ بآدابِ الإسلام ، وما فيه من قواعدَ وقوانينَ وضوابطَ تقومُ على كتابِ اللهِ ( القرآنِ الكريم ) وسُنّةِ رسول اللهِ محمّدٍ صلى اللهُ عليه وسلم ؛ التى نقلها أصحابُهُ - رِضوانُ الله عليهم أجمعين - دونَ طعنٍ بعدالتهم أو تشكيكٍ بما رَوَوْهُ من نصوصٍ إسلامية.

بدأَ الخطابُ الإسلامي في مدرسة النُّبوّةِ فكان المعلّمُ الأوّلُ رسولُ اللهِ الذي كان يتلقى الوحيَ من السّماء ، ثُمَّ ينقُلُهُ كما أُنزِلَ إليهِ ؛ ينقُلهُ الى الناسِ كافّة فيُؤمنُ مَنْ يُؤمنُ ؛ ويكفرُ مَن يكفرُ ، وفي مدرسةِ النبوّةِ طرحَ الصحابةُ أسئلتَهم على رسولِ اللهِ وأجاب عنها على قدْر الطاقةِ الإنسانيّةِ ، وهكذا اتسعتِ القاعدةُ بالقرآن والسنّة التي تضمّنت أقوالَ النبي وأفعالَهُ وإقرارَهُ لِما فعلَهُ أصحابُ على علْمٍ منه دونَ أنْ يعترضَ أو يُنكرَ ما قالوه أو فعلوه ، وهكذا نشأتْ قاعدةُ الإجماعِ الشرعيّ الذي يُرَدُّ إلى السُّنَّةِ كما تُرَدُّ السُّنَّةُ إلى القُرآن الكريم فيكون الجامعُ الْمُشتركُ واحداً بين الأصولِ الثلاثةِ ، ومِعيارُ وحدتِهِ عدَمُ التناقُضِ أو التَّعارُضِ كما يتوهمُ بعضُ الدارسين الذين لم يُميّزوا بين التعادُلِ من جهةٍ والتعارُض والتناقُضِ من جهةٍ أخرى ، ولا شكَّ أنّ فائدةَ التعادُلِ واضحةٌ إذْ تُؤدي إلى التيسيرِ الذي يتناسبُ مع تفاوُتِ القُدراتِ الإنسانيةِ الخاصّةِ بالأفرادِ الذين يشكّلون الجماعةَ الإسلامية .

لاشكَّ أنّ الصحابةَ هم أعلمُ الناسِ بما في كتاب الله ، وما وردَ من سُنّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلّمَ ، ولذلكَ اعتُبرَ إجماعُهُم نصاًّ ؛ اعتماداً على قُوّةِ دليلِ الإجماعِ الذي أجمعوا على ترجيحهِ والإستنادِ عليه في استنباطِ الْحُكمِ الشرعيّ ؛ ولم يصلْ ذلك الدّليلُ إلى مَنْ بعدَهم ؛ وإنّما وصلَ خبرُ الإجماع ؛ والصحابةُ عدولٌ ، والعدولُ لايُخالفون الدليلَ من كتابٍ أو سُنَّةٍ ، ولايُشكِّكُ بعدالتهم إلاّ المُنافقون والزنادقةُ وأعداءُ الإسلام الذين يُظهرون العداءَ أوْ يُبطِنونَهُ ؛ وهؤلاء كُثُرٌ كغُثاء السيلِ في كُلِّ زمانٍ ومكان .

لقد حصرَ علماءُ المسلمين نصوصَ أصولِ الأدلّةِ الشّرعيّة بالكتابِ والسُّنّةِ والإجماعِ ؛ وهذا ما عبّروا عنه بالأدلة النّقليّة ، وهي الأدلةُ الراجحةُ عند المسلمين الصادقين غيرِ المُبتدعين والمنحرفين؛ وتلي الأدلةَ النقليّةَ أدلّةٌ عقليةٌ كثيرةٌ اتّفقَ عُلماؤنا على اعتبار القياسِ الأصوليِّ أصلاً رابعاً يلي بالترتيب الأدلّةَ النقلية ، وهو أوّلُ الأدلّة العقليّة ، ويقومُ على علّةٍ جامعةٍ بين الأصلِ والفرعِ ، ويُشكّلُ القياسُ الأصوليُّ أساساً قويّاً للإجتهاد القائم على قياسِ المسائل الطارئة على ماقد سلف ، ومثالُ ذلك تحريمُ المخدّراتِ قياساً على الْمُسكراتِ بعلةٍ جامعةٍ هي علّةُ تعطيلِ العقلِ الذي رزقَهُ اللهُ تعالى للإنسانِ كي يُفكّرَ به لا لكي يُعطِّلَهُ بالْمُسكراتِ والمخدراتِ ، ومايقاسُ على المسكرات والمخدراتِ من وسائل تعطيلِ العقل كالشعوذةِ والبدعِ ووسائل التضليل الإعلانيّ والإعلامي ؛ وغير ذلك مِما تتفتّقُ عنه أضاليلُ أهلِ الباطل .

وقد اختلف عُلماؤنا حول باقي الأدلّة العقليّة تقديماً وتأخيراً ، وهي : الإستدلالُ؛ والإستحسانُ، وشرْعُ مَنْ قبلَنا ، ومذهبُ الصحابي ، والمصالحُ المرسلةُ ، وسدُّ الذرائع وفتحُها ، والعُرفُ والعاداتُ والتقاليد وما يؤثّرُ فيها من ظروف الزمان والمكان، وغيرُ ذلك منَ الأدلّةِ الْمُختَلَفِ فيها عند علماء أصول الفقه الإسلامي ، وقد قُدِّمَ المنقولُ على المعقول لأنّ المنقولَ بشكلٍ صحيحٍ معصومٌ عنِ الخطأِ ، أما المعقولُ فما لهُ من عصمةٍ إلاّ إذا وافقَ المنقولَ ولم يتعارضْ معهُ ؛ وعمادُ العقلِ على الحواسِّ لأنّها منافذُ جمعِ المعلومات بالنظرِ أو بالسمع أو بالشمّ أو بالذوقِ أو باللمسِ أو بالتّكهنِ والتخمينِ ، وهذهِ الحواسّ تُخطئُ وتُصيبُ ؛ وتتعرّضُ للخداعِ بكافّةِ أنواعهِ ، والإدراكُ القائمُ على الإحساس الخاطئِ جرّاءَ خطأِ الحاسّةِ هو إدراكٌ خاطئٌ يُؤدّي إلى نتائجَ خاطئةٍ قد تُلحقُ أذىً بالكون بشكلٍ عامّ يفوقُ ماألحقهُ التفكيرُ الماديُّ بكوكبنا الأرضيّ ومايُحيطُ بهِ من فضاءٍ وصلَ إليه العبثُ البشريُّ الماديُّ المبنيُّ على أُسُسٍ مادّيّةٍ فاسدةٍ تُعارضُ مقاصدَ الشريعةِ الإسلامية وتُناقضُها .

ولذا فإنَّ الموقفَ الشرعيَّ قدِ امتازَ عنِ المواقفِ غيرِ الشرعيّةِ بجلْبِ المصالحِ ودفْع المفاسد ، وعلى هذا الأساسِ الواضحِ والصريحِ تمّ استنباطُ الأحكامِ الشرعيَّة باستنطاقِ أصولِ أدلّتها النقليةِ والعقليةِ مع الأخذ بعينِ الإعتبارِ أنّ الدليلَ النقليَّ راجحٌ ؛ والدليلَ العقليَّ مرجوحٌ ؛ لأنّ المنقولَ المُتواتِرَ ثابتٌ وهو يجلُبُ المصالحَ ويدفعُ المفاسدَ عنِ الكونِ بكلِّ مافيه من مخلوقات خلقها اللهُ وسخّرها لخدمة بني آدمَ .

إنّ أصولَ الأدلةِ الشرعية النقليّة وما يُوافقُها من أصولٍ عقليةٍ ترتبطُ بما هو حلالٌ وتأمرُ به ، وتُعارضُ ما هو حرامٌ وتنهى عنه ، والحلالُ يوافقُ مقاصدَ الشريعةِ الإسلامية ، والحرامُ يعارضُها ويحولُ دون تحقيقِها ، وقد أوضحتِ الشريعةُ تنوُّعَ الأحكام الشرعية وما يتعلّقُ بها من السبب، والعّلة، الشرط :( أمّا الأحكامُ فمنها: خالصُ حقِّ اللهِ تعالى: عباداتٌ محضةٌ، كالإيمانِ، والصلاةِ، والزكاةِ، والصومِ، والحجِّ، والعُمرة ، والجهادِ، والاعتكافِ. ومنها: خالصُ حَقِّ العبدِ وهو كثيرٌ .

ومنها: ما غُلِّبَ فيه حَقُّ اللهِ تعالىكَحَدِّ الْقَذْفِ.

ومنها: ما غُلِّبَ فيه حَقُّ الْعَبْدِ، كالقَصاصِ.

وكُلُّهَاْ يَنْقَسِمُ، إلى أصْلٍ، وخَلَفٍ، كالتَّصْدِيْقِ في الإيْمَانِ، ثُمَّ الإقْرَاْرِ في أحكامِ الدُّنيا ثُمَّ أَداءِ أحَدِ الأبوين، ثُمَّ تَبَعِيَّةِ الدَّارِ، والْغَنيمةِ، وكَالتَّيَمُّمِ معَ الماءِ، وهو خَلَفٌ مُطْلَقٌ عِندَ الأحناف ، وضَروريٌّ عند الشَّافِعيِّ. وثُبوتُ الخْلافَةِ بالنَّصِّ ، أوْ دَلالتهِ، وشَرْطُها عَدَمُ الأصْلِ لِلحالِ مِعِ تَصَوُّرِهِ.وللأحكام الشرعيّة مُتَعَلِّقَاْتُها كالسبب والعلّة والشرط والعلامة .

فالسَّبَبُ: [63/آ] ما يُفضي إلى مَطلوبٍ، يُدركُ فِيْهِ لاْ بِهِ.والْعِلَّةُ: ما يَجِبُ بِهِ الْحُكْمُ ابْتِدَاءً.

كالْبَيْعِ لِلْمِلْكِ، و النِّكاحِ لِلْحِلِّ، والقتلِ للقصاصِ؛ واللهُ تعالى هُو الْمُوْجِبُ، وإنَّما نُسْبَ إلى الْعِلَّةِ بِجَعْلِهِ عِلَّةً مُوْجِبَةً في حَقِّنا لِخَفاءِ حُكْمِهِ في كُلِّ واقِعَةٍ بعدَ الْوَحْيِ، وعلى هذا فالاتِّفاقُ أنَّ شَاهِدَ الْعِلَّةِ إذا رَجَعَ ضُمِنَ لِنِسْبَةِ الإيْجَابِ إليْهِ.والشَّرْطُ: ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الْوُجُوْدُ.والْعَلامَةُ: ما يُعْرَفُ بِها مِنْ دُوْنِ تَعَلُّقٍ. وهي َنَوْعٌ واحِدٌ ، وهو ما يُعْرَفُ مِنْ دُونِ تَعَلُّقِ وُجُوْدٍ ولا وُجُوْبٍ واللَّهُ أعْلَمُ ) .

أمّا مقاصدُ الشريعة الإسلاميّة فهي أرقى وأنجعُ مايُحقِّقُ إنسانيةَ الإنسانِ ، وخِلافتَه في تعميرِ الأرضِ باستخدام قوانين المنقول ومايوافقُها منَ المعقولِ ، لا في تدميرِها بالعبثِ والعُدوانِ والجشعِ والظُّلم وتضييعِ حقوقِ الإنسان والحيوان والنبات والجماد .
وقد تحدّثَ إبنُ الساعاتي البعلبكي عن مقاصد الشريعة بإيجازٍ فقال في كتاب بديع النظام الجامع بين كتابيّ البزدوي والإحكام:
( تَقْسِيْمُ الْمَقَاْصِدِ. وهي ضَرْبَانِ:

ضَروريٌ في أصلِهِ، وهو أعلاها، كالمقاصدِ الخمسةِ التي رُوعيتْ في كُلِّ مِلَّةٍ: حِفْظُ الدِّيْنِ، والنَّفْسِ، والْعَقْلِ، والنَّسْلِ، والْمَالِ. وحَصْرُها عَادِيٌّ.
فالدِّينُ: كَقتلِ الكافِرِ الْمُضِلّ، وعُقوبةُ الدَّاعِي إلى البِدَعِ.

والنَّفْسُ كالقَصاصِ.
والْعقلُ:
كحَدِ الشُرْبِ.
 

والنَّسْلُ: كالْحَدِّ على الزِّنا.
 
والمالُ:
كَعُقوبَةِ السَّارِقِ والْمُحارِبِ.

ومُكَمِّلُ الضَّرُوْرِيِّ: كَتحريمِ قليلِ الْخَمْرِ، والْحَدِّ عليهِ، وإنْ كانَ أصْلُ الْمَقصودِ

حاصِلاً بتحريمِ الْمُسْكِرِ منهُ لكِنَّ فيهِ تَكْمِيْلٌ لَهُ

وغيرُ ضَروريٍّ:
وهو ما تدعو إليه الحاجَةُ في أصْلِهِ، كالبيعِ والإجَارَةِ، والإقْراضِ، وتَزويجِ الصَّغيرةِ لِخَوْفِ فَواتِ الْكُفْءِ، وهي الرُّتْبَةُ الثَّانيةُ، وهي مُعارَضَةٌ لِلتَّكمِيْلِ ولِهذا جازَ اخْتِلافُ الْمِلَلِ فِيْها.
وبَعْضُ هذهِ آكَدُ مِنْ بَعْضٍ، وقد تكونُ ضَروريةً كالإجَارَةِ على تَرْبِيَةِ الصَّغيرِ، وشِراءِ الْمَطْعومِ، والْمَلبوسِ لَهُ ولِغَيرِهِ.
ومُكَمِّلٌ لهُ
كَرِعايَةِ الْكَفَاءَةِ ومَهْرِ الْمِثْلِ في الصَّغيرَةِ، فإنَّهُ أفْضَى إلى دَوامِ النِّكاحِ، وإنْ كانَ أصْلُهُ حَاصِلاً.

وما لا تَدعُو إليهِ الحاجةُ لَكِنَّهُ منْ قَبيلِ التَّحسيِن،
كَسَلْبِ الْعَبْدِ أَهليةَ الشَّهادَةِ لانْحِطاطِ رُتْبَتِهِ ( جرّاءَ العبودية وسلبِ الحريّة ، ولذلك ) لا تَلِيْقُ بِهِ الْمَناصِبُ الشَّريْفَةُ.( إلاّ إذا تحرّر لأنّ الحريّةَ شرطٌ معتبرٌ في تأهيل الشاهدِ لأداءِ الشهادة في كافّة الأحوال ) .

إنَّ نَصَّ ابن الساعاتي مثالٌ على ما كانت عليه لغةُ الخطاب الإسلاميّ الأصولي؛ الذي وصلَ القمّةَ على يديّ ابن الساعاتي أوّل مَنْ جَمَعَ بين طريقتيّ الفقهاءِ الأحنافِ والمُتكلمين الشافعيّةِ في طريقةٍ واحدةٍ ؛ ونالت طريقتُهُ القَبول عند الذين جاؤوا بعدَهُ من الأُصوليين الذين كتبوا في أصولِ الفقهِ على المذاهبِ السُّنِّيَّةِ الأربعةِ .

إنّ مَنْ يتَتبَّع كُتُبَ أصولِ الفقهِ التي كتبها مُؤلفوا الأصول في القرن العشرين يجد أنَّ المُحدثين لم يُؤلِّفوا بلُغةٍ مُعاصرةٍ وإنّما سلكوا مسالكَ القدماءِ وأدرجوا النُّصوصَ القديمة في سياقِ الكُتُبِ التي ألّفوها حديثاً ، ولكنّهم أشاروا إشارةٍ جُزئيّةٍ لاتتجاوزُ عُشرَ ماضمّنوه في كُتُبِهم ، فجاءتِ الكتُبُ المُؤلَّفةُ في أصولِ الفقهِ الإسلاميِّ عسرةَ الفهم فأدتْ إلى اعتمادِ الطلبةِ على الحفظِ دون الفهمِ ، وبذلك ساهم المُحدَثونَ في تعطيلِ هذا العلمِ الذي يُشكلُ آلةَ استنباطِ فقهٍ إسلاميٍّ مُعاصرٍ لايتعارضُ مع جوهر الشريعة المحفوظ في النّصوصِ الإسلاميّة النقليّةِ ، وبعملهم هذا تركوا الميدان مفتوحاً أمام غير المسلمين الذين يُسَوِّقُونَ بضائعَهم في العالم الإسلاميّ ، وهم يَدَّعُونَ أنّ غُثاءَهم هو البديلُ عما جاءت به الشريعةُ الغراء ، ولهذا فإنَّ الساحةَ الإسلاميةَ بحاجةِ إلى جهادِ العُلماء بشكلٍ قادرٍ على صدِّ هجمات أعداء الإسلام الذين يتسترون بشعارات العلمانيّة والتقدُّميةِ والحداثة والثوريةِ والبحث العلميّ والبحثِ العقلاني ، ويتّحدُ جميعُ هؤلاء تحت جامعٍ مُشترَكٍ واحدٍ هو بناءُ ما ليس بإسلاميّ على أنقاض الحضارة الإسلامية .

خاتمة

لابدَّ لنا في النهايةِ من تقسيم الباحثين في شؤون الفكر الإنساني إلى فريقين أساسيين ومُختلِفينِ على مايُؤمنانِ بهِ ظاهراً وباطناً ، والمقصود بالفريقين: الفريقُ المسلم ، والفريقُ غير مسلم ، ويضمُّ كلُّ فريقٍ منهما أتباعاً وشيعاً وأحزاباً يُمثِّلُ بعضُها جوهرَ الفريقِ الذي ينتسب إليه ، ويُبرهنُ على صدق الإنتماءِ بتطبيق الشعائرِ التي يُبنى عليها إيمانُ الفريقِ المُختارِ، وباقي البشرِ تَبَعٌ لأحدِ الفريقين ، وَلَئِنِ ادّعى مُدَّعٍ الحيادَ ؛ فلاشكَّ أنّنا نحكمُ على بُطلانِ دعواه وسببُ الحكم هو عدمُ وجُودِ منزلةٍ حياديةٍ بين الإيمانِ بالإسلام وعدم الإيمان به .

1ً - فالْمُسلمُ هو الذي يؤمنُ باللهِ وملائكته وكتُبِهِ ورُسلِه ، والقضاءِ والقدرِ ، وأنّ البعثَ حقٌّ ، ويقرُنُ هذا الإيمانَ بأداءِ الواجباتِ من عباداتٍ ومعاملات حسب ماتُقرّرُه الشريعةُ الإسلامية دون نُقصان ، أما مَنْ يدّعي الإسلامَ بلسانه ولايقرنُ قولَه بالعمل ، وإنّما يتشبَّثُ بالبدع ، ويلهثُ وراء الأهواء فهو أقربُ إلى غير المسلمين ، ولافائدة تُرتجى للإسلام مِمّا يطرحُهُ من أراء بُلحقُ بالمسلمين الأذى ، وتنفعُ غيرَ المسلمين .

2ً - الفريق غير المسلم ، ويضمُّ أهلَ الكتابِ من اليهود والنصارى ، وأَتْباعَ النِّحَل والأهواء والوثنيين والملحدين ، والجامعُ المشتركُ بين هؤلاء جميعاً هو عدَمُ الإيمان بنُبُوّةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم ، وبما أُنزلَ عليهِ من كلام الله المحفوظ بين دَفّتي القرآن الكريم ، وموقفُ هؤلاء مبنيٌّ على عدمِ الإعترافِ برسالةِ النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم ، ولو أنّهم اعترفوا بها لأسلموا وزال سببُ الصراع التناحريّ الذي يُهدِّدُ الإسلام والْمُسلمين ، ولَتَوقفَ أعداءُ الإسلام عن اختراعِ أسلِحَتِهم المادِيّة والمعنويّة التي بدأت بما فعلهُ الوثَنِيّون والمنافقون واليهود والنصارى والمجوسُ وباقي أصحاب النِّحَلِ ، ومنذُ فَجْرِ الرسالةِ الإسلاميّة وحتى عصرنا الحاضر مازلنا نرى علائمَ العدوان على الإسلام واضحةً ، تارةً بتُهمةِ تخلُّفِ العقلِ العربي ، وتارةً بتخلُّفِ الخطابِ الإسلامي ، وتارةً بعجز اللغة العربية إلى آخر ماهنالك منَ الإفتراءآت التي افتراها أعداءُ الإسلام ، وردّدَها ضعافُ النُّفوسِ وضعافُ الإيمان والجاهلون المبهورون بهرطقات الأعداء وافتراءآتهم ، والكسالى الذين لمْ يُكلِّفوا أنفُسَهم عناءَ البحثِ عن لُغةٍ سلِسةٍ تُاعدُنا على وصلِ حاضرِنا المُتخلِّفِ بماضينا الْمُشرقِ المُتقدم.


إحصاءات

عدد الزيارات
10457263
مواقع التواصل الاجتماعية
FacebookTwitterLinkedinRSS Feed

صور متنوعة